|
|
|||||||
|
|
|
|
|
|
|||
|
|
|
في |
|
للشيخ محمد ناصر العبودي الأمين العام للجامعة |
|
|
|
|
|
|
|
السفر إلى روديسيه.. |
|
خرجنا إلى مطار بالانتيو في ملاوي ويسمونه مطار تشاليجا لأنه يقع في منطقة تسمى بهذا الاسم وذلك في تمام الساعة التاسعة صباحا. |
|
وقد وقفنا في الردهة الخارجية للمطار مدة لا تقل عن نصف ساعة بدون أن يؤذن لنا بالدخول إلى ضابط الجوازات لإنهاء الإجراءات الخاصة بجوازاتنا ولم يكن في المكان مقاعد كما لم يكن هناك من يرشدنا فرأيت ضابطا يتجول فسألته عن مكان الجوازات وأين ينبغي لنا أن نذهب الآن فأجاب أنه ضابط الجوازات ذلك. ثم أخذ يحدثني فسألني هل أنتم سعوديون؟ فقلت نعم من أين عرفت؟ قال لقد رأيتكم عند قدومكم إلى ملاوي منذ ستة أيام ثم سألني ما هي لغتكم؟ مع أنه يعرف أننا عرب سعوديون فقلت: العربية وليست لغتنا وحدنا بل هي لغة جميع الأقطار العربية في الشرق الأوسط وشمالي إفريقية. وأخذت أعدِّد له الأقطار التي تتكلم العربية، فقال لي وماذا عن إسرائيل وهل هي من الأقطار العربية؟. |
|
ومع ذلك فلكي لا أغمط هذا الضابط الذكي حقه أنه عندما حان الوقت ودخل إلى مكتبه كان لطيفا معنا وأنهى إجراءات سفرنا وجميع المسافرين بسهولة ويسر. |
إلى سالسبوري.. |
|
قامت بنا الطائرة من بلانتيو إلى سالسبورى في تمام الساعة العاشرة إلا ربعا بعد أن أعلنت المضيفة أن مدة السفر ستكون ساعة وعشر دقائق والطائرة من طراز (دي، سي، سكس) ذات المحركات الأربعة تابعة لشركة خطوط ملاوي الجوية. ولكن الذي يظهر الأوروبيين هم الذين يقومون على إدارتها لأن جميع هيئة الطائرة من الأوروبيين. |
|
سارت الطائرة رخوا في سماء أرض ذات وهاد وجبال خضر تتخللها مسايل الماء التي تجري وتنعكس عليها أشعة الشمس عندما نحاذيها، ثم ارتفعت الطائرة فلم نعد نستبين من معالم الأرض شيئا خاصة وأن هناك بعض السحب المرتفعة والمنخفضة. |
|
وقبل هبوط الطائرة بثلث ساعة اتضحت لنا الأرض وإذا بها لا تكاد تختلف مناظرها عن منظر الأرض في زامبية حيث كثافة الخضرة أقل بكثير من كثافة الخضرة في البلدان الإستوائية. وقبل هبوط الطائرة بدت مدينة سالسبورى وضواحيها جميلة منسقة بل غاية في الجمال |
|
في مطار سالسبوري.. |
|
هبطت بنا الطائرة ولسنا على ثقة من دخول روديسية لأنه ليس معنا تأشيرات دخول إليها، وقد كان جميع الموظفين الذين استقبلوا الطائرة من الأوروبيين. والمطار نظيف جدا وفخم يكاد يقارن بمطار نيروبي حقا. وكان جميع الموظفين فيه من الأوروبيين، وقد عجبت جدا لسهولة الإجراءات وسرعتها، فالطابور الذي يتقدمنا من المسافرين وهو يتكون من ستة أشخاص لم تستغرق إجراءاتهم أكثر من ثلاث دقائق، أي أن كل شخص لم يقف أمام ضابط الجوازات أكثر من نصف دقيقة، وهذا شيء لا يصدق ولكن هذا هو الواقع. وعندما جاء دورنا، ونحن كما قلت ندخل البلاد بدون أن نحصل على إذن مسبق بالدخول، سألنا ضابط الجوازات بلطف هل معكم فيزا إلى روديسية؟ فلما أجبناه بالنفي أسرع إلى أوراقه وكتب لنا تأشيرة دخول في أقل من دقيقتين، وطلب منا رسم التأشيرة وقدره جنيه لكل واحد، ولما أجبناه بأنه لا توجد لدينا عملة روديسية وإنما هي عملة ملاوي قال إنها تكفى، مع أنها أقل قليلا في الصرف من عملة روديسية.. |
|
وعلى رغم أن جوازاتنا غريبة في هذه البلاد فلم يبد استغرابه لنا وإنما نظر إلى أحد الجوازين وقال: هل الآخر مثله؟ فقلنا: نعم. فاكتفى بنظر الأول ثم قال هل معكم تذكرة عودة إلى بلادكم قلت نعم. ولم يطلب إبرازها أو النظر فيها. ونظرنا إلى أننا قد أنهينا بعد جميع المسافرين فقد وقف قريبا منا رجل أوروبي كهل عرفنا فيما بعد أنه ضابط في جمرك المطار وأرشدنا إلى مكان حقائبنا، وكنت أحمل معي في يدي حقيبة يدوية، وحقيبتي الكبيرة الثقيلة فقد أسرع ليحمل بنفسه حقيبتي إلى مكان التفتيش وذلك مع كونه أسن مني وعندما مانعت في ذلك حمل حقيبتي اليدوية وحملت أنا حقيبتي الكبيرة ولا أدري أين الحمالون. وعندما وصلنا إلى مكان التفتيش سألني أوروبي شاب عن النقود التي نحملها فأخرجناها لنعدها فقال إنه لاداعى لعدها اكتبوا ما شئتم، ثم فسحوا لنا الطريق للخروج من المطار بدون أن يفتشوا شيئا من حقائبنا لا الكبيرة ولا الصغيرة حتى إيصالات الحقائب لم يطلبوا منا أن نعطيهم إياها. |
مدينة سالسبورى.. |
|
ركبنا حافلة إلى البلد والمسافة بينهما (12) كم والأجرة شلنان ونصف أي ريال ونصف تقريبا. إنه شيء زهيد نظرا لفخامة الحافلة وبعد المسافة. |
|
نزلنا في (فندق إليزابيث) وهو فندق أوروبي ولم أر فيه أحدا من غيرهم ولا أدري هل ذلك من باب المصادفة أم أنهم لا يسمحون بذلك. |
|
يديره إيطاليون على رأسهم عجوز هي التي وجدناها في الإدارة وفي المكتب عجوز أخرى أوربية كأنها كاتبة، وأجرة الغرفة الواحدة فيه ذات السرير الواحد جنيه إسترليني وسبعة شلنات أي ما يساوي سبعة عشر ريالا تقريبا، ومستواه مستوى فنادق الدرجة الأولى في البلاد العربية فهو غاية في النظافة وفيه مطعم فخم ورياشه من أغلى الرياش والمياه في الغرفة حارة وباردة. وعلى كل حال فهو أرخص فندق نزلناه بالنسبة لمستواه في أي بلد آخر. |
|
ذهبنا نبحث عن جامع سالسبوري وعن السيد علي آدم رئيس الجمعية الإسلامية هناك، فبدت لنا مدينة سالسبوري حديثة كبيرة تفوق مدينة نيروبي في كل شيء تقريبا، شوارعها واسعة، وحدائقها كثيرة، وحركة السيارات فيها عظيمة، وعماراتها ضخمة ولكن دون الحد الذي يخرجها عن الجمال، أما متجرها فهي غاصة بالسلع المختلفة. وأما نظافتها فتكاد تبلغ حد الإسراف، شيء لم أراه في أية مدينة أخرى في إفريقية، والواقع أنه يمكن القول - بحق - إنها مدينة أوروبية في إفريقية، لأنه ليس للإفريقيين فيها أي نصيب إلا أن يكونوا من زبائن المحلات التجارية. |
