طباعة

 توثيق النص

 

 

 

 

تنزيه الأصحاب عن تنقص أبي تراب (2)

لفضيلة الشيخ حمود عبد الله التويجري

 

 

الموضع الثالث: زعم أبو تراب أن أبا بكر وعمر رضي الله عنهما ماتا ولم يحفظا القرآن كله وقد حفظ أبو بكر من الأحاديث مائة واثنين وأربعين.. وعمر خمسمائة حديث وسبعة وثلاثين.. ولكن ابنه كان أعلم منه فقد حفظ ألفي حديث وستمائة وثلاثين. وغلب الجميع أبو هريرة فله خمسة آلاف حديث وثلاثمائة وأربعة أحاديث فهل نقول أن أبا هريرة كان أفضل من أبي بكر. كلا.. فالفضل غير العلم والفقه والاجتهاد والحفظ.

والجواب أن يقال: لا يخفى ما في هذا الكلام من الجرأة والتهجم على أبي بكر وعمر رضي الله عنهما. وما يدري أبا تراب أن أبا بكر وعمر رضي الله عنهما ماتا ولم يحفظا القرآن كله. إنا نطالبه بإقامة الدليل على ذلك.

وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة" رواه مسلم وغيره من حديث أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه..

وثبت عنه صلى الله عليه وسلم من عدة أوجه في الصحيحين وغيرهما أنه أمر أبا بكر رضي الله عنه أن يصلي بالناس في مرضه الذي مات فيه. وقد ترجم البخاري على ذلك بقوله: ((باب أهل العلم والفضل أحق بالإمامة)). وفي الصحيحين وغيرهما من حديث سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذهب إلى بني عمرو بن عوف ليصلح بينهم فحانت الصلاة فتقدم أبو بكر رضي الله عنه يصلي بالناس. الحديث. وقد أقر النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر على فعله ورضي بما صنع. وعن عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا ينبغي لقوم فيهم أبو بكر أن يؤمهم غيره" رواه الترمذي فعلم من هذا أن أبا بكر رضي الله عنه كان أعلم الصحابة بالسنة وأقرأهم لكتاب الله تعالى.

وقد ذكر ابن عبد البر في الاستيعاب عن عبد خير قال سمعت عليا رضي الله عنه يقول: "رحم الله أبا بكر كان أول من جمع ما بين اللوحين".

وقال ابن كثير في البداية والنهاية: "والمقصود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم أبا بكر الصديق رضي الله عنه إماما للصحابة كلهم في الصلاة التي هي أكبر أركان الإسلام العملية . قال الشيخ أبو الحسن الأشعري: "وتقديمه أمر معلوم بالضرورة من دين الإسلام".

قال: "وتقديمه له دليل على أنه أعلم الصحابة وأقرؤهم لما ثبت في الخبر المتفق على صحته بين العلماء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يؤم الناس أقرؤهم لكتاب الله فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة فإن كانوا في السنة سواء فأكبرهم سنا فإن كانوا في السن سواء فأقدمهم إسلاما" قال ابن كثير: "وهذا من كلام الأشعري رحمه الله مما ينبغي أن يكتب بماء الذهب ثم قد اجتمعت هذه الصفات كلها في الصديق رضي الله عنه وأرضاه" انتهى.

وقد تقدم قول ابن مسعود رضي الله عنه: "إن عمر كان أعلمنا بالله وأقرأنا لكتاب الله وأفقهنا في دين الله" وفي هذا أبلغ رد على أبي تراب في قوله إن أبا بكر وعمر ماتا ولم يحفظا القرآن كله.. وأما قوله وقد حفظ أبو بكر من الأحاديث مائة واثنين وأربعين وعمر خمسمائة حديث وسبعة وثلاثين.

فجوابه أن يقال: وما يُدري أبا تراب أن أبا بكر وعمر رضي الله عنهما لم يحفظا من الأحاديث سوى ما ذكره. لقد أخطأ أبو تراب وأبعد عن الصواب في هذا القول الذي لم يتثبت فيه. ولو كان الأمر على ما زعمه لكان أبو بكر وعمر رضي الله عنهما من أقل الصحابة علما وهذا معلوم البطلان بالضرورة.

ويقال أيضا: من المعلوم أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه كان ملازما للنبي صلى الله عليه وسلم منذ بعثه الله تعالى إلى أن توفاه وكان لا يفارقه في حضر ولا سفر. وكذلك عمر رضي عنه قد كان ملازما للنبي صلى الله عليه وسلم منذ أسلم إلى أن توفي الله نبيه صلى الله عليه وسلم وكان لهما من الاختصاص بالنبي صلى الله عليه وسلم ما ليس لغيرهما فيبعد كل البعد أن تكون روايتهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أقل من رواية من لم يصحب النبي صلى الله عليه وسلم إلا مدة يسيرة ولم يكن لهم من الاختصاص بالنبي صلى الله عليه وسلم ما كان لأبي بكر وعمر رضي الله عنهما. فالذي لا يشك فيه أن أبا وعمر رضي الله عنهما قد حفظا عن النبي صلى الله عليه وسلم علما كثيرا.. ولا يبعد أن يكون ما حفظاه من الحديث أكثر مما حفظه بعض المكثرين من الرواية. ومما يدل على ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أبا بكر رضي الله عنه أن يصلي بالناس في مرضه الذي مات فيه وأنه صلى الله عليه وسلم أقره على الصلاة بالناس لما ذهب إلى بني عمرو بن عوف ليصلح بينهم.

وقد قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: "يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة" فدل على أن أبا بكر رضي الله عنه أعلم بالسنة من جميع الصحابة رضي الله عنهم. وعلمه بالسنة إنما تكون بكثرة الرواية والحفظ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والفهم لأقوال الرسول صلى الله عليه وسلم والعلم بأفعاله وسيرته وهديه. وكان رضي الله عنه يفتي ويأمر وينهى في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ولم يكن يفعل من ذلك شيئا إلا بما علمه من كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. وكان الصحابة رضي الله عنهم في زمن ولاية أبي بكر رضي الله عنه يرجعون إليه في المسائل التي يتنازعون فيها فيفصل بينهم ويرتفع النزاع بينهم بسببه ولم يكن يرجع إليهم إلا في القليل النادر. وهذا يدل على غزارة علمه وكثرة روايته عن النبي صلى الله عليه وسلم وأنه كان أكثر الصحابة أو من أكثرهم حفظا لأقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله. وقد تقدم ما رواه ابن سعد في الطبقات عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه سئل من كان يفتي الناس في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أبو بكر وعمر ما أعلم غيرهما.

وأما قلة الرواية عن أبي بكر رضي الله عنه فلها أسباب كثيرة. منها قصر مدته بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بحيث لم يتمكن الناس من إكثار الرواية عنه.

