|
|
صراع مع الملاحدة حتى العظم
|
|
لفضيلة الشيخ
محمد شريف الزيبق |
|
المدرس بكلية
الدعوة بالجامعة |
|
|
|
ظهر حديثاً هذا الكتاب ومؤلفه الأستاذ عبد الرحمن حسن حنبكة
الميداني، وهو في خمس مائة صحيفة، وهو الحلقة الثانية للمؤلف من " سلسلة
أعداء الإسلام " وكانت الحلقة الأولى " مكايد يهودية عبر التاريخ ". |
|
والإلحاد من أبرز سفاهات الإنسان ومن أشنع حماقاته، وقد
دفعه إليه قديماً وحديثاً تكبره وفجوره، وظلمه وإجرامه، وغفلته وجهله، وهو قديم
في البشر قدم هذه الآفات فيهم، ولكنه فشا في العصر الحديث بصورة تلفت النظر،
وتدعو إلى التفكر، وقد بات من الجلي أمام الباحثين أن أبرز من ينشر الإلحاد في
هذا الزمان أعداء الله والبشرية (اليهود)،
وأن الشيوعية الملحدة وسيلة من وسائلهم في نشره، وأن مقصدهم من وراء ذلك هدم
إنسانية الإنسان ليصير حيواناً بشرياً يمكنهم امتطاؤه وتسخيره لمصالحهم، كما
يصرحون بذلك في (تلمودهم) وفي(بروتوكولاتهم)،
كما اتضح أن عداء البابوية للعلم والعلماء في فجر النهضة الأوربية كان من أسباب
انتشار الإلحاد أيضاً. |
|
والعجيب في إلحاد هذا الزمان أنه يضرب بسيف العلم، ويدفع
عقيدة الإيمان بالله سبحانه بحجة أن العلم يأباها، وأن الدين والعلم متناقضان {كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ
يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِباً}، ولهذا شن الملحدون معركة ضد الدين عامة
وضد الإسلام خاصة، وإن الإنسان ليعجب لهذه الفرية الكبرى فأنى للإسلام أن يتناقض
مع العلم؟ أليس العلم قوانين أوجدها الله في كونه، والدين كلمة الله أنزلها على
أنبيائه؟ فكيف يتناقض شيئآن مصدرهما الحكيم العليم، وكيف يمكن لإنسان عنده شيء
من عقل ووعي أن يزعم أن الإسلام يتناقض مع العلم، وهو الذي يدعو إليه ويشجعه؟
ويقول فيما يقول للبشر: {قُلِ انْظُرُوا مَاذَا
فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} ويدعوهم للانتفاع بكل شيء في الكون
بقوله {وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ
وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ}. |
|
والحق أن الدين الصحيح صديق حميم للعلم، وأن العلم الصحيح
عدو مبين للإلحاد، ولكن الملحدين يحلو لهم دائما الكذب والبهتان، واللجاج في
الباطل والطغيان. |
|
وقد غزا الإلحاد فيما غزا بلاد الإسلام وقام في ربوعها
ناعقون يرددون سفاهاته وينشرون ضلالاته، ثم برز في مؤخرة ركب الملحدين حمال
أثقال اسمه (( صادق جلال العظم)) الحائز على لقب (( دكتور )) من الذين دسّوا
الكفر في فكره، فجمع ترهات الملحدين في كتاب أسماه (نقد الفكر الديني) وحشاه
بالأغاليط والأكاذيب والجهل، ومنته نفسه ورفاقه الملحدون الأماني من وراء
مفترياتهم، وطغا عليهم غرورهم، فكان لابد من الرد عليه، ومع اعتقاد المؤلف
المفضال أن الإلحاد لا سند له، وأنه أو هي من بيت العنكبوت، إلا أن خوفه من تأثر
الناشئة المسلمين بتضليلات العظم وسواه دعاه للرد على العظم رداً أتى فيه على
قواعد الملحدين فنسفها بالعلم الصحيح والحجة القوية والاطلاع الواسع. |
|
وقد وجد المؤلف في كتاب (نقد الفكر الديني) لصادق العظم