|
أما سكانها الأوروبيون فيظهر عليهم الثراء والنعمة، وأما الإفريقيون فإنهم في لباسهم ومظهرهم الصحي فوق مستوى كثير من الإفريقيين في البلاد الإفريقية التي مررنا بها. |
|
إلا أنهم مع ذلك تبدو عليهم المسكنة وعدم الشعور بأنهم في مستوى الآخرين من غير الإفريقيين، ولاشك أن ذلك ناشئ عن السياسة العنصرية التي كانت ولا تزال سائدة في تلك البلاد وإن يكن أقل تطرفا من السياسة المتبعة في جنوب إفريقية. |
|
وعندما رأيت مدينة سالسبوري بهذه المثابة من الثراء والحركة التجارية العظيمة لم أستطع أن أصدق بأن روديسية تعاني حصارا اقتصاديا، حتى السيارات تسمع لها جلبة عظيمة لكثرتها وتنوعها فأين الحصار الاقتصادي الذي يشمل القيود العظيمة على إرسال النفط وغيره إليها. لاشك أن ذلك الحصار ليس فعلا والسبب في ذلك هو جمهورية جنوب أفريقية (الباب الخلفي) لروديسية أو (باك دور) كما يقول الأوروبيون، فجميع احتياجات روديسية تأتي عن طريق ذلك الباب الخلفي لأن حكومة جنوب إفريقية أكثر عراقة في سياسة التمييز العنصري ولذلك فإنه لا يعقل أن تطبق العقوبات الإقتصادية المفروضة على روديسية كما أن روديسية تجد متنفسا في مستعمرة موزنبيق المجاورة فعن طريقها تصدّر كثيرا من بضائعها وتستورد بعضها. |
|
ومدينة سالسبوري عبارة عن مدينة رئيسية وضواح فالمدينة الرئيسية للأوروبيين فقط ولا يجوز لأي إفريقي أن يسكن فيها أو يفتح فيها محلا تجاريا، وأما ضواحيها فهي منفصلة عنها فإنها مساكن مخصصة للإفريقيين ولا يجوز لغيرهم أن يسكن فيها. أما الأسيويون وهم هنا الهنود فقط فإنهم قلة وهم يسكنون في الوسط بين الأوروبيين والإفريقيين، وليس عليهم من التمييز العنصري ما على الإفريقيين. |
|
وقد رأينا بعض مظاهر الزينة في سالسبوري لا تزال باقية بعد احتفالهم بالعيد الأول لاغتصابهم الاستقلال. ويتمثل أكثرها في أشكال هندسية متعددة من الأضواء الكهربائية وأقواس النصر في الشوارع. |
مع رئيس الجمعية الإسلامية.. |
|
قابلنا السيد علي آدم رئيس الجمعية الإسلامية الآسيوية وهو هندي الأصل واقتصادي كبير يملك رأس مال عظيم وهو ذكي سريع الفهم وطيب القلب، وقد رأينا متجره واسعا كبيرا يعمل لديه أكثر من اثني عشر موظفا، وقد حدثنا بأن له مصنعا كبيرا لغزل القطن ونسجه وتفصيل القماش. |
|
وقد حدثنا عن تجارته فقال إن قضية اغتصاب الاستقلال قد أثرت على الصناعة في روديسية بعض الشيء بالنسبة لما كانت عليه الحال قبل ذلك لأن كثيرا من البلاد الإفريقية تقاطع روديسية اقتصاديا في الوقت الحاضر، ولولا وجود جنوب إفريقية بجانب روديسية لما استطاعت أن تعيش طويلا. |
في جامع سالسبوري.. |
|