ومنها أن كبار الصحابة رضي الله عنهم كانوا متوافرين في زمن الصديق رضي الله عنه فكان الناس يكتفون بسؤالهم وأخذ الحديث عنهم عن الرجوع إلى الصديق رضي الله عنه لأنه كان مشغولا بالنظر في أمور الرعية عن الجلوس للتحديث.

ومنها أن المسلمين نفروا في زمانه إلى قتال المرتدين ثم إلى قتال الفرس والروم ولم يبق من المسلمين في المدينة إلا القليل فكان المسلمون في تلك الأقطار النائية عن المدينة يكتفون بسؤال من عندهم من الصحابة ويأخذون عنهم الحديث ولا يذهبون إلى الصديق ومن كان معه من الصحابة في المدينة.

ومنها أن المكثرين من الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم من صغار الصحابة إنما كان جل روايتهم بواسطة كبار الصحابة كالصديق وعمر وغيرهما من كبار الصحابة وكانوا يكتفون بنسبة الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم ولا يذكرون الواسطة بينهم وبينه إلا قليلا لثقتهم بصحة ما نقل إليهم عنه صلى الله عليه وسلم ولهذا تجدهم يقولون في أكثر رواياتهم: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يذكرون السماع من رسول الله صلى الله عليه وسلم أو الرؤية لأفعاله إلا قليلا.

وقد ذكر الحافظ بن حجر في كتاب الإصابة في ترجمة أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه روى عنه عمر وعثمان وعلي وعبد الرحمن بن عوف وابن مسعود وابن عمرو وابن عباس وحذيفة وزيد بن ثابت وعقبة بن عامر ومعقل بن يسار وأنس وأبو هريرة وأبو أمامة وأبو برزة وأبو موسى وابنتاه عائشة وأسماء وغيرهم من الصحابة رضي الله عنهم.

وروى عنه من كبار التابعين الصنابحي ومرة بن شراحبيل الطبيب وواسط البجلي وقيس بن أبي حازم وسويد بن غفلة وآخرون انتهى.

ويستفاد مما ذكره الحافظ ابن حجر من رواية هؤلاء عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قد حفظ عن النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث كثيرة جدا رواها عنه كثير من علماء الصحابة وكبار التابعين ولكن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يكتفون بذكر النبي صلى الله عليه وسلم ولا يذكرون الواسطة بينهم وبينه لأنهم كلهم أهل صدق وعدالة.

قال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتاب ((الوابل الصيب)): "وهذا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما حبر الأمة وترجمان القرآن مقدار ما سمع من النبي صلى الله عليه وسلم لم يبلغ نحو العشرين حديثا الذي يقول فيه سمعت ورأيت. وسمع الكثير من الصحابة وبورك له في فهمه والاستنباط منه حتى ملأ الدنيا علما وفقها" انتهى..

وقد روى البزار عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "لما فتحت المدائن أقبل الناس على الدنيا وأقبلت على عمر" فكان عامة حديثه عن عمر قال الهيثمي: "رجاله رجال الصحيح". وروى الطبراني في الكبير عن حميد قال: "كنا مع أنس بن مالك رضي الله عنه فقال: "والله ما كل ما نحدثكم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمعناه منه ولكن لم يكن يكذب بعضنا بعضا". قال الهيثمي: "رجاله رجال الصحيح". وروى الإمام أحمد عن البراء رضي الله عنه قال: "ما كل الحديث سمعناه من رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يحدثنا أصحابه عنه كانت تشغلنا عنه رعية الإبل".

قال الهيثمي: "رجاله رجال الصحيح"..

وأما عمر رضي الله عنه فإنه كان أعلم الأمة بعد أبي بكر الصديق رضي الله عنه وقد تقدم ذكر ما وصفه به ابن مسعود وحذيفة وسعيد بن المسيب وعمرو بن وإبراهيم النخعي من غزارة العلم. وهذا العلم الغزير الذي امتاز به عمر رضي الله عنه على سائر الصحابة إنما كان بالفهم في كتاب الله تعالى وكثرة الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والفهم لأقوال الرسول صلى الله عليه وسلم والعلم بأفعاله.

والأسباب في قلة الرواية عن عمر رضي الله عنه هي نفس الأسباب المذكورة في قلة الرواية عن أبي بكر رضي الله عنه. وتزيد عليها بسبب آخر وهو أن عمر رضي الله عنه كان يحث الناس على قراءة القرآن وحفظه والتفهم لما فيه وينهاهم عن الإكثار من الرواية خوفا من التزيد في الأحاديث والكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد كان الناس يهابونه أشد الهيبة فلا يخالفون أمره ولا يرتكبون نهيه ولا يتجاسرون على سؤاله عما عنده من الأحاديث كما يتجاسرون على سؤال غيره من الصحابة فلهذا كان المروي عنه من الأحاديث قليلا بالنسبة لما يروى عن المكثرين من الحديث.

وقد قال محمد بن سعد في الطبقات: "قال محمد بن عمر الأسلمي - يعني الواقدي - إنما قلَّت الرواية عن الأكابر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنهم هلكوا قبل أن يحتاج إليهم وإنما كثرت عن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب لأنهما وليا فسئلا وقضيا بين الناس. وكل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا أئمة يقتدى بهم ويحفظ عليهم ما كانوا يفعلون ويستفتون فيفتون وسمعوا أحاديث فأدوها فكان الأكابر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أقل حديثا عنه من غيرهم مثل أبي بكر وعثمان وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص وعبد الرحمن بن عوف وأبي عبيدة بن الجراح وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل وأبيّ بن كعب وسعد بن عبادة وعبادة بن الصامت وأسيد بن الحضير ومعاذ بن جبل ونظرائهم فلم يأت عنهم من كثرة الحديث مثل ما جاء من الأحاديث عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل جابر بن عبد الله وأبي سعيد الخدري وأبي هريرة وعبد الله بن عمر بن الخطاب وعبد الله بن عمرو بن العاص وعبد الله بن العباس ورافع بن خديج وأنس بن مالك والبراء بن عازب ونظرائهم. وكل هؤلاء كان يعد من فقهاء الأصحاب رسول الله صلى اله عليه وسلم وكانوا يلازمون النبي صلى الله عليه وسلم مع غيرهم من نظرائهم وأحدث منهم مثل عقبة بن عامر الجهني وزيد بن خالد الجهني وعمران بن الحصين والنعمان بن بشير ومعاوية بن أبي سفيان وسهل بن سعد الساعدي وعبد الله بن يزيد الخطمي ومسلمة بن مخلد الزرقي وربيعة بن كعب الأسلمي وهند وأسماء ابني جارية الأسلميين وكانا يخدمان رسول الله صلى الله عليه وسلم ويلازمانه فكان أكثر الرواية والعلم في هؤلاء ونظرائهم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنهم بقوا وطالت أعمارهم واحتاج الناس إليهم ومضى كثير من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قبله وبعده بعلمه لم يؤثر عنه بشيء ولم يحتج إليه لكثرة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم .." انتهى..

