طباعة

 توثيق النص

 

 

 

 

تعقيب على محاضرة

 لفضيلة الشيخ محمد بخيت  المستشار بالجامعة

 

 

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه. وبعد:

نشرت مجلة (الرأي العام الكويتية) محاضرة ألقاها الدكتور أحمد عبد الكريم مصطفى، أستاذ التاريخ العربي الحديث في جامعة الكويت، في ندوة الفن الإذاعي تحدث فيها عن "العرب بين الحاضر والمستقبل".

ومن النظرة السريعة إلى هذه المحاضرة المستفيضة تبدو بعض الآراء والأفكار التي نرى أنها تتطلب التعقيب والإيضاح.

وقبل أن نعرض هذه الآراء والأفكار نذكِّر ببعض الحقائق العامة، التي يجب أن تكون الأساس والمنطلق عند دراسة حاضر العرب ومستقبلهم:

 

الحقيقة الأولى:

أن الأمة العربية بعد مجيء الإسلام أصبحت جزءاً من الأمة الإسلامية، وعضواً في كيانها..وأن بنيانها الاجتماعي والاقتصادي والسياسي لم يعد مستقلا عن بنيان المجتمع الإسلامي. الذي وحده الإسلام، وربط بين أفراده جميعا برباط الأخوة، وأعطاه كل مقومات البنيان القوي الصالح، وأمده في حركته على طريق التقدم والتحضر بكل العوامل والطاقات والقيم والنظم التي تجعل منه المجتمع الأعلى للحياة الطيبة في كل عصر ولكل شعب.. يقول الله عز وجل: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} آل عمران: 110.. {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى، وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى} طـه: 123- 124.

 

الحقيقة الثانية:

أن الإسلام ليس نظاما موقوتاً أو موروثاً.من وضع البشر، يقبل التغيير والتبديل استجابة لمقتضيات التطور أو مظاهر التحضر وإنما هو المنهج الإلهي الكامل للحياة في كل الأمكنة والعصور وفي إطاره الشامل تسير الحياة موجهة به إلى غايتها، متبينة حركتها وأهدافها وطبقاً لمبادئها تعاليمها الخالدة تتحدد صور الحضارات، ويتم بناؤها، واستجابة لندائه العالي تسير مواكب التقدم العلمي بكل طاقاتها في كل مجلات الحياة: بحثاً وتجربة، واستكشافا وتسخيراً، فتزداد بالله إيمانا وخشية، كلما هداها إلى سننه في خلقه، وأفاء عليها من نعمه.

 

الحقيقة الثالثة:

أن حاضر المسلمين اليوم في المنطقة العربية وفي غيرها إلا ما شاء الله لا يمثل الوجه الحقيقي التطبيقي للإسلام.

 

الحقيقة الرابعة:

أن الوضع التخلفي الذي يعاني منه المسلمون اليوم (ويسيئون به إلى الإسلام) هو النتيجة المنطقية الطبيعية لابتعاد المسلمين عن الإسلام في حياتهم التشريعية والعملية، وأن مسافة تخلفهم تقاس بمسافة بعدهم، وأن طي هذه المسافة يتوقف على تحقيق الاستجابة الكاملة الواعية لدعوة الإسلام.

 

الحقيقة الخامسة:

أن حضارة الإسلام حضارة متميزة بمبادئها وقيمها وأهدافها.. حضارة تقوم على تحقيق التكامل المعنوي والمادي معاً في حياة الإنسان مستوعبة مقومات هذه الحياة ووظائفها في الحياة الدنيا، وغايتها في الحياة الأخرى، ملبية في اعتدال المطالب الروحية الحسية معاً، حضارة توفر الخير والأمن السعادة للبشر جميعاً …

وبعد هذه  المقدمة نشير إلى بعض النقاط التي وردت في المحاضرة.

1- يذكر الدكتور المحاضر أن كل المجتمعات والثقافات تمر بطريق التغيُّر، ومن الممكن أن ننظر إلى المجتمع والثقافة باعتبارها كلا يمر بتطور معين ثم يقول: "وطبقاً لهذه النظرة أصبح على المؤرخ أن يعير اهتماماً إلى الثقافة والنظم والبنيان الاجتماعي والزعامات ومراكز السلطة والبيئة الطبيعية، وتركيب السكان والعلاقات المتداخلة المسئولة عن التغيرات".