قصدنا جامع سالسبوري وهو في موقع متوسط من المدينة في الحد الفاصل تقريبا بين مساكن الأوربيين والآسيويين وأدينا فيه صلاة المغرب فوجدناه لا يختلف عن بقية مساجد المسلمين في الروديسيتين ونياسالاند كما قدمت وصفها، وهو عبارة عن بناء متوسط السعة مقدمته مسجد ومؤخرته ردهة في جانب منها المنافع الضرورية وفي الجانب الثاني عدة غرف خصصت لسكنى إمام المسجد، وفيه غرفة كبيرة كانت فيها المدرسة الإسلامية قبل انتقالها إلى مكان واسع كما قالوا إلا أن المسجد صغير نوعا وردهاته ضيقة ليس فيها حديقة وقد امتلأ المسجد بالمصلين قبل آذان المغرب وقد أذن المؤذن جملة لم أسمعها إلا في هذه المنطقة أي منطقة الروديسيتي (ونياسالاند) وهي (اللهم صلي على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد صلاة دائمة أي ليوم الدين ثم يقيم الصلاة بعدها مباشرة، فيدخل الإمام بعد ذلك مباشرة دون أن يلتفت إلى المأمومين أو يأمرهم بتسوية الصفوف ولم يجهر أحد بالتأمين لأن القوم حنفية ولم يكن في المسجد من الإفريقيين أحد،لأن مساكن الإفريقيين في مكان بعيد عن البلد وبعد الصلاة وأداء الراتبة مباشرة سلمنا على الإمام وعلى جماعة القوم وقد سرني أنني لم أسمع بعد الصلاة شيئا مما كنت أسمعه في شرق افريقية من الدعاء الجماعي والصلاة على النبي (صلى الله عليه وسلم) بصوت يظن كثير من العامة منهم أنها جزء متمم للصلاة لا تصح بدونها وقد لبثنا فترة طويلة نتحدث مع الإمام، واسمه الشيخ عبد الله صديق الصوفي، ومعه شيخ آخر اسمه الشيخ موسى.. هو نائب الإمام ومدرس أيضا مثله في المدرسة الإسلامية هناك وهم الهنود. ولقد لقينا من القوم استقبالا طيبا ومشاعر نبيلة.. |
|
ثم ذهبنا من المسجد إلى بيت السيد علي آدم وكان قد دعانا لتناول العشاء في بيته فوجدنا قصرا فخما في ربوة علية تطل على سالسبوري من إحدى الضواحي القريبة، وبه جناح خاص مجهز بكل ما يلزم. وقد دعانا إلى أن نمكث فيه ونكون ضيوفه مدة إقامتنا في سالسبوري فشكرناه على ذلك واعتذرنا له بأننا قد ارتبطنا مع الفندق بوعد في أن نقيم عنده، وبعد العشاء أوصلنا بسيارته إلى الفندق أو على الأصح بإحدى سياراته فلديه أكثر من خمس سيارات للركوب فقط ويقول إن تعدد السيارات لديه ينفعه لأن البنزين مقنن في روديسية لكل سيارة قدر معلوم وهو جالون إلا ربع يوميا وقيمة الجالون ستة شلنات ونصف أي أن قيمة الصفيحة 26شلنا أي ما يساوي ستة عشر ريالا سعوديا تقريبا. ويقول السيد علي أنه يستطيع أن يوفر من البنزين لسد حاجاته كلها منه بسبب تعدد السيارات لديه وله ثلاثة أولاد يشتغلون معه ويدرس اثنان منهم في جامعة روديسية بسالسبوري وقد أكملا مدة من الدراسة في لندن في وقت سابق وذكرا لي أنهما تعرفا على عدد من طلبة العرب هناك ومنهم طلبة سعوديون وذكر أحدهما أنه كان عضوا في جمعية الطلبة العرب على الرغم من أنه ليس عربيا بالجنسية وإنما ذلك لمحبته العرب وقال أنه أيضا في الشكل يشبه العرب. |