أمثلة كثيرة للمغالطات وأنواع السقطات المقصود بها تضليل من يطالع كتابه من
مراهقي الفتيان والفتيات من أجيال الأمة الإسلامية، خدمة للماركسية والداروينية
والفرويدية وسائر النظريات بل الفرضيات اليهودية دون أن يطرح مناقشات علمية
نقدية تتحرى الحقيقة، وقد جمع كل الأديان وكل ما فيها من حق وباطل، وكل ما نسب
إليها من ضعيف وقوي وفاسد وصحيح، وقال: هذه هي الأديان، ثم وجه النقد اللاذع
للباطل الظاهر وللضعيف البين وللفاسد المعروف فساده، ثم صنع من ذلك مقدمة فاسدة
استنتج منها إبطال الدين كله.. |
|
وقد أحصى المؤلف جدليات الملاحدة المعتمدة على المغالطات
الفاحشة الوقحة، والمقنعة بالحيلة والخداع في هذه العناصر: |
|
1_ تعميم أمر خاص. |
|
2_ تخصيص أمر عام. |
|
3_ ضم زيادات وإضافات ليست في الأصل. |
|
4_ حذف قيود وشروط لازمة، يؤدي حذفها إلى تغيير الحقيقة. |
|
5_ التلاعب في معاني النصوص. |
|
6_ طرح فكرة مختلفة من أساسها للتضليل بها. |
|
7_ تصيد بعض الاجتهادات الضعيفة لبعض العلماء وجعلها هي
الإسلام مع أنها اجتهادات مردودة. |
|
8_ التقاط مفاهيم شاذة موجودة عند بعض الفرق التي تنتسب إلى
الإسلام، وإطلاق أنها مفاهيم إسلامية مسلم بها عند المسلمين، والإسلام منها بريء
براءة الحق من الباطل. |
|
9_ نسبة أقوال أو نصوص إلى غير قائليها. |
|
10_ كتمان أقوال صحيحة وعدم التعرض إليها مطلقاً مع العلم
بها وشهرتها. |
|
11_ الإيهام بأن العلوم المادية ملحدة على خلاف ما هي عليه
في الواقع. |
|
وقد أفرد المؤلف فصلاً من فصول الكتاب الأحد عشر للنقد
الذاتي حول مفاهيم المسلمين للإسلام، بيّن فيه المفاهيم الدخيلة الغريبة عن الإسلام
التي حاول أعداؤه إلصاقها بتعاليمه الناصعة، وكيف تحولت هذه المفاهيم الدخيلة
إلى مواريث ثقيلة، وبدع شنيعة أحسنت ظهور الأجيال، وعرقلت سبيل تقدمها، وهيأت
المناخ المناسب لفساد الأجيال التي حملت شعار التخلص منها على غير هدى ولا
بصيرة، فتخلصت منها ومن الجوهر النافع الذي هو الأصل السليم، وقد وجدت طائفة من
هذه الأجيال بسبب تلك الشوائب الدخيلة مبررات كثيرة تلبي عن طريقها الرغبة في
الانطلاق والتحرر والانسياق وراء الأهواء، ومن وراء هذه الطائفة شياطين يمدون
خراطيهم في الظلمات من ديار الحرب إلى دار الإسلام، فيوسوسون لها ويمنونها
ويكيدون في ذلك لها وللأمة الإسلامية ما يكيدون من شر عظيم، ووسائلهم في ذلك
الإغراء بالمال، أو الإطماع بالحكم والسلطان، أو الفتنة بالنساء أو الخمر
والميسر والمخدرات وأصناف اللهو، وإضعاف القوى الفردية والاجتماعية عن طريقها
والخداع بمظاهر الحضارة المادية الخلابة. |
|
ويرجع انحراف المفاهيم الإسلامية في رأي المؤلف إلى عدة صور
مصابة بالخلل أو الفساد أو التزوير، ويذكر لها عشرة أسباب مع طرق علاجها وهي: |
|
1_ الجهل وفتور الهمة عن تفهم تعاليم الإسلام الصحيحة. |
|
2_ اتباع الهوى. |
|
3_ الغلو في الدين غير الحق. |
|
4_ النظر الضيق المحدود الذي يلازمه النظر إلى جوانب خاصة
معينة من الإسلام واعتبارها الإسلام كله. |
|
5_ الجمود. |
|
6_ التحلل. |
|
7_ الفتنة بكل جديد قبل اختباره. |
|
8_ التعصب لكل قديم مهما كان شأنه، ولو كان مخالفاً للحقيقة
