طباعة

 توثيق النص

 

 

 

 

أثر العقيدة في الفن الإسلامي

 بقلم الأستاذ رياض صالح جنزرلي

 

 

منذ سنوات وأنا أبحث في مجال الفن وأثر العقيدة الإسلامية فيه، آملا بأن انتهى إلى الكشف عن جوانب هذه المؤثرات وأبعادها. وخاصة بعد أن حاول الكثيرون - ممن كتب في هذا المجال - هدم بعض هذه المؤثرات، أو صرفها إلى غير وجهتها الحقيقية، وقصر زمانها على فترة محدودة، وإعادة زمنها إلى عصر انتهى وقته، علماً بأن الإسلام جاء تشريعاً متكاملا لكل زمان ومكان في شتى أحكامه وتشريعاته, إلا ما كان منها خاضعاً لتطورات الحياة البشرية ولم يكن لها نص أو أثر في كتاب الله وسنة رسوله.

ولعل أكثر من بحث في جوانب الفن الإسلامي تكلم عنه بصفة مجردة أو بصفة تاريخية، ولم يحاول البحث عن الأسباب التي جعلت هذا الفن فناً رائعاً جديداً من نوعه في العالم، وعن المؤثرات التي دفعته إلى هذا الطريق الجديد، وأكسبته روح الحياة والاستمرار والسيادة حتى تركت آثاره على ألبسة إمبراطور ألمانيا وكهنة أوروبا، والمنصة الأندلسية للملك البافاري (لودويك الثاني) مثالاً صارخاً على ذلك[1].

والبحث في موضوع كهذا خضع لكثير من الأهواء الشخصية والتأويلات والاحتمالات المفرطة، يحتاج إلى عودة تامة لمنابعه الأصلية، دون الاعتماد على تأويلات المحدَثين لئلا يجرفنا تيار التحلل والانفلات.

كما يحتاج إلى معرفة واسعة أيضاً بأحكامه الشرعية إلى جانب موهبة فنية وشيء من التخصص في الفن الإسلامي الأمر الذي جعلني أرجع فيه إلى القديم، الذي فيه كل ما أريد، فبحثت في كتب الفقه والحديث، فلم أجد أحكامه إلا متفرقة وبشكل خاص في كتب الفقه، فأنت تجدها في حكم اللباس، وفي حكم إجابة الدعاء إلى الوليمة وحكم كسر الدف، وباب الحظر والإباحة، فهي غير مجتمعة في باب واحد مما دعاني إلى مزيد من البحث والتنقيب وإني لا أزال بصدد هذا الموضوع أجمع وأطالع ما يقع تحت يدي من كتب تتعلق به حتى تكتمل جوانبه لدي إن شاء الله. وأستطيع أن أبرزها لقراء المسلمين نقية سليمة خالية من كل شائبة.

لم يكن الإسلام مفرطاً في أي حكم من أحكامه بل وزعها توزيعاً عادلاً وسطاً، إلى جانب من الشمول التام في هذه الأحكام بحيث أنها أحاطت المسلم بهالة إيمانية تامة نستطيع أن نرى آثارها في جوانب حياته عامة، وهذا الشمول التام والتكامل المتناهي يتضح لنا بقوله تعالى:

{الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً}[2]

وهذا الشمول هو الذي جعل للمفن[3] المسلم نصيباً وافياً في هذه العقيدة وأحكامها.

والمفن إنسان يمتاز بمشاعره الرقيقة والحساسة التي تتأثر بكل ما حولها وتحاول أن تعبر عنها كيفما تشاء.

وكما نرى من هذا التعريف للمفن بأن مجال الأهواء مفتوح للنفس وليس هناك من مقياس يلتزمه المفن في أعماله. لذا فقد جاء الإسلام بمبدأ الالتزام الذي حدد فيه الطرق التي ينبغي على المفن المسلم أن ينتهجها في أعماله الفنية، فلا يخضع للنفس وشهواتها أو الهوى وضلالاته، وخاصة في مسألة كهذه تعتمد على المشاعر النفسية الخاصة.

إذا فقد جاءت الشريعة الإسلامية كموجه راشد يهدي للذي هو أقوم، ووينتشل البشرية من براثن الجهل والعذاب وضلالات النفوس وشرورها، ويقوِّمها على سبيل الحق والصلاح، ويأخذ بيدها إلى ما فيه خيرها ونجاتها.

لذا حرَّمت على المسلم رسم كل ذي روح، وذلك بنصوص صحيحة صريحة جاءت في أمهات كتب الحديث والفقه الإسلامي، بعبارات لا تخضع لتأويل بعيد كان أو قريب وذلك لوضوحها ونصاعة نصوصها.