وقال ابن القيم رحمه الله تعالى في ((إعلام الموقعين)): "إن ما انفردوا به من العلم عنا أكثر من أن يحاط به فلم يرو كل منهم كل ما سمع. وأين ما سمعه الصديق والفاروق وغيرهما من كبار الصحابة رضي الله عنهم إلى ما رووه فلم يرو عن صديق الأمة مائة حديث وهو لم يغب عن النبي صلى الله عليه وسلم في شيء من مشاهده بل صحبه من حين بعث إلى أن توفيَ وكان أعلم الأمة به صلى الله عليه وسلم بقوله وفعله وهديه وسيرته.. وكذلك أجلة الصحابة روايتهم قليلة جدا بالنسبة إلى ما سمعوه من نبيهم وشاهدوه. ولو رووا كل ما سمعوه وشاهدوه لزاد على رواية أبي هريرة أضعافا مضاعفة فإنه إنما صحبه نحو أربع سنين وقد روى عنه الكثير - إلى أن قال - إنهم كانوا يهابون الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ويعظمونها ويقللونها خوف الزيادة والنقص ويحدثون بالشيء الذي سمعوه من النبي صلى الله عليه وسلم مرارا ولا يصرحون بالسماع ولا يقولون قال رسول الله صلى الله عليه وسلم". انتهى.

وأما زعم أبي تراب أن ابن عمر رضي الله عنهما كان أعلم من أبيه لأنه حفظ ألفي حديث وستمائة وثلاثين وأن أبا هريرة غلب الجميع فله خمسة آلاف حديث وثلاثمائة وأربعة أحاديث فجوابه أن يقال: لا شك أن ابن عمر رضي الله عنهما كان من علماء الصحابة وحفاظهم ولكنه مع ذلك لا يماثل أباه في العلم فضلا عن أن يكون أعلم منه. وكذلك أبو هريرة رضي الله عنه فإنه وإن كان من علماء الصحابة وحفاظهم فليس أعلم من ابن عمر رضي الله عنهما فضلا عن أن يكون أعلم من عمر رضي الله عنه.

وقد تقدم من الأحاديث الدالة على غزارة علم عمر رضي الله عنه ما يكفي في الرد على أبي تراب. وكذلك ما تقدم عن ابن مسعود وحذيفة وسعيد بن المسيب وعمرو بن ميمون وإبراهيم النخعي أنهم وصفوا عمر رضي الله عنه بغزارة العلم ففيه أبلغ رد على أبي تراب.

وقد روى الدارمي في سننه عن عبد الله بن أبي يزيد قال: "كان ابن عباس رضي الله عنهما إذا سئل عن الأمر فكان في القرآن أخبر به وإن لم يكن في القرآن وكان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر به فإن لم يكن فعن أبي بكر وعمر فإن لم يكن قال فيه برأيه".

قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى في ((منهاج السنة)): "وسعيد بن المسيب كان من أعلم التابعين باتفاق المسلمين وكان عمدة فقهه قضايا عمر وكان ابن عمر يسأله عنها" انتهى.

فهذا حبر الأمة عبد الله بن عباس رضي الله عنهما كان يفتي بقول أبي بكر وعمر رضي الله عنهما فيما لم يجده في الكتاب ولا في السنة. وفي هذا أوضح دليل على أنه لم يكن في الصحابة رضي الله عنهم من يماثل أبا بكر وعمر رضي الله عنهما في العلم فضلا عن أن يكون فيهم من هو أعلم منهما. ولو كان الأمر على ما زعمه أبو تراب من أن أبا هريرة رضي الله عنه غلب الصحابة كلهم بعلمه وأن عليا ومعاذا وابن مسعود كانوا أفقه من عمر وأن ابن عمر كان أعلم من أبيه لكان ابن عباس رضي الله عنهما يأخذ بأقوال هؤلاء ويدع قول أبي بكر وعمر رضي الله عنهما.

وفيما ذكره شيخ الإسلام أبو العباس بن تيمية رحمه الله تعالى عن سعيد بن المسيب الذي اتفق المسلمون على أنه من أعلم التابعين أن عمدة فقهه قضايا عمر وأن ابن عمر رضي الله عنهما كان يسأله عنها أبلغ رد على أبي تراب فيما زعمه من تفضيل ابن عمر رضي الله عنهما على أبيه في العلم.

وظاهر كلام أبي تراب أن العلم ملازم للرواية والحفظ فمن كثرت روايته وحفظه للأحاديث مثل أبي هريرة رضي الله عنه فهو أعلم ممن قلت روايته وحفظه. وهذا خطأ ظاهر فليس العلم ملازما للرواية والحفظ وإنما العلم بالفهم لنصوص الكتاب والسنة واستخراج الأحكام منها وإن كان الموصوف بذلك قليل الرواية. قال ابن وهب عن مالك: "إن العلم ليس بكثرة الرواية وإنما العلم نور يجعله الله في القلب" انتهى..

وقد كانت مرتبة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما في فهم النصوص واستخراج الأحكام منها فوق مراتب سائر الأمة فهما أعلم الأمة على الإطلاق وقد تقدم بيان ذلك بالأدلة. وأبو هريرة رضي الله عنه وإن كان من علماء الصحابة وأكثرهم رواية وحفظا للأحاديث فلا يقاس بعثمان وعلي ومعاذ وابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهم في العلم فضلا عن أن يقاس بأبي بكر وعمر رضي الله عنهما..

وقد قال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه ((الوابل الصيب)): "وأين تقع فتاوى ابن عباس وتفسيره واستنباطه من فتاوى أبي هريرة وتفسيره. وأبو هريرة أحفظ منه بل هو حافظ الأمة على الإطلاق يؤدي الحديث كما سمعه ويدرسه بالليل درسا فكانت همته مصروفة إلى الحفظ وتبليغ ما حفظه كما سمعه. وهمة ابن عباس مصروفة إلى التفقه والاستنباط وتفجير النصوص وشق الأنهار منها واستخراج كنوزها" انتهى..

وأما قول أبي تراب إن أبا هريرة رضي الله عنه غلب الجميع أي غلب أبا بكر وعمر وابن عمر رضي الله عنهم بالعلم مع قوله فيما تقدم إن أبا هريرة رضي الله عنه غلب الصحابة كلهم بعلمه..

