|
|
|
|
|
القدرة المطلقة |
|
لفضيلة
الشيخ السعيد الشربيني الشرباصي |
|
المدرس
بدار الحديث المكية |
|
|
|
إن ما تراه العيون والأبصار من صنعة
البديع الخلاق في الفضاء والآفاق تسوقها إلى الإيمان المطلق بالله القدير الصانع
لهذا الوجود. |
|
وإذا ما استقر هذا الإيمان في
القلب واستخدم الإنسان العقل والفهم وجد أن الاعتراف بالقدرة المطلقة يستلزم
الإقرار بالعجز المطلق، الشامل لكل ما في الكون من خلائق وحقائق، ومن مقدمات
ونتائج وغايات ووسائل… |
|
والعجز الشامل المطلق يلغي الواسطة والحيلة، ويجعل المؤمن
المفكر يقر بعدم ارتباط التأثير في المسبب للسبب، أو خضوع النتيجة للمقدمة، أو استتباع الغاية للوسيلة. لأن ارتباط هذه الأشياء ببعضها ليس
ارتباطا ذاتيا، وإنما هو ارتباط عارض جاء تنظيما من الله سبحانه وتعالى لهذا
الوجود. فالمصدر الأصلي لهذا الارتباط إنما هو إرادة
الله تعالى. حتى أننا لنجد هذا الارتباط ينفك تماما عندما يريد الله ذلك مثل ما
حدث لإبراهيم عليه السلام حينما أراد العلي العظيم
ذلك فقال: {قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً
وَسَلاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ} وفي المسند عن جابر رضي الله عنه عن
النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يبقى بر ولا فاجر
إلا دخلها فتكون على المؤمنين بردا وسلاما كما كانت على إبراهيم". |
|
وقدرة الله تعالى واضحة وظاهرة،
وثابتة وشاخصة، ومشهودة ومحسوسة وعجز المخلوق يشهد له الواقع، وتبديه التجربة.
وكل من القدرة والعجز شاهد على صحة الآخر. فعجز
المخلوق دليل على قدرة الخالق، وقدرة الخالق المطلقة دليل على عجز المخلوق
البالغ والشامل {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا
تَعْمَلُونَ}. |
|
وإنا لنرى عجز الإنسان واضحا حتى فيما يظن أنه يملكه ويختص
به ومن شأنه هو، كفضائله الذاتية وخصائصه البدنية. إذ أنه لا يستطيع نقل هذه الفضائل وتلك الخصائص إلى أحب الناس
إليه وهم أولاده، إلا إذا أراد الله ذلك. فالقوي لا
يملك بالحتمية أن يجعل ابنه قويا إلا إذا أراد الله ذلك. والذكي
لا يمنح ابنه ذكاءه إلا بمشيئة من الله تعالى. والجميلة
لا تأتي ابنتها جميلة، والقبيحة قد تأتي ابنتها جميلة، ورغم ما يقال عن قانون
الوراثة فإن تناقضه وتخلفه كثيرا من جيل إلى جيل يرد الأمر إلى القوة الخفية
التي تدير القانون وتنفذه أو لا تنفذه، وتمضيه أو تثنيه. {هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ
يَشَاءُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}. |
|
فإذا تركنا ما هو مرتبط
بذات المخلوق إلى ما يعرض له من عوارض نجد أن الحال واحد لا يختلف الأمر فيهما. فالإنسان لا يملك أن يجعل ولده سعيدا أو شقيا، غنيا أو
فقيرا، عظيما أو حقيرا. |
|
وإنما هي عيوننا الشاخصة صوب السماء بأحر الدعاء تسأل الله
أن يجعلهم سعداء أغنياء، وأن يجنبهم الفقر والشقاء. |
|
وإننا لنجد أحرص الناس على المال قد يرزقون بأفسد الأولاد للمال. وقد نجد أنشط الناس للجد والعمل
يرزقون بأولاد لا يفهمون للحياة معنى سوى النوم والكسل، والتواكل والفرار من
المسؤولية. |
|
ويستمر العجز البشري واضحا ومنطلقا في مداه، فالذين يحلمون
بالأطفال قد يعيشون عقما، والذين لا يريدون أطفالا قد يولد لهم توائم. ومن أراد
الذكور تأتيهم الإناث.. ومن يريدون الإناث تأتيهم الذكور. والمريض الذي تجمعوا
حوله يعدون ساعاته قد ينشط ويعمر، والقوي الوثاب قد يسقط فلا ينهض، والمتخلف
الذي سبق، والسابق الذي تخلف، والتلميذ الذي تحول أستاذا لأستاذه، والأستاذ الذي
تتلمذ على تلميذه، والصفقة التي توقع صاحبها أن تكون مصدر الغني والثراء، فكانت