|
هل نحن سعوديون حقا؟.. |
|
مديرة الفندق الذي نسكن فيه عجوز إيطالية ما إن رأت كتابتنا على سجل الفندق بأننا من المملكة العربية السعودية حتى بانت عليها الدهشة وقالت:لم أكن أتصور أن سكان الجزيرة العربية بيض الألوان فأخبرنها بأننا في الجزيرة العربية ديننا الإسلام ولا نلقي إلى اللون بالا وإنما نزن المرء بأعماله وبقدر ما يحسن، وما يقدمه من عمل صالح وعلى ما في هذه الإجابة من عدم المجاملة لها فإنني قد ركزت عليها ولم أر أن تفوت هذه المسألة بغير أن أبين لها موقف الإسلام من الألوان.. |
|
وهكذا نجد الأوروبيين في هذا الجزء من إفريقية شديدة الحساسية بالنسبة إلى اللون ولا غرابة فإن السياسة الرسمية للأوروبيين في روديسية وفي جمهورية جنوب إفريقية هي سياسة التمييز العنصري. |
يوم الثلاثاء الموافق 3-8-1386هـ . 13-12-1966م |
|
مثل آخر على تأثير لون المرء عند الأوروبيين في هذه البلاد فقد ذهبت إلى بنك باركليز لأصرف إحدى الشيكات السياحية وكانت الموظفة فتاة أوروبية أخذت مني الشيك فنظرت إليه ثم ذهبت به إلى مكان داخل البنك ثم عادت بسرعة وقالت:ضع توقيعك الثاني عليه، ثم ختمت عليه وذهبت بنفسها إلى أمين الصندوق حيث أحضرت قيمة الشيك وأعطتني إياها ولم تسألني عن جوازي ولم تنظر إلى توقيعي فيه حتى النقود لم تقل لي عدها، ودهشت فهذه أول مرة يصرف لي فيها شيك سياحي بدون النظر إلى الجواز منذ خرجت من المملكة حتى وصلت سالسبوري. |
|
وقد كانت عادة أكثر الموظفين من الإفريقيين والآسيويين في البنوك التي مررت عليها أن يطلبوا إبراز جوازي قبل صرف الشيك ثم يتحققوا من توقيعي الأول عليه،وفي أكثر الأحيان لا يكتفي الموظف أكبر منه وربما إلى من له خبرة في التوقيع في البنك،ثم إذا رأى جوازي عربيا سعوديا أخذ يستفصل عن بعض الأشياء. ثم إذا أجرى تحقيق المبلغ وانتهى كل شيء أحالني على أمين الصندوق وأمين الصندوق يأمرني بعد النقود والتأكد منها لئلا يقال عنه بعد ذلك أنه ربما سلمها وهى ناقصة أما هذه الفتاة الأوروبية فلم تفعل شيئا من ذلك، وعندما سألت السيد على آدم وعنده ثلاثة من المسلمين الهنود عن السبب في هذا ضحكوا وقالوا لقد عاملوك كمعاملة الأوروبيين وأنك لو كنت أفريقيا لحققوا معك ونظروا إلى جوازك ولكنهم وثقوا بك على عادتهم بالثقة في الأوروبيين، وبمناسبة الحديث عن البنك المذكور أقول لاحظت أن جميع الموظفين فيه من الأوروبيين وليس فيه إفريقي واحد. |
|
معهد سالسبوري الإسلامي.. |
|
ويقع في مكان جميل تظلله الأشجار الباسقة، وتمتد غرفة على شكل ضلعي مربع وتحيط به حديقة جميلة مليئة بالزهر أما الحشائش وملاعب الأطفال فهي أحسن شيء يمكن توفيره وغرفة واسعة منظمة ومقاعد الطلبة جميلة والطلبة فيه تبدو عليهم النظافة والصحة والنشاط وكلهم من الآسيويين وليس فهيم من الإفريقيين أحد. |