البينة ولأسس الإسلام الصحيحة الصافية. |
|
9_ الأثرة التي تولد الإعجاب الشديد بالرأي، وتولد التعصب
والفردية في الأعمال، وتشتت الشمل وتفرق الكلمة. |
|
10_ ما يكيده أعداء الإسلام من مكايد، ويدخل تحت هذا السبب
صور كثيرة. |
|
وفي فصل آخر من فصول الكتاب يبرز المؤلف الحقائق البينة
التي تؤكد موافقة العلم للدين الحق الإسلام، وأن الإسلام يدعو إلى الطرق العلمية
في البحث، ويفند مغالطات الملاحدة الذين كثيراً ما يدعون أن فرضية أو نظرية من
النظريات قد أصبحت حقيقة علمية غير قابلة للنقض أو التعديل، مع أن هذه النظرية
لا تملك أدلة إثبات يقينية تجعلها حقيقة نهائية، أو حقيقة مقطوعا بها، وذلك
بشهادة العلماء الذين وضعوا هذه النظرية أو ساهموا في تدعيمها. |
|
ومن أمثلة ذلك الدارونية بالنسبة إلى نشأة الكون وخلق
الإنسان فهي لا تملك أدلة إثبات قاطعة أو شديدة الترجيح، ولكن كثيراً من العلماء
الماديين يقبلونها تسليماً اعتقادياً لا تسليماً علمياً، إذ ليس لديهم اختيار
بعدها إلا الإيمان بالخلق الرباني، وهذا أمر لا يجدون أنفسهم الآن مستعدين له ما
دام منطق الإلحاد هو المسيطر على اعتقادهم في بيئتهم. |
|
ويأتي أنصاف المتعلمين، كالعظم فيدعون وجود التناقض بين
الدين والحقائق العلمية، استناداً إلى وجود اختلاف بين بعض المعارف الدينية وبعض
الفرضيات أو النظريات التي لم تثبت ولم ترق إلى درجة الحقائق العلمية وهم يزعمون
كذباً أو يتصورون خطأ أن هذه الفرضيات أو النظريات قد أصبحت حقائق علمية ثابتة
بشكل قطعي غير قابل للنقض، وهنا يقعون في غلط علمي فاحش جداً، ويتبع ذلك سقوطهم
في ضلال اعتقادي كبير تجاه الدين وأصوله ومعارفه، علماً بأن طائفة من النظريات
التي نسبت إلى العلم قد وضعت خصيصاً لدعم قضية الإلحاد والكفر بالله على أيدي
يهود أو أجراء لليهود، وصيغت لها المقدمات والمبررات التي ليس لها قواعد منطقية
علمية صحيحة. |
|
يقول المؤلف: "فالواجب إذن يحتم علينا _ أخذاً بطريق
البحث العلمي السليم المحرر الذين أمرنا به الإسلام _ أن نمعن النظر فيما قدمته
شهادة العقل ووسائل البحث العلمي الإنسانية، وفيما قدمته شهادة النصوص الدينية،
وأن نخضع هذه الشهادات للضوابط العلمية الصحيحة المتفق عليها في أصول العقل
وأصول الدين.. وإني لأجزم بكل يقين أننا لن نجد مسألة واحدة يستحكم فيها الخلاف
بين شهادة النصوص الدينية اليقينية قطعية الثبوت قطعية الدلالة، وبين الشهادة
القاطعة التي يقدمها العقل، أو الشهادة القاطعة التي يقدمها البحث العلمي
الإنساني البحت، بل اليقيني من كل ذلك لابد أم يتطابق في شهادته متى استطاع أن
يصل إلى الحقيقة التي هي موضوع البحث، فإن وصل بعضها وبعضها الآخر لم يصل أعلن
كلّ عن مبلغه من العلم، قصر في المعرفة أو زاد وفي هذا لا يوجد تناقض أو خلاف،
ولكن يوجد بيان جزئي، وبيان أشمل وأكمل، أو بيان جزئي من جهة وبيان جزئي من جهة
أخرى". |
|
وفي فصل (صراع من أجل قضية الإيمان بالله والفكر الديني
الصحيح حولها) يقول: "إن الملحدين جميعاً لم يستطيعوا مجتمعين أو متفرقين
أن يقدموا أية حجة منطقية أو واقعية مقبولة عند العقلاء تثبت عدم وجود خالق لهذا
الكون، وقد قرأنا ما كتبه هذا الملحد
