طباعة

 توثيق النص

 

 

 

 

القاعدة الصلبة من المهاجرين والأنصار

أمام المحن القاسية وجها لوجه بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم

لفضيلة الشيخ زهير الخالد

 

 

1_ صدى وفاة رسول الله صلوات الله وسلامه عليه.

أ_ عند الصحابة رضوان الله تعالى عليهم..

فوجئ الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - بوفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن رأوه في صلاة الفجر، وأمّلوا شفاءه ومعافاته، فنزل بهم النبأ نزول الصاعقة، فأظلمت الدنيا في عيونهم وغرقوا في بحر من الهم والحزن عميق..

قال أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه: "لما كان اليوم الذي قدم فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة أضاء منها كل شيء، فلما كان في اليوم الذي توفي فيه أظلم منها كل شيء" رواه الإمام أحمد.

لقد كان مصاب المسلمين بفقد رسول الله صلى الله عليه وسلم عظيماً وأليماً.. بل لا يوصف!

لقد فقدوا نبيهم ومربيهم وقائدهم وأسوتهم الحسنة، فقدوا الرجل الذي لا يساويه رجل في الدنيا بأي جانب من جوانب الخير والكمال البشري، وفقدوا للترجمة العملية الحية للقرآن الكريم "كان خلقه القرآن".. ثم إنهم فقدوا نزول الوحي بفقده عليه صلوات الله وسلامه، قيل لأم أيمن رضي الله تعالى عنها حاضنة رسول الله صلى الله عليه وسلم  مواساةً لها ما يبكيك؟ على النبي صلى الله عليه وسلم؟ ما عند الله خير لرسوله، قد أكرم الله نبيه، فأدخله جنته، وأراحه من نصب الدنيا.. فقالت: إني علمت أن رسول الله سيموت، والله ما أبكي أن لا أكون لا أعلم أن ما عند الله خير لرسوله، ولكني إنما أبكي على الوحي الذي رفع عنا، إنما أبكي على خبر السماء كان يأتينا غضاً جديداً كل يوم، فقد انقطع ورفع فعليه أبكي، فهيجت من عندها على البكاء فجعلوا يبكون..

وليس هذا فحسب، بل إن الصحابة رضي الله عنهم فقدوا نبيهم عليه الصلاة والسلام في ظرف عصيب، حيث تحيط بهم الأخطار من كل حدب وصوب، وتتهدد كيانهم ووجودهم فهناك المنافقون في المدينة وحولها، وهناك حديثو العهد بالإسلام ممن قال الله تعالى فيهم {قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ}، وهناك الطلقاء من زعماء قريش في مكة المكرمة الذين قهرتهم قوة الإسلام، ثم هناك اليهود الموتورون الحاقدون، وكذلك النصارى على التخوم الشمالية للجزيرة العربية، وجيش أسامة بن زيد بن حارثة - رضي الله تعالى عنهما - على الانطلاق إليهم، وأيضاً الفرس، ثم إن هناك المتنبئين الكذابين ومنهم من ما زالت فتنته قائمة كمسيلمة، ومنهم من لم يمض غير وقت قصير بل أيام على القضاء على فتنته كالأسود العنسي.

قال محمد بن إسحاق: لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتدت العرب، واشرأبت اليهودية والنصرانية، ونجم النفاق، وصار المسلمون كالغنم المطيرة في الليلة الشاتية لفقد نبيهم حتى جمعهم الله على أبي بكر رضي الله تعالى عنه [1].