|
والسبب في ذلك إن مناطق سكنى الإفريقيين بعيدة عن هذه المنطقة ولو أراد أحد منهم السكنى قريبا منه لما استطاع بسبب سياسة التمييز العنصري المطبقة هنا. |
|
استقبلنا عند وصلنا المعهد المدير والمدرسون وكلهم من الهنود ماعدا واحد فهو إفريقي يسكن في روديسية وأصله من فورت جونستون في ملاوي وقد طافوا بنا فصول المعهد وغرفة وردهاته وهو بحق أحسن معهد خرجنا من المملكة من حيث البناء والتنظيم وقد خصصوا فصلا منفردا لكبار البنات تدرس فيه امرأة هي زوج المدير وبناية المدرسة ملك للدولة وقد استأجرنها الجمعية الإسلامية التي يرأسها السيد على آدم بمبلغ (45) جنيها إسترلينيا في الشهر وهو مبلغ اقل مما تستحقه إيجار لها بكثير ولكن الحكومة كما يقولون تسامحت معهم لكون المكان مدرسة دينية. |
|
ويأخذ المدير راتبا شهريا من الجمعية الإسلامية قدره (53) جنيها فقط لكل مدرس ويأخذ المدرس الإفريقي (12) جنيها فقط لأنه لا يحمل شهادات. وقد سمعنا تلاوة القرآن من إحدى الفتيات الصغيرات حيث تلت تلاوة مجودة متقنة تعجز عنها أكثر الفتيات العربيات بلا شك مع أنها لم تتم السنة العاشرة من عمرها وتلا طالب هندي في التاسعة بعض قصار السور فأعجبنا وأطربنا وهم مع ذلك لا يستطيعون الكلام بالعربية ولا يفهمون معاني القرآن الكريم، حتى المدير والمدرسون رغم حصولهم على شهادات عالية من مدارس الهند الإسلامية لا يستطيعون التكلم بالعربية وان كانوا يفهمون الكتب العربية وذلك شأن جميع المسلمين الهنود في الروديسيتين .و نياسالاند فهم وأولادهم يقرؤون القرآن الكريم ولكنهم لا يفهمون له معنى. |
|
وقد رأيت على السبورة عبارات باللغة الأردية في فن التوحيد جميلة كل الجمال حين ترجمها لنا المدرس إلى الإنكليزية حتى نستطيع فهمها لأن الإنكليزية هنا في روديسية هي اللغة السائدة ويتفاهم بها الهنود حتى فيما بينهم كما يتفاهم بها سائر القوم هنا. |
في قنصلية جنوب إفريقيا |
|
قصدنا مع إخواننا من الهنود المسلمين المقيمين في سالسبوري قنصلية جنوب إفريقية وتشغل طابقا في إحدى العمارات الكبيرة. وقد لقينا على المكتب امرأة أوروبية بدت متجهمة الوجه مقطبة الجبين ولما أخبرناها بقصدنا أجابت بطريقة جافة إلى مكتب آخر في الداخل فوجدنا فيه امرأة أوروبية أخرى في سن الكهولة فاستقبلتنا استقبالا سيئا ولما أخبرناها بقصدنا قادتنا بطريقة بعيدة عن الذوق إلى غرفة الانتظار وقالت: انتظروا هنا وسوف تدعون لمقابلة الموظف المسئول إذا جاء دوركم. |
|