فجوابه أن يقال: هذا خطأ ظاهر وخصوصا تفضيل أبي هريرة رضي الله عنه بالعلم على الخلفاء الراشدين فإن هذا ليس بالأمر الهين. وكذلك تفضيل علي ومعاذ وابن مسعود وابن عمر على عمر بالعلم والفقه فكل هذا خطأ ظاهر وليس بالأمر الهين.

وقد قال عبد الله بن الإمام أحمد في كتاب السنة: "حدثني أبي حدثنا هشيم حدثنا حصين عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: "خطب عمر بن الخطاب رضي الله عنه فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: "ألا إن خير هذه الأمة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر فمن قال سوى هذا بعد مقامي هذا فهو مفتر، عليه ما على المفتري" إسناده صحيح على شرط الشيخين. ثم قال عبد الله: "حدثني أبي حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن حصين عن ابن أبي ليلى قال: "تدارؤوا في أبي بكر وعمر رضي الله عنهما" فقال رجل من عطارد: "عمر أفضل من أبي بكر" فقال الجارود: "بل أبو بكر أفضل منه" فبلغ ذلك عمر رضي الله عنه فقال: "فجعل ضربا بالدرة حتى شغر ثم أقبل إلى الجارود فقال: "إليك عني" ثم قال عمر رضي الله عنه: "أبو بكر كان خير الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم في كذا وكذا" ثم قال عمر: "من قال غير هذا أقمنا عليه ما نقيم على المفتري" إسناده صحيح على شرط الشيخين.

قوله حتى شغر معناه اتسع في الضرب وأكثر منه.

وقد اختلف في سماع عبد الرحمن بن أبي ليلى من عمر رضي الله عنه فقال يحي بن معين وأبو حاتم والنسائي: "إنه لم يسمع منه". وقال مسلم في مقدمة صحيحه: "إنه قد حفظ عن عمر" قال ابن كثير: "وهو الصواب إن شاء الله" ..

قلت وفي مسند الإمام أحمد ما يدل على سماعه من عمر رضي الله عنه ففيه بإسناد حسن عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: "كنت مع عمر رضي الله عنه فأتاه رجل فقال: "إني رأيت الهلال.." الحديث.. وفيه أيضا عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن عمر رضي الله عنه قال: "صلاة المسافر ركعتان" الحديث وفي آخره وقال يزيد - يعني ابن هارون - ابن أبي ليلى قال سمعت عمر. وقد روى البخاري في التاريخ الصغير عن ابن أبي ليلى قال: "ولدت لست سنين بقين من خلافة عمر.." وكذا ذكر الخطيب البغدادي في تاريخه أنه ولد لست بقين من خلافة عمر رضي الله عنه. ومثل هذا السن يعقل فيه الذكي كثيرا مما يراه ويسمعه. بل بعض الأذكياء يحفظ كثيرا من الأشياء لأقل من هذا السن. وعلى هذا فظاهر حديثي ابن أبي ليلى عن عمر رضي الله عنه الاتصال. ولم يصنع شيئا من نفي سماعه منه من أجل صغره والله أعلم.

وروى عبد الله بن الإمام أحمد أيضا في كتاب السنة عن علي رضي الله عنه أنه قال: "لا يفضلني أحد على أبي بكر وعمر إلا جلدته حد المفتري".

وروى عبد الله أيضا في كتاب السنة عن علي رضي الله عنه أنه قال على المنبر: "ألا إنه بلغني أن قوما يفضلوني على أبي بكر وعمر ولو كنت تقدمت في ذلك لعاقبت فيه ولكن أكره العقوبة قبل التقدم من قال شيئا من ذلك فهو مفتر، عليه ما على المفتري".

قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى: "روي عن علي رضي الله عنه أنه قال: "لا أوتى بأحد يفضلني على أبي بكر وعمر إلا جلدته حد المفتري" فمن فضله على أبي بكر وعمر جلد بمقتضى قوله رضي الله عنه ثمانين سوطا.." انتهى.

وقال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى أيضا: "ورأس الفضائل العلم وكل من كان أفضل من غيره من الأنبياء والصحابة وغيرهم فإنه أعلم منه قال تعالى: {هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ} والدلائل على ذلك كثيرة وكلام العلماء في ذلك كثير.." انتهى.

وقال ابن القيم رحمه الله تعالى في إعلام الموقعين: "ومعلوم أن فضيلة العلم ومعرفة الصواب أكمل الفضائل أشرفها" . انتهى.

وإذا علم هذا فلا يخفى ما في هذا المقال السيئ من الفرى التي يستحق قائلها أن يجلد على كل واحدة منها حد الفرية ثمانين سوطا.

الأولى: تفضيل أُمهات المؤمنين على عمر رضي الله عنه.

الثانية: تفضيل أبي هريرة رضي الله عنه على أبي بكر وعمر رضي الله عنهما بالعلم.

الثالثة: زعمه أن أبا بكر وعمر رضي الله عنهما ماتا ولم يحفظا القرآن كله. وهذا يقتضي تفضيل عدد كثير من الصحابة عليهما.

الرابعة: تفضيل علي ومعاذ وابن مسعود وابن عمر رضي الله عنهم على عمر رضي الله عنه بالعلم والفقه.

الخامسة: تفضيل مرتبة البخاري في العلم على مرتبة أبي بكر وعمر وسائر الصحابة رضي الله عنهم..

وأما قول أبي تراب فهل نقول أن أبا هريرة كان أفضل من أبي بكر كلا.

فجوابه أن يقال: من زعم أن أبا هريرة رضي الله عنه غلب الصحابة كلهم بعلمه لزمه أن يقول إنه أفضل منهم كلهم لأن العلم رأس الفضائل وأكملها وأشرفها كما قرره شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية وابن القيم رحمهما الله تعالى في كلامهما الذي تقدم ذكره قريبا. قال شيخ الإسلام أبو العباس: "وكل من كان أفضل من غيره من الأنبياء والصحابة فإنه أعلم منه قال تعالى: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ} والدلائل على ذلك كثيرة وكلام العلماء في ذلك كثير". انتهى.

وإذا علم هذا فمن قال إن أبا هريرة أعلم من الصحابة كلهم وبعضهم أفضل منه فقوله متناقض كما لا يخفى.

وقد ذكرت من الأدلة الكثيرة على غزارة علم أبي بكر وعمر رضي الله عنهما وتفوقهما على جميع الصحابة بالفضائل ما فيه كفاية في الرد على أبي تراب فليراجع. وليراجع أبيضا ما تقدم عن شيخ الإسلام أبي العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى أنه قال: "إن ابن عباس رضي الله عنهما كان أكثر فتيا من علي رضي الله عنه وأن أبا هريرة رضي الله عنه كان أكثر رواية منه. وعلي رضي الله عنه أعلم منهما كما أن أبا بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم أعلم منهما أيضا". انتهى.

