طباعة

 توثيق النص

 

 

التخطيط لمباني ومنشآت الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة طريقته وأهدافه  ومستقبله

للمهندس محمد وهبي الحريري

في عام 1385هجرية، أعلنت الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة عن رغبتها في إنشاء مبان جديدة تنحصر وظائفها في الأمور التالية:

- مباني للإدارة العامة و الإدارات المالية وإدارة شؤون الطلاب.

- فصول وإدارة كليتي الشريعة وأصول الدين.

- مكتبة وقاعة للمحاضرات.

وكنت من بين من تقدموا لوضع الدراسات المطلوبة لهذه المباني.

ولم تمض سوى مدة قصيرة حتى أصبحت مسؤولا عن وضع هذه الدراسات، وأخذت اتصل بالمسؤولين في الجامعة كي اطلع على وجهات النظر بالنسبة لبرنامج هذه المباني ووظائفها وملحقاتها، وبالنسبة للمراحل التنفيذية التي ستتم بموجبها وكنت ولا أزال ألمس عند المسؤولين في الجامعة الإسلامية إيمانا صادقا بالرسالة الإسلامية التي كرسوا أنفسهم وجهودهم لها، كما كنت ولا أزال أجد لديهم تفهما كاملا لكل الأمور والقضايا الفنية والمعمارية.

وبعد مدة تم وضع الدراسات المطلوبة-ورصدت لها المبالغ والمخصصات اللازمة لإقامتها، ثم رست عمليات التنفيذ على (مؤسسة بخيت) في المدينة المنورة التي سبق لها تنفيذ بعض المباني في الجامعة.

وحتى ذلك التاريخ كان الموقع المخصص لهذه المباني منحصرا بين السور الشرقي، وبين المباني القائمة في مسافة لا يزيد طولها على مائة متر تقريبا، وهي مسافة ضيقة جدا. ثم قامت وزارة الداخلية مشكورة بمنح الجامعة الإسلامية مساحات جديدة من الجهة الغربية لهذا الموقع تمتد حتى الطريق الإسفلتي الجديد الواصل بين آبار علي والمطار.

وعلى هذا الأساس، أصبحت الدراسات الموضوعة للموقع المذكور غير صالحة للموقع الجديد الواسع، وفي هذه الأثناء تقدمت مصلحة الأشغال العامة بشخص سعادة وكيلها الشيخ عبد العزيز أبو بطين و كلفتني رسميا بالدراسات وبالأعمال المترتبة على الموقع الجديد كما تقدمت الجامعة ببرنامج مفصل للمباني والمنشآت الواجب إحداثها في السنين العشر القادمة.

المخطط الجديد للمباني:

وتم وضع مخطط عام يشتمل على المباني والمنشآت التالية:

1- مباني الإدارة والمكتبة والمحاضرات والمسجد والكليات والمعاهد.

2- مباني مهاجع النوم وهى مخصصة لأربعة آلاف طالب، وبالقرب منها يوجد مطعم يضم أربع قاعات تتسع لألفي طالب مرة واحدة.

3- ملاعب مختلفة: كرة قدم وكرة مضرب ومسبح وملاعب أخرى مغطاة ومكشوفة.

4-مستشفى يتسع لمائة سرير، ومباني سكنية لبعض الموظفين والأطباء.

وقد روعي في هذا التخطيط أن يكون الطريق الرئيسي بين الأقسام المذكورة مارا من الشرق إلى الغرب ويبلغ عرضة 32مترا مع الأرصفة،وطوقه 1400مترا تقريبا. وبوشر في تنفيذ المرحلة من هذا المخطط، بإشراف مصلحة الأشغال العامة.

الإقليم والجو ودرجات الحرارة:

إن جو المدينة المنورة بصورة عامة هو جاف، والشمس ساطعة في كل فصول السنة، وإذا كانت درجات الحرارة مرتفعة في الصيف فتبلغ أحيانا 48درجة مئوية في بعض أيام شهري تموز وآب، إلا أنها تنخفض في شهور كانون أول وكانون الثاني وشباط فتبلغ حتى5-6درجات مئوية، وإن هذا الانخفاض في درجات الحرارة يقع بعد هطول الأمطار، وهبوب الرياح الباردة، ولكنه لا يستمر إلا أياما معدودة ثم لا تلبث الغيوم أن تنحسر من السماء وتنقشع عن سماء زرقاء أو خضراء صافية.