وبعد مدة قصيرة حضرت فتاة فأشارت إلينا بالدخول إلى غرفة مجاورة فلما دخلناها وجدنا فيها رجلا أبيض عرفنا فيما بعد أنه نائب القنصل فاستقبلنا ببرود وبتكبر وترفع ظاهر ولما أخبرناه بقصدنا وأننا عرب سعوديون واطلع على جوازاتنا تغيرت لهجة حديثة وبدأ يظهر اللين في القول، والمجاملة في العبارة. |
|
وقد بحثنا معه طلبنا للحصول على أذن الدخول إلى جمهورية جنوب إفريقية فأجابنا بأنه يود ذلك ولكنه ليست لدية صلاحية منحنا تلك التأشيرات وقال: إنني مع معرفتي بأن القنصل نفسه لا يستطيع فإنني سوف أتكلم معه ثم تكلم مع القنصل بالإنكليزية وشرح له موضوعنا وقال: إنهم من رجال العلم ومعهم مبلغ كاف من المال يريدون أن يروا البلاد ثم أخذ يتكلم معه باللغة الهولندية وهي اللغة الثانية في جنوب إفريقية ثم بعد ذلك قال لنا: إنني آسف إذ أخبركم انه لا يستطيع أن يمنح سمات الدخول لكم إلا جهة واحدة هي حكومة بروتيريا في جنوبي أفريقية تلكم هي قوانين بلادنا،وسوف نشفع طلباتكم بتوصية إعطائكم السمات المطلوبة وأكاد أؤكد إنها ستعطى لكم،فقلنا له إن الأيام المخصصة لرحلتنا في أواخرها ويصعب علينا الانتظار حتى ورود الجواب الذي قال إنه سيستغرق أسبوعين على الأقل،فقال:إنني سوف أرسله مستعجلا،ومع ذلك أستطيع في حدود صلاحيات أن أعطيكم سمة مرور في مطارات جنوب إفريقية. |
|
ثم أخذ يسألنا عن أحوال بلادنا وعن طرق معيشتنا وعن علاقتنا بالدول الأخرى وقد لبثنا عنده أكثر من ساعتين وكان يستبقينا كلما أردنا الذهاب ويفيض في البحث في مثل هذه المواضيع، ولما رأينا رغبته في ذلك قلت له: انه حكومتنا تمنح سمات الدخول كل سنة لأكثر من ألف شخص من رعايا حكومة جنوب إفريقية من المسلمين ولذلك فنحن نتوقع أن تكون معاملتكم لنا بالمثل،فضحك وقال: أولئك الناس جماعتكم أو يوربيبل إنك تقصد المسلمين الذين يذهبون إلى بلادكم للحج،فأولئك أصلهم من الشرق، أما بالنسبة لي أنا أعتقد أن الأمر يختلف،أليس كذلك؟فقلت له: إنني شخصيا ليست لدي الخبرة في أمور الجوازات والإقامة، ولكن الذي أعرفه أن حجاجا كثيرين من رعايا بلادكم يصلون للملكة كل عام.. |
|
هذا وقد خرجنا من عنده فودعنا إلى خارج باب مكتبه، وهو يعتذر عن عدم تمكنه من منحنا سمات الدخول ويعد بالتوصية بذلك لدى حكومته. |
|
هذا وقد خرجنا من عنده ونحن عازمون على إلغاء زيارة جمهورية جنوب افريقية من برنامجنا لذلك السبب لأنه لا يمكننا أن نقيم في روديسية حتى ترد الإجابة، لضيق وقتنا، ولأننا سياسة تلك الحكومة العنصرية الهوجاء تقوم على عدم تسهيل دخول رعايا البلاد التي تقوم عنها أنها ملونة.. |
|
مسجد هراري: |
|
هناك في روديسية يسكن الإفريقيون في أماكن منفصلة ضمن مساحات معينة تلك كانت السياسة الرسمية للحكومة الروديسية في السابق.. |
|