ولم بك هذا التحريم إلا لإبعاد كل مظهر ينافي العقيدة الواحدة الصافية، ولمحو كل عهد جاهلي أو أثر وثني كان عليه الإنسان قبل أن يبصر طريق الهداية والرشاد. لذلك كان تحطيم الأصنام أو ل عمل قام به الرسول الأعظم صلوات الله وسلامه عليه، عندما فتح مكة المكرمة ودخل الكعبة، فلم يعد لها وجود في حياة العرب. وكذلك فعل المسلمون حينما فتحوا بلاد الروم فحطموا ما فيها من أصنام وأزالوا منها ما يتنافى مع الشريعة الإسلامية. كما حرم على المسلم صنعها وبيعها واقتناؤها لأنها دليل على الشرك والوثنية ومظهر من مظاهر العبودية لغير الله. وقد أشار إلى هذا ابن القيم رحمه الله في كتابه زاد المعاد وكذلك الصنعاني في سبل السلام وغيرهما.

 ولم يكن التصوير بأقل شأنا من الأصنام، فقد نهى الإسلام عن التصوير وأنذر المصورين بأشد العقوبات، وذلك بأحاديث صحيحة تشير إلى أن أشد الناس عذباً يوم القيامة المصورون.

فعن عمر رضي الله تعالى عنه أن الرسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن الذين يصنعون هذه الصور يعذبون يوم القيامة يقال لهم أحيوا ما خلقتم"[4]

وأخرج الترمذي وقال حسن صحيح عن جابر رضي الله عنه: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصور في البيت، ونهى أن يصنع ذلك". فإن أزيل من الصورة ما لا تبقى معه حياة لم تكره في المنصوص، بأن أزيل منها رأسها، أو لم يكن لها رأس، لا أن فصل رأسها عن بدنها بما يشابه الطوق مما يزيدها حسنا فهذا لا تزول  به الحرمة[5].

وقال النووي: "قال أصحابنا وغيرهم من العلماء: تصوير صورة الحيوان حرام شديد التحريم, وهو من الكبائر, لأنه متوعد عليه بالوعيد الشديد المذكور في الأحاديث, وسواء صنعه لما يمتهن أو لغيره فصنعته حرام بكل حال, لأن فيه مضاهاة لخلق الله تعالى, وسواء ما كان في ثوب أو بساط أو درهم أو دينار أو فلس, وإناء وحائط وغيرهما"[6]

وأما تصوير صورة الشجر وجبال الأرض وغير ذلك مما ليس فيه صور حيوان فليس بحرام.

وهناك أحاديث أخرى تتضافر بالمعنى من ناحية تحريم صور ذوات الأرواح لا يتسع الوقت لتتبعها وسرد نصوصها هنا. ويكفينا أن الفقهاء قد أجمعوا على تحريم اتخاذ الصورة لكل ذي روح.

ولم ينه الإسلام عن تصوير ذوات الأرواح فقط بل نهى أيضاً عن تعليق وتزيين الجدران بها، كما تبين هذا من حديث عائشة المشهور[7] ومن أحاديث أخر، منها:

عن أبي طلحة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تدخل الملائكة بيتاً فيه كلب ولا صورة" رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وبن ماجة. وفي رواية مسلم: "لا تدخل الملائكة بيتاً فيه كلب ولا تماثيل". كما شمل هذا التحريم اللباس المصور عند بعضهم كما جاء في منظومة الآداب للشيخ محمد السفاريني الحنبلي بقوله:

حوى صورة للحي في نص أحمد[8]

ويحرم ستر أو لباس الفتى الذي

إن هذا التحريم لم يكن لهدف تخريبي كما قد يفهمه بعضهم، كما لم يكن يرمي إلى حجز المواهب الفنية والحد من نشاطها. إنما كان يهدف إلى ناحية معينة ومقصد محدد. وهو نقل الفرد المؤمن إلى حظيرة التوحيد والإسلام، وإبعاده عن كل أثر جاهلي، وصرف نظره عن كل ما يتصل بالجاهلية من أدران ومفاسد، وتنمية شعور الالتزام بالعقيدة الإسلامية وتشريعاتها. هذا من جانب ومن جانب آخر وهو الأهم، هو الحد من اتخاذ هذه الصور للشخصيات الإنسانية التي تستحق التعظيم ثم الانتهاء بعد أجيال إلى عبادتها، وقد حدث هذا في الأمم السابقة، وكنائس النصارى أكبر شاهد على هذا.