ب_ صدى وفاته عليه الصلاة والسلام في الجزيرة العربية:

ما إن انتشر خبر وفاته - صلى الله عليه وسلم - في الجزيرة العربية حتى اضطربت فيها الأمور وظهر المنافقون وذوو الأطماع في الزعامة والملك والرئاسة والمال، وقوي أمر من تكذب وتنبأ كمسيلمة الحنفي وطليحة الأسدي وسجاح بنت الحارث التغلبية، وارتدت القبائل العربية، ولم يبق مكان في الجزيرة العربية إلا وحدثت فيه فتنة وردة أو محاولة ردة، حتى إن اكثر أهل مكة هموا بالردة لولا أن الله سبحانه كفهم وخوّفهم بسهيل بن عمرو  رضي الله تعالى عنه [2] وقد اختلفت المظاهر التي اتخذتها ردة كل قبيلة، فمنهم من ادعى النبوة، ومنهم من تزندق، ومنهم من امتنع عن دفع الزكاة… وبقيت المدينة المنورة وحدها في وجه هذه الأمواج المتلاطمة من الفتن العاتية الطاغية.. فهي كسفينة في وسط بحر هائج متلاطم الأمواج يريد أن يبتلعها..

ج_ صدى وفاته - صلى الله عليه وسلم - لدى العلم الخارجي:

كان يسيطر على العالم خارج الجزيرة العربية إذ ذاك قوتان أو دولتان كبيرتان هما الدولة الرومية في الغرب والدولة الفارسية في الشرق، وتشكلان معسكرين متنافسين غربياً وشرقيا، تسيطر على الغربي منهما الدولة الرومية، وعلى الشرقي الدولة الفارسية.

وكان التنافس بينهما مستمراً ومنذ قرون وأجيال، إلا أنه توقف فجأة منذ أن أصبح للمسلمين كيان ودولة في المدينة المنورة تحت قيادة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأصبح كل منهما يحسب لهذه القوة الناشئة ويستعد للانقضاض عليها، إنما ينتظر الفرصة السانحة، بل إن المعسكر الغربي الرومي بدأ يتحرش بالمسلمين على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فكانت غزوة تبوك ومؤتة، فلما توفي الرسول عليه الصلاة والسلام أراد أن ينتهز هذه الفرصة لكن جيش أسامة بن زيد - رضي الله عنهما - كان له بالمرصاد.

أما المعسكر الشرقي الفارسي فقد تحرك هو الآخر حين سمع بنبأ وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال كسرى: من يكفيني أمر العرب؟ فقد مات صاحبهم، وهم الآن يختلفون بينهم، إلا أن يريد الله بقاء ملكهم فيجتمعون على أفضلهم[3].

لقد وجد الصحابة أنفسهم - رضي الله تعالى عنهم -  يقفون وجهاً لوجه أمام محن قاسية شديدة وخطيرة، ومهمات كبرى ومسؤوليات ضخمة تمتحن صلابتهم ووعيهم، وتعجم عودهم وجدارتهم للقيام بالأمانة العظمى بعد نبيهم عليه الصلاة والسلام..

هذه المحن والمهمات يمكن حصرها في نقاط ثلاث وهي:

1_ اجتماعهم قبل كل شيء وبأسرع وقت على رجل منهم خليفة لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

2_ الوقوف في وجه الردة الشاملة للجزيرة العربية والمرتدين..

3_ حمل الأمانة العظمى، وتبليغ رسالة الله تعالى إلى العالم كله وتحرير البشر بها، وإيصال الإسلام إلى كل إنسان على ظهر الأرض وإزالة كل العراقيل والعقبات "سواء كانت هذه العقبات والعوائق شبهات تحاك، وضلالات تزيّن، أو كانت قوى طاغية تصد الناس عن الدعوة وتفتنهم في الدين .." {حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ}[4].

وسنتناول - بإذن الله تعالى - هذه النقاط في الأعداد القادمة.

 

 

 



[1] البداية والنهاية جزء (5) فصل احتضاره ووفاته عليه الصلاة والسلام..

[2] المرجع السابق.

[3] مختصر السيرة للشيخ محمد بن عبد الوهاب ص 319 ط: 1.

[4] في ظلال القرآن للسيد قطب رحمه الله تعالى ج6 ص29 ط: 4.