أما أيام السنة بصورة عامة فجوها لطيف، والريح تهب باستمرار فتلطف الحرارة، والشمس إذا كانت شديدة لكن الظل لطيف ومقبول جدا، وهنا تظهر عوامل وإمكانيات كثيرة تتعلق بالأماكن المغطاة والمظللة.

موصفات المباني وتوجيهها:

كما يظهر للعيان ضرورة توفر أماكن كثيرة يتمكن الطلاب من الانتقال في ظلالها طيلة أيام الدراسة، أما المدة المخصصة للدراسة فإنها تبتدئ بصورة عامة في مطلع الخريف، وتنتهي مع بداية الصيف.

واستنادا لهذه المبادئ يمكن تحديد أشكال المعالم اللازمة لتوجيه مباني الإدارة، ومباني الفصول الدراسية.

وربط هذه المباني بمظلات واسعة تتسع مساحاتها لعدد الطلاب المستفيدين منها.

وجعلت نوافذ مباني الإدارة منفتحة نحو الشمال والجنوب، كما جعلت نوافذ مباني الفصول الدراسية متجهة نحو الشرق والغرب وغطيت بأجزاء معمارية تسمى (عاكسات الشمس)تحول دون مرور الشمس إلى داخل الفصول، ولكنها تسمح للهواء الغربي والشرقي أن يمر من بينها.

مواصفات مواد البناء:

إن المتجول في المدينة المنورة بين مبانيها القديمة والحديثة، وبين سهولها وتلالها، وهي تلال كثيرة تحيط بها من كل الجهات، تقع عيناه من خلال نور الشمس الصافي الذي لا تعلق بهوائه ذرات من الرطوبة أو الغبار، على نوعين اثنين من الحجارة والصخور:

النوع الأول: وهي صخور بركانية سوداء اللون، يصعب قطعها والبناء بها.

النوع الثاني: وهي صخور بركانية حمراء اللون من الممكن الاستفادة منها في البناء والعمارة والتزيين.

وقد سبق للإنسان القديم أن قام بقطع وتهذيب الحجارة السوداء ولا زالت آثارها باقية حتى الآن في مختلف المباني، وبصورة خاصة في المباني من العهد العثماني.

كما تضمنت أعمال توسيع الحرم النبوي الشريف في المدينة المنورة الاستفادة من الحجارة السوداء والحمراء في الأقسام السفلية من الجدران الخارجية.

وعلى كل حال فإن إقامة المباني بالحجارة الحمراء هي ممكنة وشيقة، إذ تنسجم ألوانها مع ألوان التلال والرمال التي تحيط بالمدينة المنورة.

وتم تخصيص أقسام كبيرة من بعض الجدران لبنائها بالحجارة الحمراء، كما تم تخصيص أقسام أخرى من الجدران لتشييدها بالطوب الخرساني بعد طلائها وتغطيتها بطبقة من(التلييس)والالوان الكاشفة الزاهية0

المباني ومواصفاتها:

وإذا كانت هذه المناسبة لا تتسع إلى وصف المباني بصورة كاملة وإلى ذكر أقسامها وأجزائها، فإنه من المفيد أن نأتي على بعض أوصافها ووظائفها:

فإذا كان المدخل الرئيسي الشرقي يقع في الجهة اليمنى من المصور، فإن مباني الإدارات نراها واقعة على الجهة الجنوبية من هذا المدخل،كما نجد مبنى قاعتي المكتبة والمحاضرات على الجهة الشمالية منه، ويمتد مقابل مبنى قاعتي المكتبة والمحاضرات فسحة كبيرة جدا مستطيلة الشكل يقع ضلعها الشرقي بشكل متواز مع نهاية هذه الفسحة أي في الجهة المقابلة تماما لمبنى قاعتي المكتبة والمحاضرات مسجد كبير يتسع لألفي شخص.

وإلى الجهة الغربية من مبنى قاعتي المكتبة والمحاضرات سيقام كل من مبنى القسم الإعدادي، والقسم الثانوي، ويقابل هذه المباني إلى الجهة الجنوبية كل من المباني المخصصة للوظائف التالية: المطبعة والمجلة، وقسم التخصص، وقسم الدعوة و البحوثات الإسلامية، ومباني كليتي الشريعة وأصول الدين التي تم إنشاؤها في الوقت الحاضر، وسيجري الاستفادة منها في مطلع العام الدراسي القادم، وهناك متسع كبير لإقامة المباني الأخرى في المستقبل.