ومع ذكر كل هذه العناصر والعوامل الجزئية ذات الصلة مما يحدث من تغيرات لا يرد ذكر (الدين) وهو الأساس في بناء المجتمعات وتوجيه حركتها وتحديد أهدافها وفي وجود الثقافات وتطويرها  وتنميتها.

ولئن كان هذا مقبولا في الحديث عن المجتمعات الغربية التي انفصلت عن دينها فليس الأمر كذلك عند الحديث عن (المجتمع الإسلامي) أو جزء منه. وإلا لكنا متجاهلين لروح هذا المجتمع وأساس وجوده ومنهج حياته وهو(الإسلام).

 

2- ثم يورد الدكتور هذه العبارة:

"والبنيان الموروث للأنماط الاجتماعية - الثقافة في العالم العربي إسلامي في أساسه وأنه في بعض النواحي يرجع إلى مؤثرات سابقة على الإسلام الذي برغم أنه وفَّر للمنطقة قدراً كبيراً من التماثل لم يستطع  أن يقضي تماماً على مخلفات الحضارات السابقة عليه". ونرى أن في إطلاق هذا القول اتهاماً للإسلام بالقصور وبالعجز وهو اتهام تَبْرَأُ منه حقيقة الإسلام، وتَتَنَزَهُ عنه ساحته لما يلي:

أولاً:

أن الإسلام هو دين الله الكامل ونهجه الأقوم للحياة {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً}المائدة: 3 ..{إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً وَأَنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً} الإسراء:10- 9.. {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} النحل: 89.

ثانياً:

أن الإسلام أوجد خير مجتمع يحتذى ويهتدى بمنهجه حتى تقوم الساعة {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} آل عمران: 110.. {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً} البقرة: 143. فهل يسوغ لنا بعد هذا الذي قرَّرَه القرآن الكريم وشهد له الواقع القول بأن الإسلام لم يوفِّر إلا قدراً كبيراً من التماثل فقط وما هو ذلك القدر القليل من التماثل الذي لم يوفره الإسلام؟!! ثم ما هي تلك المخالفات الحضارية التي عجز الإسلام عن القضاء عليها؟!! وكيف عجز عن ذلك؟!!

وهل إذا وجدت تلك المخالفات في حياة بعض الناس انحرافاً منهم عن منهج الإسلام، هل يفسر ذلك بأن الإسلام عجز عن القضاء عليها؟ وهل يراد من الإسلام الذي يعزز إرادة الإنسان أن يسلبه إياها؟ وهل يكون مع هذا السلب تكليف، ويتحقق ابتلاء، ويترتب مسئولية وجزاء؟ إن هذا القول البعيد عن الحقيقة هو أقرب ما يكون متابعة غير مدروسة للمستشرقين في مزاعمهم وافتراءاتهم على الإسلام والمسلمين.

 

3- يقول الدكتور المحاضر:

"إن (المصلحين العثمانيين) بدأوا يقتبسون (التكنولوجيا) الغربية لمقاومة العدوان الأوربي". ويطلق هذا القول دون تعرض منه (للأسلوب) الذي اتبعه هؤلاء الذين يسميهم (مصلحين) (وعلى رأسهم مصطفى كمال أتاتورك) قي اقتباس (التكنولوجيا) وعلاقته بمقومات بنيان دولة إسلامية بل دولة الخلافة الإسلامية في ذلك الوقت وما أحدثه هذا الأسلوب في حياة المجتمع المسلم (تركيا).

ثم يذكر بعد ذلك: " أن جمهرة المسلمين رأوا أن يقروا ويطوِّروا بعض المظاهر النافعة من الثقافة الغربية في إطار النظام القانوني والأخلاقي الذي تضمنته الشريعة الإسلامية، وبدت صعوبة هذه المشكلة في أنه لم يسهل تحديد ما يتمشى وما لا يتمشى مع الشريعة الإسلامية".