فالإسلام دين أدرك الواقع ونظر إلى المستقبل، فجاء بمنهج سليم يضمن الحال والمآل لذلك كان لباب سد الذرائع فيه أثر كبير في حفظ الكيان الإسلامي.

وقد يستغل بعض ما ذكرناه فيقول بأن التحريم كان بسبب عبادة الناس للأوثان حينما كانوا مشركين، والآن فقد آمن الناس جميعا، وبعدنا عن عهد الوثنية، إذاً فلا بقاء لحكم التحريم وفي هذا الادعاء جهل وتضليل.

فأما الجهل: فإنه على الرغم من تقدم الإنسان وعلى الرغم من حضارته المادية الغالبة في هذا الزمان فإن الكثير من البشر لا زالت عقائدهم تقوم على خرافات وأوهام باطلة، ومنها ما يقوم على عبادة الأوثان والأبقار - كما عند البوذيين والهندوسيين - و لهذا فإن عنصر الوثنية والجاهلية لا يزال موجوداً لدى بعض الفئات من البشر إلى جانب الضلالات كبير في عبادات بعضهم.

وأما التضليل: فإن نصوص التحريم لم تكن لهذه العلة فقط، إنما جاءت لعلل كثيرة منها علة المضاهاة لخلق الله تعالى - تبارك الله أحسن الخالقين - وهي أهمها. وهذه العلة ملازمة لرسم ذوات الأرواح ولا تزول إلا بزوالها. وكل من حاول إخضاع الأحاديث الواردة لمثل تأويلات الادعاء السابق فقد أفرط إفراطاً كبيراً، وحملها مالا تحتمل، وزاغ بها عن طريقها الصحيح. فالمسلم ملتزم بالنصوص والعمل بها قبل أن يخضعها إلى أي تفسير وخاصة إذا كانت واضحة جلية.

كما لم يكن تحريم تصوير ذوات الأرواح في الإسلام لهدف قريب فقط، مقيد الأمد، بل هو لهدف بعيد، وهو الحافظ على الأجيال القادمة، ووقايتها من مكائد الشيطان، وحجزها عن الوقوع في الشرك بعد الإيمان. وإننا نلاحظ في زماننا الحاضر ما جلبه انتشار التصوير من فساد عارم شمل البشرية عامة، ولم تنج منه الأمة الإسلامية على الرغم من نصوص التحريم الصحيحة الصريحة، فلقد أصبح التصوير وسيلة هامة لعرض مفاسد الأخلاق في كثير من بقاع الأرض، والدفع بالناس إلى أحضان الرذيلة.

وهنا تتجلى روعة الإسلام وحكمته البالغة في هذا التحريم، لأنه خبير بنفوس البشر عليم بغرائزها وقد أراد لها النهوض بهذه الغرائز إلى المستوى اللائق بالإنسانية فلم يحرم عليها شيئاً، إلا وأباح لها ما يقوم مقامه ويسدّ مسدّه، ويفوقه في حسن عاقبته، لذا فقد أجاز للمسلم رسم كل شيء ما عدا الأرواح، وحديث ابن عباس واضح جلي:

عن سعيد بن أبي الحسن رضي الله تعالى عنه قال: "جاء رجل إلى ابن عباس رضي الله تعالى عنه فقال: إني رجل أصور هذه الصور فأفتني فيها. فقال له: أدن مني، فدنا, ثم قال: أدن مني، فدنا حتى وضع يده على رأسه وقال: أنبئك بما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "كل مصوِّر في النار يجعل له بكل صورة صورها نفساً فيعذبه في جهنم" وقال ابن عباس فإن كنت ولابد فاعلا فاصنع الشجر وما لا نفس له"[9].

وقف المفن المسلم أمام هذه النصوص تتنازعه رغبتان: رغبة الفن الحبيسة في نفسه التي تطلب منه الخروج. ورغبة الالتزام بأمر الله ورسوله، لذلك بدأت عملية البحث عن منطلق سليم جديد، يحقق له رغبته ولا يتصادم مع تعاليم دينه، ويكون شاهداً على أصالته وغير مسبوق من أحد قبله، أي إيجاد أسلوب جديد يحطم ما كان قائما على أساس جاهلية ويعطي انطباعاً إسلامياً خالصاً.

