طباعة

 توثيق النص

 

 

 

العظات والعبر من هدي هجرة سيد البشر

للطالب عزيزو محمد

 

 

للهجرة من مسقط رأس سيد الدعاة صلى الله عليه وسلم إلى المدينة أسبابٌ دعت إليها - وأهمُّها: مضايقةُ واشتدادُ أذى المشركين على الرسول صلى الله عليه وسلم ومَن آمن معه - ولقد سبق للرسول صلى الله عليه وسلم أن أَذِنَ لثلَّة من المؤمنين بالهجرة إلى أرض الحبشة بحثا لهم عن بيئة صالحة يطمئن فيها إيمانهم الفتي وتخلصا من أذى المشركين. ثم تكررت هجرتهم إلى الحبشة في السنة السادسة من البعثة.. وأكتفي بهذه الإشارة..

وأما الهجرة من مكة إلى المدينة فكانت بإذن الله عز وجل لرسوله صلى الله عليه وسلم عقب اجتماع المتآمرين، غلاظ الأكباد وقساة القلوب، من مشركي قريش في دار الندوة حيث لم يتخلف أحد من ذوي الرأي والحجى للشورى في أمره صلى الله عليه وسلم. فأنزل الله قرآنا يكشف ويُزيح الأستار وفضح لهم الأسرار ليزداد الرسول ومن آمن معه إيمانا بأن الله مع أوليائه بالنصر والتأييد وصبرا على تحمل أذى قريش في سبيل الدعوة إليه سبحانه: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} الأنفال.

ولم يهاجر الرسول صلى الله عليه وسلم حفاظا على ذاته بل صيانة لدعوة الله عز وجل حتى تنتشر في ربوع هذا الكون. وصاحبه في هذه الرحلة المباركة والمحفوفة بالأخطار أبو بكر الصديق رضي الله عنه الذي أعدَّ لها كل ما يلزم، فتوجَّها إلى غار ثور جنوب مكة حيث اختفيا فيه ثلاث ليالٍ حتى هدأ عنهما الطلب.

وأما قريش فقد جدَّت في البحث وجعلت الجوائز لمن يأتي بمحمد صلى الله عليه وسلم إليها حيًّا أو ميتا..

ويحسن أن نذكر هنا حادثة تشهد أن محمدا رسول الله بلا شك ولا ريب، وهي واحدة من معجزاته الكثيرة الدالة على صدق نبوته وصحة رسالته. ذلك أن جماعة من كفار قريش وقفوا أمام الغار يبحثون عنه صلى الله عليه وسلم فقال أبو بكر رضي الله عنه خوفا على حبيبه: "يا رسول الله لو أن أحدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا.." فأجابه إمام الموحدين صلى الله عليه وسلم مُطمئنا: "يا أبا بكر ما بالك باثنين اللهُ ثالثُهما؟" وهذه هي المعيّة الخاصة لأولياء الله بالنصر والتأييد فالله جل جلاله مستوٍ على عرشه استواء يليق بجلاله وعظمته وعلمه في كل مكان سبحانه وتعالى عما يصفه المشبِّهون. ثم خرج الرسول صلى الله عليه وسلم ورفيقه الصديق رضي الله عنه واتخذا طريقا غير مطروق للإمعان في التخفي والحذر، وكان الدليل لهما عبد الله بن أُريقط، رجلا من الكفار حتى وصلا إلى يثرب آنذاك سالمين في الثاني عشر من ربيع الأول.. لقد دامت الرحلة الميمونة سبعة أيام وثلاثة في غار ثور ولا يفوتني أن أذكر وأنبه إلى أنه خلال الأيام الثلاثة كانت أخبار قريش وتحركاتها تبلغه عن طريق عبد الله بن أبي بكر، وأخته أسماء، وعامر بن فُهيرة مولى أبي بكر رضي الله عنهم - فكانت أسماء تحمل الطعام في المساء طول الثلاثة الأيام إلى النبي والصديق، وكان عبد الله يتتبَّع أخبار وخطوات قريش كما هو شأن العباس عم الرسول صلى الله عليه وسلم في مكة حيث كان يُمثل محطة الأخبار أو بالتعبير العصري مركزا للمخابرات. وأما عامر بن فُهيرة فكان يرعى الغنم في النهار ويعرج بالغار مساء ليُخفي أثر أقدام عبد الله وأخته أسماء. إذن لقد كانت طرقُ الحيطة وأسباب الحذر مستعملة من أجل أن تنجح الرحلة ويقضي الله أمرا كان مفعولا.