وما كتبه غيره من أساطين الإلحاد فلم نجد لديهم دليلاً واحداً صحيحاً
ينفي وجود الخالق جل وعلا، بل لم نجد في كل ما كتبوه دليلاً واحداً يقدم ظناً
بعدم وجود الخالق، فضلاً عن تقديم حقيقة علمية.. جلّ ما لديهم محاولات للتشكيك
بعالم الغيب، والتزام بأن لا يثبتوا إلا ما شاهدوه من مادة بالوسائل العلمية
المادية. |
|
وهذا الارتباط بحدود المادة التي لم يشهد العلم حتى العصر
الحاضر إلا القليل منها إن هو إلا موقف يشبه موقف الأعمى الذي ينكر وجود الألوان
لأنه لا يراها، أو الأصم الذي ينكر وجود الأصوات لأنه لا يسمعها، أو موقف
الحمقاء حبيسة القصر التي ترى أن الوجود كله هو هذا القصر الذي تعيش فيه، لأنها
لم تشاهد في حياتها غيره.. فما حظ
هؤلاء من العلم والأمانة العلمية ومطابقة الحقيقة والواقع؟ كذلك الملحدون لا حظ
لهم من العلم والأمانة العلمية ومطابقة الحقيقة والواقع، إذ ينكرون الخالق جل
وعلا ويصرون على إنكاره ولا يملكون دليلاً واحداً على نفي وجوده، قد يستخدمون
عبارات ضخمة يستغلون فيها أسماء التقدم العلمي والصناعي وتطور مفاهيم العصر،
والبحوث العلمية في المختبرات والمعامل للتمويه بها.. مع أن التقدم العلمي والصناعي لم يتوصل
إلى قياس شيء من عالم الغيب، بل ما يزال عاجزاً عن قياس أمور كثيرة داخلة في
العالم المادي الذي هو مجال كل أنواع التقدم العلمي الذي انتهت إليه النهضة
العلمية الحديثة. |
|
والعلماء الماديون الذين يستخدمون المعامل والمختبرات
والأجهزة العلمية المتقدمة جداً.. يحاولون تفسير كل ما شاهدوه من ظواهر بنظريات
استنتاجية يغررون فيها حقائق غير مرئية وغير مشاهدة، وهي بالنسبة إليهم وبالنسبة
إلى أدواتهم ما زالت أموراً غيبية، ومع ذلك فإنهم يضطرون إلى إقرارها والتسليم
بها، ويجعلونها قوانين ثابتة يقولون عنها إنها قوانين طبيعية. |
|
وفي هذا الفصل يتناول ما يردده العظم من الحجة الشيطانية
القديمة التي تقول في آخر سلسلة التساؤل: ومن خلق الله؟ ويناقش حججه المادية
سارداً أقوال بعض علماء المادة مثل إدوارد كيسل الذي يقول: "أثبتت البحوث
العلمية دون قصد أن لهذا الكون بداية، فأثبتت تلقائياً وجود الأدلة، لأن كل شيء
ذي بداية لا يمكن أن يبتدئ بذاته، ولا بد أن يحتاج إلى المحرك الأول، الخالق
الإله". |
|
ويعقد المؤلف فصلاً لمناقشة (برتر أندرسل) و (فرويد) وإمامي
العظم، مبينا أن الأول صدر في إلحاده عن الهوى التعصب للدين لأنه يجعل ما يقبله
من تفسيرات علمية مقبولاً بصفة ترجيحية لضرورة العجز عن الوصول إلى اليقين… وأما
الثاني فهو يهودي متعصب للصهيونية وقد وصفت إحدى مساعداته في التحليل النفسي
إلحاده بأنه كان زائفاً لأنه تركه بعد ذلك متشبثاً باليهودية الصهيونية، وفيا
لها، سائراً في طريقها، منفذاً لخططها. |
|
ويطول الكلام لو وقفنا عند فصل من فصول الكتاب واقتباس بعض
عباراته، والإشارة إلى القضايا الفكرية التي يعالجها ببيان مشرق وأسلوب يمتاز
بالقوة والرصانة وعمق الفكرة، وأدع للقارئ أن يستمتع بقراءة هذا الكتاب النفيس
سائلا الله عز وجل أن يهدي به الضالين، ويثبت المؤمنين ويزيدهم إيماناً وأن يجزي
المؤلف فضيلة الشيخ عبد الرحمن حنبكة أحسن الجزاء. |