أما مباني المهاجع المخصصة للطلاب فإنها تمتد في الجهة الشمالية وتتألف من ثمانية أبنية ضخمة يتسع كل منها لخمسمائة طالب، وسوف ينشأ في منتصفها مطعم كبير تتسع قاعاته الأربعة لألفي طالب، وسوف تكون المطابخ والبرادات والملحقات في منتصف مبنى المطعم، وتبلغ قدرة هذه المطابخ حدا تستطيع فيه أن تقدم ألفي وجبة طعام في الساعة الواحدة.

وإلى الجهة الجنوبية من مباني المهاجع تمتد الأماكن المخصصة للملاعب المختلفة، ويليها مشفى يتسع لمائة سرير، وإلى جانبه المباني السكنية وهي على نوعين اثنين:

الأول: وهي مباني سكنية انفرادية.

الثاني: وهي مباني سكنية مزدوجة.

وكلها مخصص للأساتذة والأطباء وكبار الموظفين.

وزيادة في الإيضاح فإنه حققت الأرقام التالية:

الرقم1: وهي مباني الإدارات.

الرقم2: وهي مباني قاعتي المكتبة والمحضرات.

الرقم3: وهي مبنى كليتي الشريعة وأصول الدين.

ويجري في الوقت الحاضر استكمال تنفيذ هذه المباني وسوف تكون جاهزة  للاستلام في نهاية شهر صفر من عام 1389هـ. وقد بلغت تكاليف هذه المباني حوالي أربعة ملايين و خمسمائة ألف ريال.

وتم وضع الدراسات المعمارية الكاملة لأحد مباني المهاجع، وسوف يشرع في تنفيذه في مطلع السنة المالية الجديدة إن شاء الله، وتقدر المبالغ المخصصة لإنجازه حوالي ستة ملايين ريال.

وهناك خطة موضوعة سيتم بموجبها تنفيذ سائر المباني بشكل منتظم ودقيقة خلال مدة معينة ومحدودة.

نوع التصميم وطابعه:

لقد روعي في تصميم المباني بصورة عامة أن يكون توجيهها صحيا ومفيدا، وأن تكون المواد المستعملة في إقامتها قادرة على العزل الجداري بالمقدار المطلوب واللازم، وغطيت بعض الفتحات بعاكسات الشمس بحيث يدخل من بينها ضوء الشمس دون أشعتها.

أما المظلات فقد أقيم كثير منها بين المباني، بحيث يتمكن الموظفون والمراجعون والطلاب من السير تحتها والاستفادة من ظلها.

وأقيمت بين المباني بصورة عامة فساحات كي تغرس الأشجار فيها وكي يتمكن ظل هذه الأشجار من تعديل جو الغرف والمكاتب والفصول، وسوف يراعى في انتقاء الأشجار القدرة على النمو والثبات في جو المدينة المنورة.

وقد طبع التصميم بطابع الهندسة المعمارية الحديثة تماما، تلك العمارة المعاصرة الناطقة بكل ما هو بسيط ومفيد وحديث.

ولما كانت الأرض الطبيعية مستقيمة في كل أطراف هذا الموقع، رغم وجود انحدار بسيط من الجهة الغربية إلى الجهة الشرقية، فإن المباني والمظلات و الفسحات جعلت في مرتفعات مختلفة كي تعيش وتحيا في أجواء ومرتفعات من شأنها أن تظهر للعين بأشكال كثيرة تعلو وتهبط وتتداخل وتتباعد تتخللها الخضرة ولون الحجر الوردي، أما ألوان الواجهات فإنها صبغت بالألوان الزاهية الكاشفة كي تعكس أشعة الشمس عنها.

خاتمـة:

وإذا كان طلاب الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة ينتسبون إلى بلاد وأقطار كثيرة إسلامية وغير إسلامية فإن التعليم الذي يتلقونه فيها واحد للجميع.

وإن تصميم المباني بصورة عامة قد روعي فيه البساطة والجدة، والانفتاح إلى الأرض والسماء، وإلى كل ما هو كائن بينهما، وأمام الطالب الذي يتلقى العلم والمعرفة في هذه الأماكن أن يستشعر الجمال، والنظافة والنظام، وأن يحمد الله سبحانه وتعالى الذي منحنا الهداية لعبادته والإيمان بوجوده، والذي أمرنا أن نخلص له في العبادة والإيمان والعمل، وأن نهيأ أنفسنا إلى لقاء وجهه الكريم بقلوب تطفح بالإيمان، والخير والعمل الصالح، والله ولي التوفيق والهداية وإليه المصير.