أما الذين يتغنَّون بأمداح - يزعمون أنها تُرضي عنهم رسول الهدى صلى الله عليه وسلم - وفيها من الشرك ما تكاد تتفطر منه السموات، ومن الضلالات والمفتريات ما تكاد تخِرُّ منه الجبال الشامخات، فأولئك ما فقهوا دينهم ويخالفون النقل والعقل - فتراهم يقررون أن العنكبوت نسجت على باب الغار نسيجها الرقيق فستر أعين المشركين عن رؤية الرسول الكريم وصاحبه، وأن حمامتين باضتا في فم الغار فظن المشركون أن هذا الغار من عهد قديم لا يستطيع إنسيّ أن يلجه فيجعلون نجاة الرسول وصاحبه منحصرة في هذه الأشياء التافهة وينفون بهذا وذاك أسباب الحيطة التي اتُخذت وأن الله مع نبيه بالحفظ والتأييد.

فيا ليت قومي يستفيقون من غفلتهم وينتبهون لهفواتهم وزلاتهم.

ومرة أخيرة لنعش لحظات ممتعة مع هذه الحادثة العجيبة ألا وهي قصة سراقة بن مالك الذي كبا فرسه مرتين فعلم أن هناك قوة خفية قاهرة تحمي محمدا عليه الصلاة وأفضل التسليم، فتراجع عن إبلاغ قريش عثوره على صاحب الهجرة بل وَعَدَ وأقسم للرسول صلى الله عليه وسلم أن يضلِّل كل من يبحث عن نبي الإسلام صلى الله عليه وسلم فوعده الرسول صلى الله عليه وسلم بسوار كسرى، ملك الفرس ورجع سراقة بن مالك بفكرٍ غير الفكر الذي خرج به من مكة باحثا عن محمد، وبعقيدةٍ غير العقيدة التي حملها أول مرة ونستطيع أن نقرر أنه عاد داعيا إلى اتباع محمد صلى الله عليه وسلم وكفِّ الأذى عنه. ذلك ما نستنبطه من أبياته التالية يخاطب بها أبا جهل زعيم الكفر والطغيان:

أبا حكم والله لو كنتَ شاهداً.

 

لأمر دوادي إذ تسوخُ قوائمه.

علمت ولم تشكك بأن محمدا.

 

رسولٌ ببرهانٍ فمن ذا يُقاومُه.

عليك بكف القوم عنه فإنني

 

أرى أمره يوماً ستبدو معالمُه.

بأمر يوَدُّ الناس فيه بأسرهم.

 

بأن جميع الناس طرّاً  يُسالمُه.

ثم أسلم سراقة بعد ذلك وحَسُن إسلامه. وحقق الله وعد نبيه ومصطفاه صلى الله عليه وسلم فحصل سراقةُ على سوار كسرى لما هُزم الهرمُزان ملك الفرس على عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

ويهمني الآن أن أركز على نتائج الهجرة ومدى استفادة الداعي إلى الله منها. فهي مصنع الرجال والمنطلق إلى الفتوحات وإشعاع النور السماوي في ربوع المعمورة.

 

نتائج الهجرة:

بالجملة فإن الهجرة تُعَدُّ تحولا من الجمود إلى الحيوية وانتفاضة من نطاق الدعوة الضيق إلى نطاق أوسع انفسحت له رقعة الإسلام بالفتوحات المتوالية في العراق والشام وغيرهما.

