|
|
||||||
رسائل لم
يحملها البريد
|
||||||
|
لفضيلة
الشيخ عبد الرؤوف اللبدي |
||||||
|
المدرس
بالجامعة |
||||||
|
|
||||||
|
عجيب
أمرك يا صديقي!! أبعد عشرات السنين وسنّ السبعين، وأنت ترفل في نعم الله، وتخضم
خضراء الحياة، أبعد أن لبست شبابها جديدا، وطويت كهولتها رغيدا، أبعد أن امتلأ
بجمالها عيناك، وانتضج بطعامها حضناك، أبعد هذا كله تتبرم بالحياة، وتتشكى من
قدر الله؟!. |
||||||
|
وأي
شيء في أن يسترد الله نور عينيك، وقد استأمنك عليهما سبعين عاما؟! ماذا صنعت
بهما في هذه السنين السبعين؟! |
||||||
|
لقد
رأيت بهما عدو الله وعدوك أربعين خريفا أو تزيد، رأيته وهو يضع قدمه الثقيلة على
أرضك وأرض آبائك وأجدادك، رأيته وهو يسدد حربته الطويلة إلى صدور الشيوخ والنساء
والأطفال من أبناء دينك وقومك، فماذا صنعت؟ أرأيت بهما طريق الجهاد فسرت عليها
قدما، وأبصرت بهما الأعداء فتقحمتهم مهاجما؟ لم تصنع شيئا من ذلك يا صديقي،
وإنما أبصرت بهما طريق الهزيمة فوليت عليها مدبرا، وليت وهما تفيضان بالدمع
وتغمضان على القذى. |
||||||
|
ظننت
الحرب سحابة صيف سرعان ما تنقشع، وهزة أرض وشكان ما تسكن وتطمئن، خدعت أذناك بما
كانتا تسمعان من عهود ووعود، وخدعت عيناك بما كانتا تبصران من أسلحة وجنود،
ونسيت أنك مسؤول عن توليك وقعودك يوم يقوم الحساب. |
||||||
|
رأيت
بهما المنكرات تسعى بين يديك وعن أيمانك وشمائلك ومن ورائك، فماذا صنعت؟ كانت
يديك شلاء، وكانت شفتك خرساء، ومضى قلبك ينبض باتساق وهدوء دون أن يشمئز، وظلت
نفسك مطمئنة وادعة دونما تقزز. |
||||||
|
ماذا
تريد أن ترى بعينيك يا صديقي؟ أتريد أن تكون شاعرا ترى مطلع الشمس ورحلة القمر
وأمواج البحر؟! |
||||||
|
لا
تزال الشمس كما عهدتها من قبل تشرق ضاحكة مستبشرة، يطفح وجهها بالنور ويفيض
بالحياة، تؤمل أن ترى في ديار المسلمين عزا وبزا، واعتصاما وفوزا، فتطوف بالأرض
تسأل هنا وتنظر هناك، فلا تجد آخر النهار ما تطمئن به القلوب، ولا ما تقر به
الأعين، فيحمر وجهها خجلا، وتلملم أشعتها حياء، وتتوارى عن الأنظار كاسفة حزينة
خائبة الرجاء. |
||||||
|
أتريد
أن ترى القمر؟! لا يزال القمر كما تعهد، يبزغ أول الشهر نحيفاً هزيلا قد تقوس
كالعرجون القديم، يطل على ديار العرب وغير العرب من هؤلاء المسلمين، فيرى تلك
الاحتفالات بالأعياد القومية في كثير من العواصم وتلك المظاهرات الصاخبة
والمعربدة في شوارع المدن الكبرى، ويسمع تلك التصريحات المجلجلة وتلك الخطب
المصلصلة، فيظنها زحوف الجهاد إلى المعركة، ويخالها خطب القادة في جنود القتال،
فيزداد نوره قوة وجمالا ويزداد جسمه صحة وكمالا، ويطفح وجهه بالسرور، وتفيض
أشعته بالبهجة ثم يتبين له كذب ما خال، وباطل ما ظن، فيهزل جسمه من الحزن، ويخبو
ضوءه من خيبة، ويتوارى عن الأنظار , تكاد لا تدركه الأبصار. |
||||||
|
أتريد
أن ترى بهما البحر وأمواج البحر؟! |
||||||
|
لا
تزال أمواج البحر كما تعهدها من قبل، تضرب شواطئ المسلمين بعنف، وغضب، وتصيح فوق
رمالها والصخور الثائرة مزمجرة: |
||||||
|
أين
أنتم أيها المسلمون من آبائكم وأجدادكم في الزمن الغابر، وأين أنتم اليوم من هذه