وأما قول أبي تراب إن الفضل غير العلم والفقه.. فجوابه أن يقال: إن العلم راس الفضائل وأكملها وأشرفها كما قرره شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية وابن القيم رحمهما الله تعالى.. قال شيخ الإسلام أبو العباس: "وكل من كان أفضل من غيره من الأنبياء والصحابة وغيرهم فإنه أعلم منه". انتهى..

وقد قال الله تعالى: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} وقال تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين" وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "الناس معادن فخيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا" وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن العلماء ورثة الأنبياء وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما وإنما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر" والآيات والأحاديث في فضل العلم كثيرة جدا وليس هذا موضع ذكرها وإنما المقصود ههنا التنبيه على خطأ أبي تراب حيث فرق بين الفضل وبين العلم الذي هو رأس الفضائل وأكلها وأشرفها.

وقد ذكر الحافظ أبو الحجاج المزي في تهذيب الكمال عن الوليد الموقري عن الزهري قال: "قدمت على عبد الملك بن مروان فقال: "من أين قدمت يا زهري" قال: "قلت من مكة" قال: "ومن خلفت يسودها وأهلها" قلت: "عطاء بن أبي رباح" قال: "فمن العرب أم من الموالي؟" قلت: "من الموالي".. قال: "فبم سادهم؟" قال: "قلت بالديانة والرواية".. قال: "إن أهل الديانة والرواية لينبغي أن يسودوا". قال: "فمن يسود أهل اليمن؟" قلت: "طاووس بن كيسان".. قال: "فمن العرب أم من الموالي؟" قال: "قلت: من الموالي".. قال: "فبم سادهم؟" قلت: "بما ساد به عطاء".. قال: "إنه لينبغي ذلك".. قال: "فمن يسود أهل مصر؟" قلت: "يزيد بن أبي حبيب" قال: "فمن العرب أن من الموالي؟" قال: "قلت: من الموالي".. قال: "فمن يسود أهل الشام؟" قلت: "مكحول".. قال: "فمن العرب أم من الموالي؟" قال: "قلت: من الموالي عبد نوبي أعتقته امرأة من هذيل".. قال: "فمن يسود أهل الجزيرة؟" قلت: "ميمون بن مهران".. قال: "فمن العرب أم من الموالي؟" قال: "قلت: من الموالي".. قال: "فمن يسود أهل خراسان" قال: "قلت: الضحاك بن مزاحم" قال: "فمن العرب أم من الموالي؟" قال: "قلت: من الموالي.." قال: "فمن يسود أهل البصرة؟" قال: "قلت: الحسن البصري" قال: "من العرب أم من الموالي؟" قال: :قلت من الموالي".. قال: "ويلك ومن يسود أهل الكوفة؟!" قال: "قلت: إبراهيم النخعي" قال: "فمن العرب أم من الموالي".. قال: "قلت من العرب".. قال: "ويلك يا زهري فرجت عني والله لتسودن الموالي على العرب حتى يخطب لها على المنابر والعرب تحتها" قال: "قلت يا أمير المؤمنين إنما هو دين من حفظه ساد ومن ضيعه سقط".

ويستفاد من هذه القصة أن العلم رأس الفضائل وأكملها وأشرفها وإن من جمع بين العلم والديانة نال الفضل والشرف والمنزلة العالية والسيادة وإن كان لا نسب له ولا حسب كما حصل لألئك الموالي الذين ذكر الزهري أنهم سادوا أهل الأمصار بالعلم والديانة وكما حصل لغيرهم قديما وحديثا.

الموضع الرابع: زعم أبو تراب أن مرتبة البخاري في العلم تفوق مراتب الصحابة فيه لأنه اجتمع له حديثهم وفقههم أجمع ولكنه لا يفوقهم ولا يدانيهم البتة في الفضل والشرف والمنزلة والكرامة.

والجواب أن يقال: هذا من عجر أبي تراب وبجره ولم أر أحدا سبقه إلى هذا القول الباطل. ولا يخفى ما فيه من الجرأة على الصحابة والغض من قدرهم. وقد تقدم حديث عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "شرار أمتي أجرؤهم على صحابتي" رواه أبو نعيم في الحلية.

ويكفي في رد هذا القول السيئ ما تقدم عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: "من كان مستنا فليستن بمن قد مات أولئك أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كانوا خير هذه الأمة.. أبرها قلوبا وأعمقها علما وأقلها تكلفا.. قوم اختارهم الله لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم ونقل دينه فتشبهوا بأخلاقهم وطرائقهم فهم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كانوا على الهدى المستقيم والله رب الكعبة" رواه أبو نعيم في الحلية. وروى رزين عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه نحوه.

وروى الإمام أحمد في مسنده عن عبد الله بن مسعود أيضا رضي الله عنه أنه قال: "إن الله نظر في قلوب العباد فوجد قلب محمد صلى الله عليه وسلم خير قلوب العباد فاصطفاه لنفسه فابتعثه برسالته ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد صلى الله عليه وسلم فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد فجعلهم وزراء نبيه يقاتلون على دينه فما رأى المسلمون حسنا فهو عند الله حسن وما رأوا سيئا فهو عند الله سيئ " ورواه البزار والطبراني في الكبير قال الهيثمي ورجاله موثقون.

