طباعة

 توثيق النص

 

 

 

توحيد الله (2)

لفضيلة الشيخ عبد الله أحمد قادري

المشرف الاجتماعي بالجامعة

 

 

توحيد الألوهية

تعريفه: هو إفراد الله تعالى بالعبادة، ولذلك يسمى بتوحيد العبادة أيضا، كما يسمى بتوحيد القصد والطلب.

والسبب في تسميته بتوحيد الألوهية تعلقه بألوهية الله ووحدانيته، كما قال تعالى: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ}، وقال: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ}.

والسبب في تسميته بتوحيد العبادة، أو توحيد القصد والطلب هو وجوب إفراد العبد ربه بعبادته وقصده إياه وحده، كما قال تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ}.

فالله تعالى متفرد بالألوهية - فلا إله سواه - ويجب على الخلق أن يفردوه بعبادتهم.

قال الأستاذ سيد قطب رحمه الله في كتابه (خصائص التصور الإسلامي): "يقوم التصور الإسلامي على أساس أن هناك ألوهية وعبودية: ألوهية يتفرد بها الله سبحانه، وعبودية يشترك فيها كل من عداه وكل ما عداه، وكما يتفرد الله سبحانه بألوهية، كذلك يتفرد - تبعا لهذا - بكل خصائص الألوهية وكما يشترك كل حي - وكل شيء بعد ذلك في العبودية، كذلك يتجرد كل حي وكل شيء من خصائص الألوهية. فهناك إذن وجودان متميزان: وجود الله ووجود ما عداه من عبيد الله والعلاقة بين الوجودين هي علاقة الخالق بالمخلوق والإله بالعبيد" ا هـ (ص213).

وهذا القسم من أقسام التوحيد هو الذي أنزل الله من أجله الكتب وأرسل الرسل، وفيه وقع الخصام بينهم وبين المشركين من قومهم في كل زمان.

فما أرسل الله من رسول إلا دعا قومه إليه، بل هو أول نداء لكل رسول إلى كل أُمة، وقد أوضح القرآن الكريم ذلك إجمالا وتفصيلا.

فقال على سبيل الإجمال: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ}. (الأنبياء 25) وقال: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} (النحل: 36).

وقال على سبيل التفصيل: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ قَالَ الْمَلأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ} إلى قوله {فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً عَمِينَ}. (الأعراف: 59-64).

وقال تعالى: {وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ}. إلى قوله: {وَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً إِنَّكُمْ إِذاً لَخَاسِرُونَ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ}. (الأعراف: 85-91).

وقال تعالى: {وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ} الآيات إلى قوله: {قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ} إلى قوله:{ فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ} الأعراف: (65-72).

وقال تعالى: {وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} إلى قوله: {قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ}. إلى قوله: {فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ}  (الأعراف: 73-78).

وقال تعالى عن إبراهيم عليه السلام:{وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ} (الأنعام: 80).

وقال تعالى عن يوسف عليه السلام: {يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ} (يوسف: 39_40).

وقال عن موسى عليه السلام: {وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى إِذْ رَأى نَاراً فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَاراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً وأنا أخترتك وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي}. (طه: 9-14).

وقال عن عيسى عليه السلام: {وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ} (المائدة:116- ومن آية 117).

وقال عن نبينا عليه الصلاة والسلام: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ}. (الأعراف: 158).

وبهذا يتضح أن تحقيق هذا النوع من أنواع التوحيد كان هدف جميع الرسل عليهم الصلاة والسلام، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يوصي أصحابه بالبداءة به في الدعوة، كما قال لمعاذ بن جبل رضي الله عنه: "إنك تأتي قوما أهل كتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة ألا إله إلا الله"، وفي رواية: "إلى أن يوحدوا الله".

وسبب ذلك أن توحيد الألوهية هو الأساس الذي تقوم عليه جميع شرائع الإسلام وكل عمل صالح ما هو إلا ثمرة له.

قال الأستاذ المودودي وفقه الله في كتابه: (مبادئ الإسلام):

"وهذا الإيمان بألا إله إلا الله هو الركن المهم الأساسي من تعليم النبي صلى الله عليه وسلم وهو مركز الإسلام وأصله ومصدر قوته، وكل ما عداه من معتقدات الإسلام وأحكامه وقوانينه إنما تقوم على هذا الأساس نفسه، ولا تستمد قوتها إلا منه. والإسلام لا يبقى منه شيء لو زال هذا الأساس من مكانه" اه‍‍‍‍‍‍‍‌‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍.