الدول الكبرى في العصر الحاضر، أين أساطيلكم الحربية التي تجوب المحيطات
والبحار، وأين غواصات الذرة وحاملات الطائرات التي تحمي الذمار وتدرأ الأخطار؟! |
||||||
|
فيكم
عوامل التقدم فلم تتأخرون؟! ولديكم أسباب المنعة والقوة فلم تضعفون؟! كان آباؤكم
قادة وورثتم تراث القيادة، فإلى متى هذا الوقوف؟! وفيم الحيرة وهذا التردد؟! |
||||||
|
أم
تراك يا صديقي تريد أن ترى بهما بنيك وبناتك، لتصل حياتهم بحياتك، ولتملأ بهم
عينيك قبل مماتك، ولكنهم - وا أسفاه لم يستطيعوا أن يحيوا بجوارك! ضاقت عليهم
الأرض حواليك بما رحبت، لم يسمح لهم أن يعيشوا أحرارا، ولا أن يقولوا كلمة الحق
جهارا، ففروا إلى بلاد الأجانب فرار العصافير عن أعشاشها، وقد جفّلها الصيادون،
وروّعها القناصون، فأصبحت لا تراهم إلا رسائل، ولا تعرفهم إلا ذكريات. |
||||||
|
نعم،
لقد بقيت في عقر بيتك ابنتك الكبرى نائلة، ولكن ماذا تريد أن ترى فيها، لقد ذبل
على وجنتيها الشباب الوريق، ومات على أجفانها معاني البر والعطف والرحمة،
ألبستها ثياب الحقد والسخط والعقوق، فهي لا تنظر إليك إلا نظرات المظلوم إلى
ظالمه، ولا تلحظك إلا لحظ المحروم ذوي النعمة. |
||||||
|
كانت
في ميعة الصبا ورونق الشباب، وقد وفد إليها كثير من الخطاب وفيهم قليل ممن ترضى
دينهم والخلق، ولكنك أغليت المهر وشططت في الشرط، وابتغيت بزواجها عرض الدنيا
وعلواً في الأرض، فأنت لا تريد إلا صهرا تفاخر بوظيفته الكبرى في الدولة، أو
تباهي بثرائه العريض بين الناس، أو تخال مهنته كنزا لا ينفد، وأراد الله ما لم
ترد، أعرضت عمن كان يريدك، وأعرض عنك من كنت تريد، وبقيت ابنتك عانسا تسأل الله
غدوّا وعشيّا أن يعجل بك إلى الدار الآخرة، لعلها تأخذ نصيبها من الدنيا. |
||||||
|
أم
ماذا يا صديقي؟! أتريد أن تقرأ بهما صحفا ومجلات في بلاد عربية تطبع ثم تنشر على
القارئين الغافلين وتوزع؟! |
||||||
|
سوف
تعشى عيناك وأنت تبحث فيها عن كلمة الصدق والرأي الحق بين ركام كلام ينطق
بالحقد، وتراب أحاديث تثيره الرشوة، وضلال أقلام يملي عليها الباطل. |
||||||
|
أنا
لا أنكر يا صديقي ما في هذا الكون من جمال وجلال وإبداع وإتقان وتناسق وروعة،
فكيفما قلبت البصر في الأرض، وحيثما وجهت النظر في السماء، وأينما أرسلت العيون
في هذا العالم، وجدت جمالا يأسر عيني وحسي وجلالا يملأ فؤادي ونفسي، وآيات
وإبداع وإتقان مبثوثة في كل مكان. |
||||||
|
وكأين
من موقف وددت لو كان لي فيه ألف عين تبصر، وألف أذن تسمع، وألف حاسة تذوق
وتستمع، وألف قلب يعقل ويخشع، وألف نفس تهتز إعجابا وانجذابا، وذهولا، ثم لا
أملك إلا أن أخر ساجدا لوجه الله ذي الجمال والجلال والكمال والإبداع والإتقان. |
||||||
|
ولكن
ما حاجتك أنت إلى العينين، إذا كنت لا تبصر بهما إلا مواقع قدميك على الدرب، ولا
ترى بهما إلا قطع الشطرنج وأوراق اللعب في ساعات الفراغ، ولا ترسلهما إلا في
أصناف الطعام والشراب وأنت جالس على الموائد، ولا تتعرف بهما إلا أوراق النقد
تقلبها بين يديك؟! |
||||||
|
ما
أكثر الذين أصابهم ما أصابك، ثم لم ينعموا بما كنت تنعم! لم ينعموا سبعين عاما