ولا أدري كيف نتصور وجود ( هذه المشكلة) التي تجعلنا مع التمسك بشريعتنا نسير في طريق مسدود؟. ومن المعلوم أن الشريعة الإسلامية هي شريعة كل الأمم في كل العصور، وهي تستوعب في يسر كل شئون الحياة ومطالبها. وتحدد ما تقره وما لا تقره وتعطي كلا حكمه، مستمدا من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} النحل: 89، {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} النحل: 44.

ومثل تلك المشكلة التي يشير إليها الدكتور- إن وجدت - فإنما تنشأ عن الجهل بالشريعة الإسلامية، أو عدم الانقياد لها، أو التعصب الأعمى لما نتلقاه عن غيرنا.

 

4- بعد ذلك يضيف الدكتور - مرتبا على ما سبق - قوله:

"ولهذا كانت محاولات سَن القوانين في إطار الشريعة مترددة وحائرة". وهذه القضية مترتبة على (المشكلة) التي أوردها الدكتور والتي تبيَّنا أنها غير موجودة مع الشريعة الإسلامية ولا يمكن أن توجد. وما رتب على غير الموجود فهو غير موجود بداهة. وإذا كان هناك تردد وحيرة فليس لصعوبة سّنِ القوانين طبقاً للشريعة الإسلامية. ولكن لأن الحكام والقائمين بأمر المسلمين غير جادين ومخلصين فيما يريدون، فالتردد والحيرة في (إرادتهم) هم، وليس في تطبيق الشريعة الإسلامية السمحة بدليل أن الحكام الذين أرادوا ذلك جادين مخلصين تيسر لهم ما أرادوا كما هي الحال في المملكة العربية السعودية.

 

5- ثم يعقب بقوله:

"مع اتجاه قلة من المصلحين إلى التصريح بأن القوانين الإسلامية مشتقة من بداية التجربة المدنية للعرب، بمعنى أنها كانت مجرد استجابة لمتطلبات هذه الفترة الاجتماعية الأمر الذي يستلزم إعادة النظر فيها بحسب الظروف المتغيرة..." الخ.

والدكتور المحاضر يذكر هذا الاتجاه منسوبا إلى من يسميهم قلة من (المصلحين) دون أن يذكر أسماءهم أوأسماء بعض منهم ودون تعقيب منه على اتجاههم.

وهذا الاتجاه افتراء على الإسلام ومحاولة لهدم شريعته.. فالشريعة الإسلامية كما نعلم هي شريعة إلهية  لا وضعية وأحكامها جميعا إما نصية من الكتاب والسنة أو اجتهادية مستنبطة من النص ومرتبطة به طبقاً لما هو مقرر في أصول الفقه، وهي لم تشرع للعرب خاصة وإنما شرعت للناس كافة في كل الأزمنة والأمكنة حتى تقوم الساعة.

والقول (بالاشتقاق، أو الاستجابة) ترديد لمزاعم المستشرقين، وأعداء الإسلام.

 

6- ويتحدث الدكتور بعد ذلك:

عن (الاتجاه العصري) أو الاقتباس عن الغرب فينقل عن المستشرق المعروف سير (هاملتون جب) تعريفه لهذا الاتجاه بأنه يغلب عليه كونه حركة فكرية عند المتعلمين ذوي الاتجاه العلماني..ثم يضيف إلى ذلك "من رأيه -  المستشرق جب - أن العلمانية لم تستورد من أوربا على اعتبار أن بعض جوانبها كان يتضمنها (إسلام العصور الوسطي) ثم بعد أن مهدت الوهابية وغيرها الطريق دخلت المؤثرات العلمانية الوافدة من الغرب عن طريق العلم الغربي واقتصاد الغرب وآدابه وأثر التعليم العلماني الحديث الذي فكك البنيان الاجتماعي القديم"..والدكتور لا شك أنه يوافق (المستشرق جب) فيما ذهب إليه وإلا لعقب عليه أولما نقل عنه.

والمستشرق المذكور يذكر (العلمانية) مطلقة دون تحديد - كما هي عادة المستشرقين - في استعمال العبارات الغامضة الملتوية في حديثهم عن الإسلام والمسلمين.