قلت ومن الأدلة على ذلك قوله تعالى في أعمال الكفار: {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً} (الفرقان: 23) {مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ} (إبراهيم:18).

وهكذا يجب أن يكون تحقيق توحيد الألوهية والدعوة إليه وموالاة أهله، ومعاداة خصومه هدف كل داع إلى الله اقتداء بالرسل عليهم الصلاة والسلام ولا سيما نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.

وقد سبق أن توحيد الربوبية كان دليل الرسل على توحيد الألوهية ولم يكونوا يدعون الناس إلى الأول - الذي هو الدليل - لأن الناس كانوا مقربين به إذ ذاك، ولكن طائفة الملحدين في هذا العصر أنكرت هذا النوع من أنواع التوحيد (توحيد الربوبية)، ولهذا يجب التركيز عليه وإبراز الحجج العقلية والنقلية عليه لشباب المسلمين وغيرهم لأنه لا يمكن إقناع الملحد بتوحيد الألوهية ما لم يقتنع بتوحيد الربوبية، لأن الثاني دليل الأول، قال تعالى: {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ}.

وهذا هو معنى:{لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ} التي لا يصح إسلام أحد بدونها. كما قال صلى الله عليه وسلم: "أُمرت أن أُقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا دماءهم وأموالهم إلا بحقها"، وقال: "بني الإسلام على خمس: شهادة ألا إله إلا الله" الحديث وقال لمعاذ: "فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة ألا إله الله".

 

معنى لا إله إلا الله.

الإله معناه المعبود الذي يخضع له ويذلك ويحب.

ومعنى: لا إله إلا الله: لا معبود بحق إلا الله.

وهذا القيد: (بحق) يخرج كل ما عبد من دون الله لأن عبادة غير الله ليست بحق كما هو واضح.

فمن عبد الله فقد عبده بحق، ومن عبد غيره فقد عبده بالباطل والضلال، كما قال تعالى: {فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ}.

 

ولهذه الكلمة ركنان:

الأول: نفي الألوهية عما سوى الله.

والثاني: إثبات الألوهية لله وحده.

 

شروط هذه الكلمة:

وقد ذكر العلماء لهذه الكلمة - أي لصحة إسلام من نطق بها - شروطا كثيرة ومنها:

الشرط الأول: العلم بمعناها، فلو قالها الكافر دون أن يعلم ما دلت عليه لا يكون بذلك مسلما، قال تعالى: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ}. وقال: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} وفي الحديث: "من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله دخل الجنة".

ومقتضى العلم بـ ( لا إله إلا الله) الالتزام بما دلت عليه من نفي وإثبات ولقد جهل كثير من المسلمين معنى هذه الكلمة التي يرددها المؤذنون من على رءوس المآذن في جميع المساجد كل يوم مرات ومرات وتنقلها الإذاعات فيسمعها القاصي والداني، ويكررها المصلون في تشهدهم في كل صلاة، ويواظب عليها الذاكرون في أورادهم صباح مساء، أقول: لقد جهل المسلمون معنى هذه الكلمة جهلا فاضحا حتى أصبحوا يرددونها بدون وعي لما دلت عليه، ولذلك تراهم يخالفون مقتضاها مخالفة قد تخرج الكثير منهم عن الإسلام وقد تبعد كثيرين عن فرائضه.

فمنهم من خالف ما دلت عليه في الاعتقاد كمن يدعو غير الله ويذبح له أو يجعل لغيره حق التشريع فيما يخالف كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

ومنهم من يخالف ما دلت عليه - عملا - كمرتكبي الزنا وشرب الخمر والتعامل بالربا وغير ذلك مما يدخل في الأول والثاني.

ولقد كان المشركون في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمون معنى هذه الكلمة فلا ينطق بها إلا من تجرد عن كل ما سوى الله وأخلص له الدين فنبذ لك اعتقاد أو عمل أو قول من أمور الجاهلية، وإلا بقى على شركه مستنكرا مضمونها كما قال تعالى: {أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} عكس ما عليه كثير من المسلمين في الأزمان المتأخرة حيث تجدهم يخالفهم ذلك المضمون وهم يدعون أنهم مسلمون.

الثاني: اليقين الذي ينفي الشك، بأن يكون قائلها على يقين بما دلت عليه دون تردد ولا ارتياب، كما قال تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ}. (الحجرات: 15).

ومن قال: لا إله إلا الله وهو مرتاب فهم منافق كما قال تعالى: {إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ} (التوبة:45).

