|
|
|
|
رسائل لم يحملها
البريد
|
|
لفضيلة الشيخ عبد الرؤوف اللبدي |
|
المدرس بكلية الشريعة
بالجامعة |
|
|
|
|
|
|
|
زوجي الذي كان… |
|
منذ أسبوعين أو ثلاثة، أو أقل من ذلك أو أكثر، لا
أدري، فأنا الآن لا أعرف حساب الأيام ولا تعداد الليالي _ جاءني موظف من المحكمة
الشرعية في هذا البلد الذي فيه أقيم، جاء يبلغني أنك قد طلقتني، فذهلت لهذا
النبأ الفاجع الفاجئ المروع، وهرولت مسرعة غير مصدقة
إلى المحكمة الشرعية أسأل عن هذا الأمر وأتوثق، ولكن
القاضي أكد الطلاق الذي طلقتنيه في بلدك، وصدّق
البلاغ الذي بلّغنيه موظف المحكمة. |
|
وخرجت
من لدن القاضي أتعثر في أثوابي وأنا أبكي، وأصادم
الناس والأشياء لا أدري أين الطريق. وبعد لأي وجهد
وعذاب وصلت إلى بيت شقيقتي هذه التي أُقيم عندها ضيفة منذ ثلاثة أشهر، وانتبذت
إلى زاوية مظلمة لا أدري ماذا أصنع غير أن أنفث الزفرات، وأرسل الآهات، وأريق
الدموع. |
|
وأشارت
عليّ أُختي أن أرسل إليك ابنها يتعرف أسباب هذا الطلاق، ودوافع هذا الفراق، ولقد
كنت حريصة على أن أجيء أنا نفسي، ولكن هذا الخطب الجلل الذي رميتني به، لم يترك
لي قدرة على الحراك والسفر، ولا أن أرى دارا سلخت فيها من عمري خمسا وأربعين
سنة، فإذا هي محرمة عليّ، وإذا أنا غريبة عنها. |
|
ورجع
ابن أختي من عندك يحمل أسبابا غريبة، وينقل إليّ أحداثا عجيبة: |
|
تقول
إن ضرتي وأبناءها هم الذين حملوك على هذا الطلاق، وزينوا لك هذا الفراق، وأنهم
كانوا يحاولون ذلك منذ أزمان طويلة وآماد بعيدة، فكنت تجيبهم بجفاء وغلظة،
وتردهم بالخيبة والخسران، ولم تك تخبرني شيئا من ذلك حرصا على هدوء الأحوال
واطمئنان البال، وتوفير أسباب الحياة الآمنة الوادعة، حتى إذا شبوا عن الطوق،
وأصبحوا يسهمون في كسب الرزق، ويحسنون تدبير شؤون الزراعة، ويقدرون على جمع
الحصاد وتخزين الغلال، حتى إذا بلغوا هذا المبلغ، وبلغت أنت من الكبر ما أوهن
عظامك وألان قناتك ولوى كفك على العصا اقترحوا عليك أن أزور شقيقتي هذه النائية
عنك مائتي ميل، حرصا على راحة أعصابك وهدوء بالك وجمام
جسمك، وحسما للمشكلات التي كانت تثور بين ضرتين تسكنان بيتا واحدا. |
|
وجئت أزور أختي هذه سعيا وراء راحتك وابتغاء رضاك، وما
كنت أعلم ما تدبره أنت ولا أبناؤك، وما كنت أدري أنها زيارة ليس بعدها رجوع.