قال ابن القيم رحمه الله تعالى في ((إعلام الموقعين)) في الثناء على الصحابة رضي الله عنهم: "إنهم سادات الأمة وقدوة الأئمة وأعلم الناس بكتاب ربهم تعالى وسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم وقد شاهدوا التنزيل وعرفوا التأويل ونسبة من بعدهم في العلم إليهم كنسبتهم إليهم في الفضل والدين - إلى أن قال - إن ما انفردوا به من العلم عنا أكثر من أن يحاط به - إلى أن قال - فلا ريب أنهم كانوا أبر قلوبا وأعمق علما وأقل تكلفا وأقرب إلى أن يوفقوا لما لم نوفق له نحن لما خصهم الله به من توقد الأذهان وفصاحة اللسان وسعة العلم وسهولة الأخذ وحسن الإدراك وسرعته وقلة المعارض أو عدمه وحسن القصد وتقوى الرب تعالى. فالعربية طبيعتهم وسليقتهم والمعاني الصحيحة مركوزة في فطرهم وعقولهم ولا حاجة بهم إلى النظر في الإسناد وأحوال الرواة وعلل الحديث والجرح والتعديل ولا إلى النظر في قواعد الأصول وأوضاع الأصوليين بل قد استغنوا عن ذلك كله فليس في حقهم إلا أمران. قال الله كذا وكذا. وهم أسعد الناس بهاتين المقدمتين وأحظى الأمة بهما فقواهم متوفرة مجتمعة عليهما - إلى أن قال- : والمقصود أن الصحابة رضي الله عنهم اجتمعت قواهم على تينك المقدمتين فقط. هذا إلى ما خصوا به من قوى إدراكها وكماله وكثرة المعاون وقلة الصارف وقرب العهد بنور النبوة والتلقي من تلك المشكاة النبوية. فإذا كان هذا حالهم فيما تميزوا به علينا فكيف نكون أو شيوخنا أو شيوخهم أو من قلدناه أسعد بالصواب منهم في مسألة من المسائل. ومن حدث نفسه بهذا فليعزلها من الدين والعلم - إلى أن قال - وكيف يطيب قلب عالم يقدم على أقوال من وافق ربه تعالى في غير حكم فقال وأفتى بحضرة الرسول صلى الله عليه وسلم ونزل القرآن بموافقة ما قال لفظا ومعنى قول متأخر بعده ليس له هذه الرتبة ولا يدانيها. وكيف يظن أحد أن الظن المستفاد من فتاوى السابقين الأولين الذين شاهدوا الوحي والتنزيل وعرفوا التأويل وكان الوحي ينزل خلال بيوتهم وينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بين أظهرهم فمستندهم في معرفة مراد الرب تعالى من كلامه ما يشاهدونه من فعل رسوله صلى الله عليه وسلم وهديه الذي هو يفصل القرآن ويفسره فكيف يكون أحد من الأمة بعدهم أولى بالصواب منهم في شيء من الأشياء .. هذا عين المحال".

وقال ابن القيم أيضا في ((إعلام الموقعين)): "والمقصود أن أحدا ممن بعدهم  - أي بعد الصحابة - لا يساويهم وقد كان أحدهم يرى الرأي فينزل القرآن بموافقته - ثم ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى أمثلة من ذلك إلى أن قال - وحقيق بمن كانت آراؤهم بهذه المنزلة أن يكون رأيهم لنا خيرا من رأينا لأنفسنا. وكيف لا وهو الرأي الصادر من قلوب ممتلئة نورا وإيمانا وحمة وعلما ومعرفة وفهما عن الله ورسوله ونصيحة للأمة وقلوبهم على قلب نبيهم ولا وساطة بينهم وبينه وهم ينقلون العلم والإيمان من مشكاة النبوة غضا طريا لم يشبه إشكال ولم يشبه خلاف ولم تدنسه معارضة فقياس رأي غيرهم بآرائهم من أفسد القياس".

وقال ابن القيم أيضا في ((إعلام الموقعين)): "فتاوى الصحابة أولى أن يؤخذ بها من فتاوى التابعين وفتاوى التابعين أولى من فتاوى تابعي التابعين وهلم جرا. وكلما كان العهد بالرسول أقرب كان الصواب أغلب - إلى أن قال - فإن التفاوت بين علوم المتقدمين والمتأخرين كالتفاوت الذي بينهم في الفضل والدين".

وقال ابن القيم أيضا في ((إعلام الموقعين)): "وأي وصمة أعظم من أن يكون الصديق أو الفاروق أو عثمان أو علي أو ابن مسعود أو سلمان الفارسي أو عبادة بن الصامت وأحزابهم رضي الله عنهم قد أخبر عن حكم الله أنه كيت وكيت في مسائل كثيرة وأخطأ في ذلك ولم يشتمل قرنهم على ناطق بالصواب في تلك المسائل حتى نبغ من بعدهم فعرفوا حكم الله الذي جهله أولئك السادة وأصابوا الحق الذي أخطأه أولئك الأئمة.. سبحانك هذا بهتان عظيم.." انتهى.. المقصود من كلامه رحمه الله تعالى.

وإذا علم هذا فنقول أي إزراء بالصحابة وأي وصمة عليهم أعظم من أن يقال إن مرتبة البخاري في العلم تفوق مراتب الصحابة فيه. سبحانك هذا بهتان عظيم.

وقد تقدم عن عمر رضي الله عنه أنه أنكر على من فضله على أبي بكر رضي الله عنه وضربه ضربا شديدا وقال: "خير هذه الأمة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر فمن قال سوى هذا فهو مفتر عليه ما على المفتري". وتقدم عن علي رضي الله عنه أنه قال: "لا يفضلني أحد على أبي بكر وعمر إلا جلدته حد المفتري".

وإذا كان الذي يفضل عمر على أبي بكر أو يفضل عليا على أبي بكر وعمر رضي الله عنهم يعد مفتريا ويجلد حد المفتري ثمانين سوطا فكيف بمن فضل البخاري على أبي بكر وعمر عثمان وعلي وسائر الصحابة في العلم الذي هو رأس الفضائل وأكملها وأشرفها فهذا أولى أن يوصف بالافتراء وإن يعامل معاملة المفتري.

ويقال أيضا: إن الصحابة رضي الله عنهم هم الذين حفظوا القرآن والسنة وبلغوهما إلى الناس فكل الناس بعدهم أتباعهم لهم وعيال عليهم في علم الكتاب والسنة. وقد كان للصحابة رضي الله عنهم من البصيرة النافذة في علم الكتاب والسنة ما ليس لمن بعدهم.

قال ابن القيم رحمه الله تعالى في ((مدارج السالكين)) في الكلام على قوله تعالى: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ} قال: "يريد أن تصل باستدلالك إلى أعلى درجات العلم وهي البصيرة التي تكون نسبة المعلوم فيها إلى القلب كنسبة المرئي إلى البصر وهذه الخصيصة التي اختص بها الصحابة على سائر الأمة وهي أعلى درجات العلماء". انتهى.

وإذا علم هذا فمن زعم أن مراتب غير الصحابة في العلم تفوق مراتب الصحابة فقد تنقصهم وغض من قدرهم وقابلهم بغير ما يستحقونه من الإجلال والاحترام ولا شك أن هذا من الأذية لهم وأذيتهم ليست بالأمر الهين. وقد تقدم حديث عبد الله بن مغفل رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الله .. الله في أصحابي لا تتخذوهم غرضا بعدي فمن أحبهم فبحبي أحبهم ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم ومن آذاهم فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله ومن آذى الله يوشك أن يأخذه" رواه الترمذي. وتقدم أيضا قول محمد بن سيرين: "ما أظن رجلا ينتقص أبا بكر وعمر يحب النبي صلى الله عليه وسلم" رواه الترمذي وقال هذا حديث غريب حسن[1] .