فما المقصود بكلمة العلمانية هنا؟.

إن كان المقصود بها ما يتبادر منها عند الإطلاق، وهو التفسير المادي للكون، والاعتماد على العلم التجريبي ورفض ما عداه، فالإسلام يرفض هذه (العلمانية) لمنافاتها لعقيدته وشريعته ولا يمكن أن يتضمن شيئاً منها في أي عصر؛ لأن الإسلام واحد في كل العصور وليس هنا (إسلام العصور الوسطى) وإسلام غير العصور الوسطى .. نعم هناك مسلمو العصور الوسطى ومسلمو غير العصور الوسطى. ولكن يجب أن نعلم أن واقع المسلمين لا يعني الإسلام. فالإسلام هودين الله الواحد الخالد الذي أرسل به خاتم النبيين سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم إلى الناس كافة لا يتغير ولا يتبدل مع تلاحق العصور، وتوارد الأمم {فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} الروم: 30.

وادعاء المستشرقين أن (الوهابية) مهدت الطريق لهذه (العلمانية) هو محض افتراء وتجن على دعوة الحق. والوهابية ليست فرقة لها دعوتها الخاصة، أو مذهبا جديداً في الإسلام، وإنما هي دعوة مخلصة واعية أمينة إلى الإسلام، وتطبيقه عقيدة وشريعة تطبيقاً سليماً وشاملا لكل نواحي الحياة، وفق ما جاء به الكتاب والسنة وعمل السلف الصالح.

وإن كان المقصود من (العلمانية) هو النهضة العلمية التي ظهرت في أوربا واتخذت منها طريقاً لبناء حضارتها. فالإسلام في كل العصور (وليس في العصور الوسطي فقط)، يحث على العلم ويرفع من شأن العلماء النظريين والتجريبيين، ويدعو إلى العلم التجريبي اكتشافاً لسنن الله في الكون وآياته في الخلق، وانتفاعا بنعمة التسخير، وهو يحض المؤمنين على أن يتفوقوا في العلوم على غيرها تحقيقاً لعزتهم وحتى تكون لهم الكلمة العليا ولا يكون لغيرهم عليهم سبيل.

ولكن الإسلام لا يدعو إلى العلم النظري والتجريبي دعوة مطلقة بل دعوة موجهة وفق منهجه وفي إطار مبادئه وأحكامه وأهدافه، حتى يكون العلم سبيلاً لبناء الحضارات المتكاملة معنويا ومادياً معا، ووسيلة للتقدم وتيسير حياة الناس، وحل مشكلاتهم وإسعادهم في دنياهم وأخراهم.

وعلى هذا لا يقال: إن الإسلام (وهو دعوة العلم والإيمان)، قد تضمن بعض جوانب تلك (العلمانية) الأوربية لأنه أشمل منها ولأنها انحرفت عن جادتها وابتعدت عن غايتها واتخذت لها طريقاً مادياً لا يقره الإسلام.

وإن كان الإسلام في دعوته العلمية لا يرفض الانتفاع المتبصر بما استخدمه الآخرون وتوصلوا إليه في ميادين العلم ومعامل التجارب.

والقول: بأن الوهابية مهدت الطريق (للعلمانية) بهذا المفهوم فدخلت مؤثراتها الوافدة من الغرب عن طريق العلم الغربي واقتصاد الغرب وآدابه.. ألخ.  قول غير مفهوم وغير مقبول لأن الوهابية (كما ذكرنا) ما هي إلا دعوة إسلامية خالصة تدعو إلى ما يدعو إليه الإسلام وتمهد السبيل لنشر دعوته وتطبيق شريعته. فكيف يقال إنها مهدت الطريق الآثار (العلمانية) التي لا يقر الإسلام كثيراً منها لتعارضها مع مبادئه وأحكامه ومنها الاقتصاد الغربي القائم على الربويات ونظم المعاملات المخالفة للنظم الإسلامية؟.

وواجبنا أن نتابع المستشرقين في آرائهم الخاطئة وادعاءاتهم المضللة واتهاماتهم الجائرة التي يريدون منها النيل من الإسلام، وتشويه حقيقته، وإلقاء الشبهات أمام دعوته.