|
|
تقول
إن غيابي البعيد عن البيت، واحتجابي الطويل عن الأعين، أطمعا فيك الضرة وأبناء
تلك الضرة، وانتزعا منك زعامة العرين وزمجرة الآساد،
فلم تستطع أن تفلت حين قادك أكبرهم إلى المحكمة الشرعية، ومن حولكما إخوة له
ثلاثة يشدون عضده، ويضعون أيديهم في يده، ويدخلون قاعة المحكمة على قلب رجل
واحد. |
|
وكم
حاول القاضي حين عرف أنك مغلوب على أمرك، وأن غاية أولادك حرماني إرثك، كم حاول
أن يثنيك عن هذا الطلاق، وكم بيَّن لك ما فيه من إثم وظلم وجنف. |
|
ولكنك كنت لا تعي شيئا مما تسمع، كانت عيناك تنظران إلى
الأرض، لا تكاد ترفعهما إلى أعلى خشية أن تلتقيا
بأعين أبنائك من حولك، وقد صوبوها نحوك كما تصوب الذئاب الضارية عيونها إلى شاة
آمنة جاثية في الحظيرة. |
|
ونطقت بالطلاق بيسر وسهولة، لم يتلجلج لسان، ولا ارتجفت
شفتان، ولا تهدّج صوت، ولا غصّت حنجرة. |
|
وخرجت
من المحكمة كالشرعية مسرعا تغذ الخطا كأنما أنشطت من
عقال، وعدت إلى بيتك هادئ النفس رخيّ البال خفيف الظهر، كأنما كنت أنا شوالا
ثقيلا من القمح تحمله على عاتقك فألقيته على الأرض واسترحت. |
|
نعم،
عدت إلى بيتك وقد أصبحت السيادة فيه لأم بنيك، أما
أنا فواحسرتاه! لقد تقطعت
الأسباب ما بيني وبينه، ولم يبق لي منه إلا ذكريات!! |
|
أذكر
أنه كان لي في ذلك البيت غرفة، غرفة ذات نمارق مصفوفة
وزرابيّ مبثوثة، وقطع من القماش مرقشة جميلة تزين
الجدران، وستائر من الحرير مطرّزة تسدل على النوافذ، ومرآة كبيرة تقوم في إحدى
الزوايا، كم وقفت أمامها تسرح شعرك السبط الوحف،
وتبصر فيها وجهك الأزهر الناضر، وترتدي على هديها ملابسك الأنيقة الفاخرة، ثم
تمس شعرك بشيء من العطر وتلتفت إليّ وتقول: إن أهنأ ساعات حياتي هي هذه التي
أقضيها في هذه الغرفة، ففي هذه الغرفة أنسى متاعب التجارة وهموم الزراعة ومطل
المدينين. |
|
وحين
أسمع ذلك منك أكاد أطير من النشوة والفرحة، فليس هناك شيء ألذ في سمع المرأة من أن تملأ آذانها كلمات الحب والثناء والإعجاب من
زوج مخلص. |
|
ومضى
على تلك الحياة السعيدة الودود بضعة عشر عاما، ظلت الغرفة طوالها
قادرة على أن تنسيك متاعب الزراعة والمزارعين، وهموم التجارة ومطل المدينين، على
الرغم من أنها لم تسمعك هدهدة رضيع في الليل، ولا مناغاة وليد في النهار. |
|
ثم
بدأت الغرفة السعيدة بعد تلك السنوات المديدة تسمع كلمات جديدة، لم تعد الغرفة
قادرة على أن تنسيك هموم العيش ولا متاعب الحياة، لم تعد كما كانت من قبل تتنفس
عطرا وحبا وسعادة، بدأت الغرفة تسمع الشكاة من كثرة
الأعمال وقلة الأعوان والأنصار، وبدأت الغرفة تردد صدى حسراتك من أن يتخطف الأباعد أموالك الواسعة وثمرات تجارتك اليانعة، وبدأت
المرآة القائمة في إحدى زوايا الغرفة ترسم على وجهك القلق والخوف من أن يتلقف الأدنون جنى سعيك ونصبك وهم قائلون في الظل حرّ الصيف، وسامرون حول المدافئ زمهرير
الشتاء وفهمت الغرفة المسكينة ماذا تعني، وأي شيء كنت تريد، فهمت أنك تريد
الزواج والبنين بعد صمت تلك السنين. |
|
وذات
صباح غائم ماطر، وبينا أنا أعد طعام الإفطار، ونار الشتاء الدفيئة الجميلة في كانونها تتوهج، وإبريق الشاي على طرف منها يصفر وينذر، وقطع
الخبز على طرف آخر تحمّر وتقمّر، وصحاف العسل والزبد والبيض والجبن والزيت
والزيتون والسعتر تنتظر، وعيناي
تنظران في جمرات النار كيف يعلوها الرماد بعد اتقاد، بينا أنا هذه الحال إذ طرق
سمعي خفق نعالك وأنت تعبر الدهليز الممتد ما بين الدكان والغرفة، ورأى معك فتاة
صبيحة الوجه، فارعة الطول، تمشي على استحياء، لم تجاوز ربيعها السادس عشر، وتقف
على مقربة مني تقول: "انظري، كيف ترين؟!" وفهمت ما تعنين فقلت: "لا
بأس، إذا أعجبتك". |
|
ثم
عدت بها من حيث أتيت، ورجعت بعد قليل إلى طعام إفطارك، وأنشأت تقول: "جاء
أخوها يمتار لأهله، وجاءت معه لتشترى بعض الملابس، هي
من أسرة فقيرة، وسوف ترى في هذه الحياة التي نحيا نعمة كبرى لم تكن لتخطر لها
على بال، وهي _ كما يبدو _ خرقاء غير صناع، لا تحسن شيئا من أمور المنزل، وغريرة
لم تجرب شيئا من أمور الحياة، فلن تلقي منها كيدا ولا غيرة ولا سخيمة قلب، وسوف تعيش معك خادما ليس لها إلا أن تسمع وتطيع،
ولا يهمنا من أمرها سوى أن تنجب بأولاد يعينون على تصريف تجارتنا الواسعة،
وتدبير زراعة أراضينا الشاسعة ويحفظون هذا المال من الهلاك والضياع". |
|
وظننت
هذا الكلام يخفف المصيبة التي أصابت، ويجعل الحياة تمضي
سهلة راضية رخاء كما كانت عليه في السنين الخالية. |
|
وتجلدت،
وأظهرت لك الرضا، ونار الغيظ والغيرة في حشاي موقدة.