وأما قول أبي تراب: "إن البخاري اجتمع له حديث الصحابة وفقههم أجمع"

فجوابه أن يقال: هذه مجازفة يكذبها الواقع وبيان ذلك من وجوه. أحدها: أن يقال من المستحيل أن تجتمع أحاديث الصحابة وفقههم لرجل واحد ولو بلغ في العلم والفقه ما بلغ، وهذه كتب الحديث والآثار موجودة وليس فيها شيء قد جمع الأحاديث والآثار كلها. ومن أكبر كتب الحديث وأوسعها مسند الإمام أحمد ومع هذا لم تجتمع فيه أحاديث الصحابة كلها ولا الآثار المروية عنهم بل في غيره من كتب الصحاح والسنن والمسانيد ما ليس فيه. وفي كل منها ما ليس في الآخر. وفي هذا أكبر شاهد على بطلان ما زعمه أبو تراب.

الوجه الثاني: أن كثيرا من كبار الصحابة الذين طالت صحبتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم وكانوا يلزمونه حضرا وسفرا قد مات كثير منهم بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بمدة يسيرة فلم يؤخذ عنهم الكثير مما عندهم من الفقه ولم يرو عنهم الكثير مما سمعوه من النبي صلى الله عليه وسلم وما شاهدوه من أفعاله وهديه وسيرته. وقد تقدم ما ذكره ابن سعد عن محمد بن عمر الأسلمي أنه قال: "إنما قلَّت الرواية عن الأكابر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنهم هلكوا قبل أن يحتاج إليهم - إلى أن قال -ومضى كثير من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قبله وبعده بعلمه لم يؤثر عنه بشيء ولم يحتج إليه لكثرة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم". وتقدم أيضا قول ابن القيم رحمه الله تعالى: "إن ما انفرد به الصحابة من العلم عنا أكثر من أن يحاط به فلم يرو كل منهم كل ما سمع - إلى أن قال - وكذلك أجلة الصحابة روايتهم قليلة جدا بالنسبة إلى ما سمعوه من نبيهم وشاهدوه. ولو رووا كل ما سمعوه وشاهدوه لزاد على رواية أبي هريرة أضعافا مضاعفة". انتهى.

وفي هذا أبلغ رد على مجازفة أبي تراب حيث زعم أن البخاري قد اجتمع له حديث الصحابة وفقههم أجمع.

الوجه الثالث: أن في صحيح البخاري وغيره من كتبه أعظم رد على أبي تراب وأكبر شاهد على بطلان ما زعمه عن البخاري أنه اجتمع له حديث الصحابة وفقههم أجمع. فالذي في كتب البخاري من أحاديث الصحابة وفقههم لا يبلغ عشر ما روي عنهم من الأحاديث والآثار ولا نصف العشر. وقد جاء في كتب الصحاح والسنن والمسانيد والمستخرجات والمعاجم من الأحاديث الصحيحة والحسنة التي لم يخرجها البخاري أكثر مما في صحيح البخاري. وجاء فيها من الآثار عن الصحابة أكثر مما جاء في كتب البخاري فكيف يقال والحالة هذه: إن البخاري اجتمع له حديث الصحابة وفقههم أجمع. هذا كلام لا يقوله من له أدنى مسكة من عقل.

الوجه الرابع: أن يقال: إن في شيوخ البخاري ومن قبلهم من أكابر العلماء من هم أكثر جمعا لأحاديث الصحابة وفقههم من البخاري ولا سيما الإمام أحمد فقد جمع من الأحاديث وآثار الصحابة أكثر مما جمع البخاري بكثير ومع هذا لا يجوز أن يقال فيه ولا في غيره من علماء التابعين ومن بعدهم من أكابر العلماء: إن مراتبهم في العلم تفوق مراتب الصحابة. بل الصحابة أعلى مراتب في العلم وفي سائر الفضائل من جميع الذين جاءوا من بعدهم.

الوجه الخامس: إن البخاري رحمه الله تعالى قال: "ما استصغرت نفسي عند أحد إلا عند علي بن المديني". وإذا كان البخاري قد استصغر نفسه عند علي بن المديني الذي لا تقاس مرتبته في العلم بأدنى مراتب علماء الصحابة فكيف يقال إن مرتبة البخاري في العلم تفوق مراتب أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وسائر الصحابة.. هذا كلام لا يقوله عاقل ولا يرضى به مؤمن. ولو قيل هذا القول السيئ في حياة البخاري لكان حريا أن يجاهد قائله بكل ما يقدر عليه.

وأما قوله: ولكنه لا يفوقهم ولا يدانيهم البتة في الفضل والشرف والمنزلة والكرامة.

فجوابه أن يقال: إذا كان البخاري رحمه الله تعالى لا يداني الصحابة رضي الله عنهم في هذه الأمور فبطريق الأولى أن يقال: إن مراتبهم في العلم تفوق مرتبته ومراتب غيره من التابعين وتابعيهم ومن جاء بعد ذلك من كبار العلماء. وقد تقدم قول شيخ الإسلام أبي العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى أن العلم رأس الفضائل.. وكل من كان أفضل من غيره من الأنبياء والصحابة وغيرهم فإنه أعلم منه. وتقدم أيضا قول ابن القيم رحمه الله تعالى أن فضيلة العلم ومعرفة الصواب أكمل الفضائل وأشرفها.

ويقال أيضا لأبي تراب: هل تقول إن العلم شرف وفضيلة ومنزلة عالية وكرامة في حق من يعمل بعلمه أم لا؟ فإن قال إنه شرف وفضيلة ومنزلة عالية وكرامة لزمه أحد أمرين إما أن يقول: إن البخاري قد فاق جميع الصحابة في الفضل والشرف والمنزلة والكرامة.

وإما أن يرجع عما زعمه من رفع مرتبة البخاري في العلم على مراتب الصحابة ويعترف أن مراتب الصحابة في العلم تفوق مراتب العلماء بعدهم وأنهم لا يقاس بهم أحد ممن كان بعدهم كائنا من كان..

وإن قال: إن العلم ليس بشرف ولا فضيلة ولا منزلة عالية ولا كرامة كما هو ظاهر كلامه ههنا وفي قوله أيضا: وليس لإنسان أن يقرن الفضل بالعلم وقوله أيضا إن الفضيلة شيء والعلم شيء آخر.

قيل هذا كلام لا يقوله إلا من رفع عنه التكليف فلا يعول عليه...

الموضع الخامس: زعم أبو تراب أن الفقهاء يخالفون مذاهب الصحابة في مئات المسائل. وزعم أيضا أن الفقهاء خالفوا الصحابة في المسائل الاجتهادية التي يخالف فيها الصحابة بعضهم بعضا زعم أيضا أن أبا حنيفة قال: "هم رجال ونحن رجال".

والجواب أن يقال: ظاهر كلام أبي تراب في عبارته الأولى أن الفقهاء يخالفون مذاهب الصحابة حتى في المسائل التي أجمع عليها الصحابة رضي الله عنهم وهذا خطأ ظاهر فإن الفقهاء لم يخالفوا ما أجمع عليه الصحابة رضي الله عنهم. ولو قدر أن أحدا من الفقهاء خالف إجماع الصحابة فخلافه مردود عليه لأن إجماع الصحابة حجة قاطعة.