 

(7) ثم يقول الدكتور المحاضر:

"أما مبعث الإعجاب بأوربا الذي ترتبت عليه حركة الاقتباس فهو:

أولاً: أنها حققت نظاماً ناجحاً يقوم على الدستور، ويحدد سلطة الحاكم، ويقيم العدالة، ويقر حرية كل من الفرد والمجموع.

ثانياً: عزا العرب حيوية أوربا إلى نظامها التعليمي وتنظيمها الاجتماعي وروح البحث الحر والنظم التعليمية والدراسية التي تسندها الدولة دون أن تشرف عليها.

وما أسهمت به المنظمات والجمعيات الخاصة في تقدم أوربا  اقتصادياً وإنسانياً.

ثالثاً: أخذ العرب بمرور الزمن يقدرون آداب الغرب بغض النظر عن قيمتها العلمية فقاموا بترجمتها بحيث اكتسبت في النهاية أهمية لا تتناسب مع محتواها".

وكنا نرجو من الدكتور وهو في عرض القضايا التاريخية عرضاً علمياً  أن لا يورد بواعث الإعجاب. هذه قضايا مسلَّمة, لأنها إن سُلِّمَت أن تكون بواعث إعجاب لغير المسلمين فلا يصح أن تكون للمسلمين. فالإنسان إنما يعجب بشيء إذ لم يكن لديه مثله أو أحسن منه، وفي الإسلام - كما يعلم الدكتور - من النظم السياسية والاجتماعية والتعليمية والاقتصادية ما يفوق كل نظام آخر في أوربا وغيرها، وإعجاب من يعجب بأوربا من المسلمين لما يستهويهم عندها مبعثه  في الحقيقة جهلهم أو تجاهلهم لما عندهم في دينهم وانصرافهم عن تطبيقه إلى تطبيق ما عند غيرهم.. والعجب ممن يستحسن شيئاً عند غيره وعنده ما هو أحسن منه، أو يستورد من بضاعة الغير ولديه لأفضل مما يستورده، وأكثر فائدة.

 

8- ثم يثير الدكتور في محاضرته قضية القومية العربية ويجعلها قمة أماني العرب من الخليج إلى المحيط.. وهي دعوة عنصرية شعوبية استعمارية يناصرها أعداء الإسلام لأن فيها تفريقاً للمسلمين، وتمزيقاً لوحدتهم الإسلامية وإضعافاً لوجودهم. وتمكينا لعدوهم منهم ولا فائدة يرجى للعرب من وراء استقلالهم بقوميتهم وارتباطهم بجنسيتهم، لأن عزتهم وقوتهم وسيادتهم في إيمانهم ووحدتهم الإسلامية لا في عرق أوفي أرض أو وحدة أمل أو وحدة مصير كما يزعم أصحاب هذه الدعوة المنكرة، ولا أمل ولا مصير لمسلم إلا من الإسلام وللإسلام.

ولا نطيل في هذا لأن ما كتب في تفنيد قضية القومية العربية، وبينان مخاطرهم ودحض الدعوة إليها كثير. وهي دعوة باطلة لاغية لن يكون لها أثر، مع قيام دعوة الإسلام دعوة الإيمان والإخاء والوحدة.

وبعد فهذه..النقاط التي رأينا التعقيب عليها إيضاحا للحقيقة وإزالة للشبهة، ونسأل الله أن يوفقنا جميعا ويعيننا على إتباع هداه.

 وصلى الله تعالى وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه والمهتدين بهديه.

الاحتشام والاحترام والسخاء وعظم الأخلاق، والقيم  والمشاعر السامية وكل ما يمكن اعتباره نفحات إلهية، لا يمكن الحصول عليها عن طريق الإلحاد. فالإلحاد أسوأ أنواع الأنانية ولسوف تفضي هذه الحضارة بدون العقيدة والدين سوف يحول النظام إلى فوضى.سوف ينعدم التوازن وضبط النفس والتمسك بالقيم. سوف يتفشى الشر في كل مكان.. إننا بحاجة ملحة أن نقوي صلتنا وعلاقتنا بالله.

(كريسبي مويسون)