ولم تمض غير أيام معدودة حتى وفدت علينا تلك الفتاة لتكون لك زوجا وأم بنين،
ولتكون لي شجا في الحلق إذا ما أكلت، وحسك السعدان
على فراشي إذا ما نمت. |
|
وعلى
ما كنت ألاقي من كيد وكمد وكبد، فقد غبرت على ما كنت عليه من قبل من إعداد طعامك
الهنيء وشرابك المريء، والحفاظ على نظافة ثوبك وبيتك، ورعاية أموالك في غيبتك،
مع تربية أولادك حين كانوا صغارا يدرجون في البيت، وتلاميذ يغدون على المدارس. |
|
وما أنا بقائلة في تلك الضرة شيئا، وأنى يقبل لي فيها
قول؟! ولكنك تعلم أن أخاها كان مدينا فأصبح دائنا،
وكان يسكن بيتا من الطين، فأصبح ذا دور وأراض وبساتين في بضع سنين. |
|
يا سبحان الله! خمسة وأربعون عاما وأنا أرعى
بيتك وأربّ مالك، وأهذب زوجك وأربي عيالك، وأكابد ما أكابد ابتغاء رضاك، ثم يكون
جزائي أن أنزع من بيتي كما تنزع قشور البرتقال، وأن ألفظ من داري كما يلفظ نوى
التمر. |
|
ما
أعجب شأنكم أيها الرجال !! يجيء أحدكم إلى أهل الفتاة
خاطبا وهو يموء كما تموء
القطط من حول الموائد، حتى إذا نال ما تمنى ووجد الضالة التي ينشد، وأصبحت
الفتاة له زوجة، نظر إليها كما ينظر إلى قطعة أثاث جديدة يزين بها بيته، أو إلى
سلعة ذات نفع ومتاع فينتفع بها ويستمع، فإذا ما طال عليها العهد، ونسأل الله لها
في الأجل، فوخط الشيب فوديها، وخدّد
الكبر جبينها وعارضيها، نظر إليها كما ينظر إلى سيارة ذات طراز قديم، أو إلى
متاع له في البيت أصابه العوار ومسته يد البلى، فما أسرع ما يطلق، وما أسهل أن يفارق. |
|
وإذا ما سألت: فأين الدين وأين المروءة؟! وأين حقوق
سنوات طويلة من التواد والتعاطف؟! كنت كمن يخاطب صخرة منصوبة أو جدارا قائما. |
|
زوجي
الذي كان… |
|
هذه
رسالة أكتبها إليك، وأغلب الظن أنها لن تصل إلى يديك، سوف تمزقها الأيدي من حولك
شرّ ممزق، وسوف تدوسها الأقدام من فوق التراب بغيظ وحنق، ولكنها على كل حال آهات
امرأة مظلومة، ونزيف قلوب مكلومة، وأنفاس مطلقة عجوز
تحتضر. |
|
اللهم إني مظلومة.. اللهم إني
مظلومة.. اللهم انتصف لي وانتصر، فليس لي في هذا العالم من
ألوذ به سواك!! |
|
انتهت
الرسالة. |