وكذلك قول الصحابي إذا لم يخالفه غيره من الصحابة فإنه حجة يجب المصير إليه قاله الشافعي وغيره من أكابر العلماء..

ولا أعلم أحدا خالف إجماع الصحابة سوى أبي تراب فإن الصحابة رضي الله عنهم أجمعوا على تفضيل أبي بكر ثم عمر رضي الله عنهما على سائر الأمة ولم يستثنوا في التفضيل أحدا من الصحابة لا أُمهات المؤمنين ولا غيرهم ولو يستثنوا في التفضيل شيئا من خصال الفضل لا العلم ولا غيره ولم يخالف هذا الإجماع أحد من التابعين ولا من بعدهم من العلماء حتى جاء أبو تراب في آخر القرن الرابع عشر من الهجرة فشذ عن أهل العلم وخالف إجماع الصحابة حيث فضل أمهات المؤمنين على عمر رضي الله عنه وفضل كثيرا من الصحابة على أبي بكر وعمر رضي الله عنهما في حفظ القرآن وفي العلم والفقه. ولم يكتف بذلك بل فضل البخاري في العلم على سائر الصحابة وقد قال الشاعر:

خلافا لقولي من فيالة رأيه.

 

كما قيل قبل اليوم خالف لتذكرا.

وهذا البيت مطابق لحال أبي تراب غاية المطابقة.

وأما المسائل الاجتهادية التي اختلفت فيها أقوال الصحابة رضي الله عنهم واختلفت فيها الفقهاء بعدهم بحسب اختلافهم فهذه لا يقال فيها إن الفقهاء قد خالفوا الصحابة كما عبر به أبو تراب لأن ظاهر عبارته يقتضي أن الفقهاء قد خالفوا الصحابة كلهم في المسائل الاجتهادية. وهذا خطأ فإن الفقهاء لم يخالفوا جميع أقوال الصحابة في المسائل الاجتهادية وإنما كانوا يأخذون بأقوال الصحابة أو ببعضها ويختلفون بحسب اختلاف الصحابة وإذا ظهر لهم الدليل من الكتاب أو السنة أخذوا به وتركوا ما سواه من الأقوال. هذا هو المعروف عن المحققين من العلماء وليس في فعلهم نقص على الصحابة ولا غض من قدرهم.

قال الشافعي رحمه الله تعالى في رسالته البغدادية التي رواها عنه الحسن بن محمد الزعفراني - وهذا لفظه -: "وقد أثنى الله تبارك وتعالى على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في القرآن والتوراة والإنجيل وسبق لهم على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم من الفضل ما ليس لأحد بعدهم فرحمهم الله وهنأهم بما آتاهم من ذلك ببلوغ أعلى منازل الصديقين والشهداء والصالحين. أدوا إلينا سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم وشاهدوه والوحي ينزل عليه فعلموا ما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم عاما وخاصا وعزما ورشادا. وعرفوا من سننه ما عرفنا وجهلنا. وهم فوقنا في كل علم واجتهاد وورع وعقل وأمر استدرك به علم واستنبط به وآراؤهم لنا أحمد وأولى بنا من رأينا عند أنفسنا. ومن أدركنا ممن يرضى أو حكى لنا عنه ببلدنا صاروا فيما لم يعلموا لرسول الله صلى الله عليه وسلم فيه سنة إلى قولهم إن اجتمعوا أو قول بعضهم إن تفرقوا. وهكذا نقول ولم نخرج عن أقاويلهم. وإن قال أحدهم ولم يخالفه غيره أخذنا بقوله". انتهى.

وقد نقله عنه ابن القيم رحمه الله تعالى في ((إعلام الموقعين)) قال: "وقد صرح الشافعي في الجديد من رواية الربيع عنه بأن قول الصحابي حجة يجب المصير إليه فقال المحدثات من الأمور ضربان أحدهما ما أحدث يخالف كتابا أو سنة أو إجماعا أو أثرا فهذه البدعة الضلالة". قال ابن القيم: "والربيع إنما أخذ عنه بمصر وقد جعل مخالفة الأثر الذي ليس بكتاب ولا سنة ولا إجماع ضلالة وهذا فوق كونه حجة".

وقال ابن القيم أيضا في ((إعلام الموقعين)): "وقال الشافعي في رواية الربيع عنه والبدعة ما خالف كتابا أو سنة أو أثرا عن بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم". قال ابن القيم: "فجعل ما خالف قول الصحابي بدعة". انتهى.

وأما قوله: "إن أبا حنيفة قال هم رجال ونحن رجال.." فجوابه أن يقال: لم يقل أبو حنيفة هذا القول في حق الصحابة كما توهمه أبو تراب وإنما قاله في حق التابعين. قال الحافظ الذهبي في مناقب أبي حنيفة: "قال نعيم بن حماد: "سمعت أبا عصمة وهو نوح الجامع قال: "سمعت أبا حنيفة يقول: "ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعلى الرأس والعين وما جاء عن الصحابة اخترنا وما كان من غير ذلك فهم رجال ونحن رجال".

وذكر ابن عبد البر في الانتقاء عن إبراهيم بن هانئ النيسابوري قال: "قيل لنعيم بن حماد ما أشد إزراءهم على أبي حنيفة فقال: إن ينقم على أبي حنيفة ما حدثنا عنه أبو عصمة قال: سمعت أبا حنيفة يقول: "ما جاءنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبلناه على الرأس والعينين وما جاءنا عن أصحابه اخترنا منه ولم نخرج عن قولهم وما جاءنا عن التابعين فهم رجال ونحن رجال".

وقال ابن القيم رحمه الله تعالى في ((إعلام الموقعين)): "وقال نعيم بن حماد حدثنا ابن المبارك قال سمعت أبا حنيفة يقول: "إذا جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم فعلى الرأس والعين وإذا جاء عن الصحابة نختار من قولهم وإذا جاء عن التابعين زاحمناهم". انتهى.

ومراد أبي حنيفة رحمه الله تعالى أنه لا يقلد أحدا من التابعين وإنما يأخذ بما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم ويختار من أقوال الصحابة ولا يخرج عنها وإذا لم يجد عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه اجتهد رأيه ولم يأخذ بآراء التابعين.

وهذا آخر ما تيسر إيراده والحمد لله رب العالمين وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.

حرر في 26-3-1395هـ.

 

 

 



[1] قول ابن سيرين هذا من الكلام المأثور وليس بحديث. ولعل عبارة (رواه الترمذي..) أقحمت بعده سهوا. (المجلة)