 

فمن نتائجها:

1- الإخاء الصادق بين الأنصار والمهاجرين حتى إن الأنصاري ليُقاسم أخاه المهاجري في المطعم والملبس والمسكن.

ومدح الله صنيع الأنصار في كتابه العزيز.

2- القضاءُ التام على الحزازات الباطنية والعقد النفسية التي كانت عند القبائل ونمت في الجاهلية.

3- بناء المسجد النبوي ليكون مقرّاً للعبادة ومدرسة بل جامعة للتفقه في الدين ولتخريج علماء ربانيين صالحين مصلحين يبلغون دعوة الله إلى الناس بكل نزاهة وعفة عن أطماع الدنيا الفانية لأن حياتهم كانت وقْفا على الله عز وجل عملا بقول الله عز وجل لنبيه محمد وأمته بالتبع: {قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} آخر سورة الأنعام.

4- انتصار المسلمين في غزوة بدر الكبرى، وهي أول غزوة خاضها المسلمون مع المشركين أكسبتهم هيبة وقوة وعزّاً، فكانت الفارقَ بين الحق والباطل. ولقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "نُصرت بالرعب مسيرة شهر". وبتوالي الغزوات والانتصارات فيها عبد الهجرة، قويت شوكة الإسلام وكُسرت شوكة الشرك والضلال..

فأنجز الله وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده، وتمَّت النعمة الكبرى بفتح مكة في السنة العاشرة للهجرة حيث دخل الناس في دين الله أفواجا وطهر بيت الله الحرام من الأصنام - فجاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا.

هذه بعض النتائج بإيجاز وهناك أخرى لا يسع المقام ذكرها.

ماذا يستفيد الداعي من ذكرى الهجرة النبوية؟؟

1- لقد سبق أن علمنا أن السبب الرئيسي للهجرة هو اشتداد أذى المشركين على الرسول صلى الله عليه وسلم ومَن آمن معه. فمن هنا يجب على الداعي إلى الله أن يكون متهيئ للهجرة عند كل مضايقة تُضعف إسلامه أو تحاول إخفات إيمانه أو إطفاء شعلته.

2-اختيار الزمان والمكان المناسبين للهجرة وإلا لم تبق فائدة لهذا التحول.

3- الإطلاع عن طريق الإذاعة والصحف على أخبار العالم على وجه العموم وعلى أخبار المسلمين على وجه الخصوص. وهذا ضربٌ من الاهتمام بأمور المسلمين.

- فالداعية الحق لا يكون غرّاً ساذج الفكر، لا يخالط المجتمع ويحتك به بل يجب أن يتعرف الأحوال ويسعى في إيجاد الحلول للمشاكل التي تنزل بالمسلمين.

4- تأسيس الجماعة المؤمنة في المكان المتخذ موطنا جديدا للانطلاق منه بعد التربية الإسلامية والتدريب الكافي على الخطابة والدعوة وغيرهما لفتح القلوب المغلقة، وما التوفيق والنصر إلا من عند الله. وأختم كلمتي هذه بالنصح الصادق لأولئك الذين هاجروا إلى هذا البلد الحبيب واكتفوا بالجوار ثم لا يدعون إلى الله عز وجل على قدر استطاعتهم ولا يغيرون منكرا رأوه - ولو كان التخلف عن الصلاة - فأقول لهم ولكم من أحبّ الإقامة هنا على شاكلتهم إن المقصد من الهجرة ليس الأمن من الفتن فقط وإنما التعلم والتفقه من أجل الانطلاق إلى الدعوة في كل مكان بإخلاص وصدق والله هو الموفق والهادي إلى سواء السبيل، والله لا يضيع أجر المحسنين.

وأسأله سبحانه أن يجعلنا ممن يستمع القول فيتبع أحسنه.

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.

الإمضاء: عزيزو محمد عبد السلام مغربي. أولى من كلية الدعوة وأصول الدين.