وفي الحديث الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أشهد ألا إله إلا  الله وأني رسول الله لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيهما إلا دخل الجنة". وعنه رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه بنعليه فقال: "من لقيت من وراء هذا الحائط يشهد ألا إله إلا الله مستيقنا بها قلبه فبشره بالجنة".

الشرط الثالث: قبول ما دلت عليه وعدم رده، فمن رد ذلك لا يكون مسلما كما قال تعالى: {وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ}. (الزخرف: 23-24).

الشرط الرابع: الانقياد لها، أي الاستسلام لله تعالى وترك العناد والاستكبار قال تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ } وقال: {وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى} والعروة الوثقى: لا إله إلا الله.

وقال تعالى في تاركي مدلولها والمستكبرين: {إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ وَيَقُولُونَ أَإِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ}.

الشرط الخامس: الصدق، أي أن يكون قائلها صادقا في قولها بأن يواطئ قلبه لسانه، كما قال تعالى: {أَلم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ}. فإذا قالها الشخص وهو غير صادق في قولها فهو منافق، كما قال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ} وقال: {إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ}.

وفي الصحيحين عن معاذ بن جبل رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

"ما من أحد يشهد ألا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله صدقا من قلبه إلا حرمه الله النار"، وقال لضمام بن ثعلبة: "أفلح إن صدق" بعد أن قال ضمام والله لا أزيد عليها ولا أُنقص يعني أركان الإسلام.

الشرط السادس: الإخلاص، وهو تصفية العمل بالنية الصالحة عن جميع شوائب الشرك كما قال تعالى:{أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ} وقال: {وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} وقال: {قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ} وقال: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرا إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ}.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أسعد الناس بشفاعتي من قال لا إله إلا الله خالصا من قلبه".

وعن عتبان بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله عز وجل".

الشرط السابع: المحبة: أي محبة هذه الكلمة وما تقتضيه من نفي الشرك وفروعه ومحبة أهلها العاملين بها (وكذلك بغض أعدائها)، كما قال تعالى :{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّه}، وقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ}.

وفي الصحيحين عن أنس رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان.. أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يُقذف في النار".

وعلامة محبة المرء لهذه الكلمة وما تقتضيه متابعته للرسول صلى الله عليه وسلم في امتثال أوامر الله واجتناب نواهيه كما قال تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ} وتسمى هذه الآية آية المحنة، لأن الله امتحن بها من ادعى المحبة كما هو واضح.

وما أكثر من ادعى هذه المحبة وهو عنها بعيد.

وكل يدعي وصلا لليلى.

 

وليلى لا تقر لهم بذاكا.

فإن توفرت هذه الشروط في قائل: لا إله إلا الله أثمرت فعل الواجب - والمندوب - وترك المحرم - والمكروه - وقد يقع قائلها في ترك واجب أو فعل محرم فإن تاب تاب الله عليه وغفر له، ومن لم يتب فهو تحت المشيئة الإلهية، إن شاء الله غفر الله له وأدخله الجنة وإن شاء عذبه بقدر ذنبه ثم أدخله الجنة، فدخول الجنة للموحد مقطوع به.

ويتضح مما سبق من النصوص الرد على ثلاث طوائف:

الطائفة الأولى: زعمت أن مجرد معرفة القلب كاف في ضمان دخول الجنة استدلالا بمثل قوله صلى الله عليه وسلم :"من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله دخل الجنة".

وهو زعم مردود، لأن (لا إله إلا الله) كما قيدت بالعلم قيدت بغيره كالنطق بها والإخلاص لله.

الطائفة الثانية: زعمت أن مجرد إظهار الشهادتين كاف في دخول الجنة، وإن لم يحصل اعتقاد، وهم غلاة المرجئة استدلالا بمثل قوله صلى الله عليه وسلم: "من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة".

الطائفة الثالثة: زعمت أن مرتكب الكبيرة مخلد في النار وإن قال لا إله إلا الله بقيودها المذكورة، وهم الخوارج والمعتزلة، وهو مردود كذلك بدليل حديث أبي ذر رضي الله عنه قال: "أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو نائم عليه ثوب أبيض ثم أتيته فإذا هو نائم، ثم أتيته وقد استيقظ فجلست إليه فقال: "ما من عبد قال لا إله إلا الله ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة، قلت: وإن زنا وإن سرق؟ قال:" وإن زنا وإن سرق" قلت وإن زنا وإن سرق؟ قال: "وإن زنا وإن سرق"، ثلاثا ثم قال في الرابعة: "على رغم أنف أبي ذر". والله تعالى يقول: {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ}.