باب الفقر والخراب، والتجارة البائرة التي تحولت إلى صفقة رابحة فأعزت وأغنت
صاحبها. والصديق الذي أمنته فخان، والعدو الذي خفته
فكان أمنا وسلاما.. |
|
والجبابرة الذي صرعوا بأتفه
الأسباب والمستضعفين الذين اضطهدوا فورثوا الأرض وعمروها. والجميلة
التي شقيت بجمالها، والقبيحة التي فتحت لها الآفاق صور لا حصر لها ولا عد كلها
تثبت العجز المطلق للمخلوق حتى فيما يظن أنه مصدر لقوته واعتداده. وفي الوقت ذاته تثبت القدرة المطلقة للواحد الخلاق سواء فيما
يدخل في كسبنا أو لا يدخل في قدرتنا. |
|
ومن هنا ندرك أن أمر الهداية وهي شيء أعلى وأجل من الصفات البدنية والخصائص الجسدية ومن العوارض الدنيوية والمظاهر
المعيشية متروكة لله وحده لا شريك له ولا معين. وحينما نؤمر بالدعوة إنما ننفذ
الأمر فقط والنتيجة لله سبحانه وتعالى، وهو الذي يهدي من يشاء. وهذا هو الخطاب
الذي وجهه الله إلى خير الدعاة وأفضل الرسل قائلا له: {إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ
يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ}. |
|
ولقد كان عليه الصلاة
والسلام في بداية الدعوة حريصا كل الحرص على إيمان قريش واستجابتها له، ودخول
نفر من آله إلى الدعوة ولكن ذلك لم يتم إلا عندما أراد ذلك ولمن أراد الله له
ذلك!.. |
|
وقديما عجز نوح عليه السلام عن أن يفعل شيئا لأعز الناس
عليه: {وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي
مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ قَالَ سَآوي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي
مِنَ الْمَاءِ قَالَ لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلاَّ مَنْ
رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ
الْمُغْرَقِينَ وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي
وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ قَالَ يَا نُوحُ
إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ}. |
|
فلا عاصم اليوم والغد والأمس لأحد إلا لمن رحم ربك ولمن شاء
له الهداية والتوفيق. وسواء كانوا من أصلابنا أو كانوا أحبابا ورفقاء لنا فالأمر
دائما لله، وقد جاء هذا الأمر إلى لوط: { فَأَسْرِ
بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ
امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ}. |
|
وهكذا كتب الله على امرأة لوط عليه السلام ما كتبه على العصاة والمخالفين {فَلَمَّا
جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا
حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ}. |
|
وفي قصة يوسف عليه السلام لا يختلف الحال، وإن فيها لآيات
للسائلين والمفكرين حينما تجمع إخوته عصبة وقرروا أن يقتلوه أو يطرحوه أرضا،
ولكن يعقوب عليه السلام يقول لهم: {فَصَبْرٌ
جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ} ويرد الأمر
لله وحده ويستعين به ويعود يوسف مكرما معززا بفضل الله لا يضره ما كان وما دبر. |
|
كل هذه العبر تدعو المسلم إلى التطلع
للسماء والنظر إلى خالق الكائنات وحصر الرجاء في الله، وقصر الطلب عليه. وندائه وحده وترك الاعتماد على من عداه. لأن غيره
مسكين من المساكين، ومخلوق من المخلوقات. وعبد من عباد القوي الجبار. |
|
ألا ما أضل الإنسان حينما
يغلق عيونه عن نور السماء، وما أهونه حينما يتعلق بأوهى الأسباب من المخلوقات،
وما أضعفه حينما يعتمد على ضعيف مثله.. |
|
وما أقواه حينما يمضي في
طريقه معتمدا على الله، مرتكزا على الثقة فيه، مستلهما العون منه، معتصما بحوله
وقوته مستنصرا بنصره {وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ
عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ}. |