ولا سبعين يوما ولا سبعين دقيقة، ومع ذلك اصطبروا وصابروا واستقبلوا قدر الله
بسعة صدر وجلد، وشكر لله وحمد، ومضوا في
هذه الحياة يجاهدون كما يجاهد المبصرون أو أشد، ثم فازوا فوزا عظيما،
وقدموا لأنفسهم وللناس خيرا عميما، ما يزال يذكر ويؤثر، ويذاع وينشر، ويطوف
بالأرض، وترويه الأجيال والعصور. |
||||||
|
سبحانك
يا إلهي!! ما أكثر النعم التي تهبها لهذا الإنسان!! ثم هو لا يشكرها ولا يذكرها
ولا يأبه بها ولا يراها، وقد كان من قبل يتمناها، ويرى النعيم والسعادة في
لقياها، حتى إذا ما ابتليته واسترجعتها منه، راح يبكي ويشكو، ويعول ويولول. |
||||||
|
لا
تحسب الإبصار كله ماتعا يا صديقي، فما أكثر ما تمر بالإنسان ساعات يتمنى فيها
ألا يكون بصيرا! |
||||||
|
ما
حاجة الإنسان إلى عينيه حين يرى بهما ما رآه المتنبي حين قال: |
||||||
|
غذاء
تضوى به الأجسام |
|
واحتمال الأذى ورؤية
جانيه |
||||
|
وما
أكثر ما وضعت يدي على عيني كي لا أرى بهما أناسا يتصفون بالعلم، وينسبون إلى
الدين، وهم يقفون مواقف الملق والنفاق والضراعة في سبيل عرض من أعراض الحياة
الدنيا. |
||||||
|
ما
أجمل التلون والألوان في أزهار الربيع الناضرة تميس على سفوح الجبال، وتكلل بها
هامات الروابي، وتغرق فيها بطون الأودية!! ولكن ما أقبح أن ترى التلون والألوان
في أخلاق الرجال ومبادئهم على دروب الحياة الوعرة الطويلة!! |
||||||
|
ما
أكثر ما تأذى الأعين - ومن وراء الأعين قلوب وأنفس- ما أكثر ما تأذى وهي تشاهد
أولئك السائحين الأجانب يطوفون بالبلاد كما يطوف البط المختال في برك حدائق
الحيوان، ويحدجون أبناء البلاد
باحتقار وينظرون إليهم النظر الشزر، كأنما هم حشرات تزحف فوق التراب العفن، أو
ديدان تتمطى في الوحل الآسن. |
||||||
|
وكم
في هذه الحياة من رؤى وصور تقذى بها الأعين، وتضوى بها الأجسام والأنفس، وكم على
وجه الأرض من أعمال أناس يكون فيها العمى من نعم الله. |
||||||
|
فلا
تذهب نفسك يا صديقي على ما فقدته حسرات، وليكن لك في عبد الله بن عباس أسوة
مبصرة حين فقد بصره في أواخر عمره فقال: |
||||||
|
ففي
لساني وسمعي منهما نور |
|
إن
يسلب الله من عيني
نورهما |
||||
|
ولتنظر
إلى بشار بن برد كيف ألهم الحكمة وملأ الآذان صوابا: |
||||||
|
وليس
بعار أن يقال ضرير |
|
وعيرني
الأعداء والعيب فيهم |
||||
|
فإن
عمى العينين ليس يضير |
|
إذا
أبصر المرء المروءة والتقى |
||||
|
وإني
إلى تلك الثلاث فقير |
|
رأيت
العمى أجرا وذخرا وعصمة |
||||
|
صديقك |
||||||
|
عبد
الرءوف اللبدي |
||||||
|
...هذه العصبية الدينية الإسلامية التي
تتزعمها السعودية أمر مخيف... |
||||||
|
ففيه
تعطيل لكل أمل لدينا -لدى إسرائيل - في أن نستطيع التعايش السلمي يوما مع غير
التقدميين العرب... |
||||||
|
فخير
لنا أن تجاورنا نظم تقدمية مرتبطة بالمعسكر الاشتراكي الدولي. الذي من أساس
دعوته السلام والتعايش بين مختلف النظم والجماعات والقوميات..من أن تجاورنا نظم
رجعية إسلامية متعصبة لا نستطيع التعايش الفكري معها. |
||||||
|
عن جريدة
كول هام الصادرة في تل أبيب |
||||||