وبالفعل بدأت عملية التفكير والتطوير لما يراه ثم يتبعها الإبداع الذي يصب فيه المفن أحاسيسه وذوقه. بدأ المفن المسلم يتفقد ما حوله وينظر إلى ما يراه محاولا أن يجرد الأشكال الطبيعية من صفتها الحقيقية مبتعداً عن أي شبهة في التحريم حتى ولو كان عمله مباحاً، محاولا أن يجعل أعماله في قوالب فنية بحتة رائعة، يمنحها عناصر جمالية فريدة من نوعها، وبذلك يكون قد انتهج أرقى خطة مثالية في التعبير عن المشاعر. فالفن يبدأ حينما يأخذ المفن في الانحراف عن المحاكاة الدقيقة للطبيعة. "ويفرض عليها (وزنا) من عنده (أشبه بأوزان الشعر) وفقا لما توحي به مشاعره وإحساساته بالجمال"[10].

وهكذا تكون العقيدة الإسلامية هي العامل الأول والأخير في قضية الفن الإسلامي وما وصل إليه من إبداع، فقد دفعت المفن المسلم إلى استغلال جميع قدراته العامة، فشحذ خياله لتحرير ما يراه حتى لا يطابق الطبيعة أو الواقع، فجاء فنه بطابع زخرفي بحت اعتبره بعضهم من أرقى الفنون.

لقد نظر المفن المسلم إلى الطبيعة بما فيها من ورود وزهور، وأوراق وغصون ولاحظ أشكالها وتمايلاتها وانحناءاتها، فجردها من واقعيتها وناغم بين حركاتها ثم كرر وناظر، وشابك وعانق، كل ذلك ضمن حركات فنية رائعة، وتوزيعات خلابة، وألوان ساحرة، ودقة متناهية لا نظير لها في باقي الفنون، حتى لتظن نفسك وأنت تنظر إلى زخرفة تشجيرية متشابكة وكأنك تائه في غابة متشابكة الغصون.

ونظر إلى ما يراه في أعمال المهندسين والرياضيين وما يرسمونه من أشكال هندسية، فأخذ عنها وراكب بعضها فوق بعض فكونت لديه أشكالا جميلة كالمسدسات والمثمنات والنجوميات وغيرها، فوزعها توزيعاً منطقياً دقيقاً متوازناً وجانس بينها، وجعل لنفسه نقاطًا ينطلق منها، فقرر بذلك قواعد وأصولا ثابتة اختص بها الفن الإسلامي.

ونظر أيضاً إلى ما يكتبه الناس في مراسلاتهم ومؤلفاتهم، وعلى الأخص كتابة القرآن الكريم الذي لاقى عناية بالغة لم يلقها كتاب في العالم، فاعتنى بخطوطه ونمقها وزخرفها ووشاها، وأبدع فيها غاية الإبداع فكان ما يسمى بالخط العربي الذي يعجز المقام بنا هنا عن استفاء حقه.

وفي كل هذا نرى المفن المسلم ينطلق من مبدأ الخلية الواحدة، واهباً الخلية الفنية صفة التوالد ليعمم بها الصفحة الفنية. ومبدأ الانطلاق من الأصل الواحد مبدأ أصيل في التصور الإسلامي النابع من تصور الإسلام للكون والحياة والإنسان.

و أود أن أشير قبل أن أنهي كلمتي إلى أن الفن الإسلامي لم يكن في أي مرحلة من مراحله حكراً على فئة دون أخرى، أو منتشراً في طبقة دون غيرها إنما كان فناً شائعاً منتشراً في كل مكان وفي كل فئة دون تمايز أو تفاضل كشأنه في الفن الأوروبي في العصور الوسطى حيث كان حكراً على طبقة الأشراف والنبلاء.

كما أن الفن الإسلامي لم يستغل لخدمة الدين كما هو الحال في الفن المسيحي، فأنت لا تراه في كتب الإسلام الدينية على اختلافها. إنما وجهته العقيدة الإسلامية توجيهاً سليماً فقط لئلا يعزب على هواه.

رياض صالح جنزرلي

ماجستير لغة عربية دبلوم دراسات إسلامية عليا

شهادة الفنون التشكيلية

مكة

 

 

 



[[1 مجلة  فكر وفن عدد 19

 [2]سورة المائدة آية (5)

[3] كلمة مفن كمسن هي الأصح لغة أما فنان فمعناها في اللغة حمار الوحش راجع لسان العرب ج13/ ص326.

  [4]رواه البخاري ومسلم.

[5] غذاء الألباب 2/164.

[6] نفس المرجع  1/397.

[7] وهو حديث الستر المصور على الطاقة راجع رياض الصالحين ص593

 [8]غذاء الألباب ج2/205

[9] رواه البخاري ومسلم

[10] دائرة معارف الشعب ص 465