وقد بنت الحكومة مدينة صغيرة في ضاحية سالسبوري للإفريقيين من أهل الوظائف والقادرين على دفع الأقساط الشهرية المستحقة وتسمى (هراري) وهى تقع في الجنوب الشرقي من المدينة سالسبوري الروديسية وهي تتكون من بيوت جميلة تعضها على شكل (فلات) ، وبعضها على شكل وحدات سكنية أي على شكل غرفة كبيرة من الخارج تنقسم إلى عدة غرف في الداخل ويحيط بكل بيت مساحة مزروعة من الأرض، ولولا أن الأرض كلها خضراء لأسميتها حديقة.. وفيها الشوارع المسفلتة، والكهرباء الكاملة والحدائق و الملاعب |
|
إلا أن ما يضايق الإفريقيين-وهو شيء يضيق حقا-إنهم مجبرون حتى الآن على السكنى منعزلين عن غيرهم من الأوروبيين والآسيويين، وقد كان هؤلاء الأوروبيون والآسيويون-ممنوعين من الدخول إلى مناطق سكن الإفريقيين ويتعرض من يجرؤ منهم على دخول منطقة سكن الإفريقيين إلى التحقيق معه من قبل الشرطة ولكن ذلك قد خف الآن بسبب المشكلة التي تتخبط فيها الحكومة الروديسية غير الشرعية نتيجة لإعلانها الاستقلال من جانب واحد. ولما سألت عن حجة الحكومة أو الشرطة في هذا الأمر قالوا إنهم يقولون إن ذلك لحماية الأوروبيين والآسيويين مما قد يصيبهم من الإفريقيين لأنهم قد يتعرضون لمشاكل بزعمهم لتخريب سيارتهم. وهذه حجة ساقطة كما هو ظاهر. وكنا دخلنا المسجد في تلك الحارة فإذا به نظيف جميل متوسط السعة يحيط به فناء صغير ألحقت به مدرسة (كتاب) من غرفة واحدة كبيرة وغرفتين لسكنى المدرس وهو مبني بالطوب الأحمر ومسقف بشكل جميل ومفروش بفرش بسيط والواقع أن بنايته هنا للمسلمين في حي أغلبه من الإفريقيين غير المسلمين كان مناسبا بل كان توفيقا من الله سبحانه وتعالى تم بناؤه بطريقة جمع التبرعات وساهمت الجمعية الإسلامية التي يرأسها السيد علي آدم بنصيب كبير من نفقاته. وهذا المسجد يبعد عن قلب مدينة سالسبورى3 أميال فقط وأمامه يسمى حبيب ماتشنقجى وهو من أصل صومالي.. |
|
مسجد هايقل: |
|
ومن هنا ذهبنا إلى ضاحية أخرى بل إلى بلدة أخرى وإن كان يشملها اسم (سالسبوري) وتسمى (هايقل) وهي منطقة من مناطق سكنى الإفريقيين وهي كبيرة، أكبر من هارورى وبيوتها ليست على طراز واحد لأنها بيوت خاصة بنيت بنقود الإفريقيين-لذلك اختلفت أحجام البيوت من حيث المساحة.. |
|
وهي ضاحية جميلة جدا تخترقها شوارع مسفلتة على أحسن طراز للذهاب و الإياب وتملأ الزهور حدائق البيوت-كلها وكذلك بيوتا في حي هراري مبنية إما بالآجر أي باللبن الأحمر، وإما بالاسمنت المسلح فلا تجد فيها كوخا أو عشا أو ما يماثل ذلك أو يقرب منه مما تجده في المدن الإفريقية الأخرى. |
|
مع ذلك فلا أرى الإفريقيين يشعرون بالسعادة لأنهم يعيشون هنا وحدهم بدون أن يسمح لأحد بان يختلط معهم في السكنى فكأنهم يعيشون في سجن كبير ولأنهم أينما يتوجهون في روديسية يجابهون بالاحتقار وعدم الاحترام. |
|
زرنا المسجد هناك وهو ثالث مسجد رأيناه في منطقة سالسبوري وهو صغير فقير في فراشه وأثاثه ويحتاج إلى بعض التكميلات، وقد وعدناهم غدا بتقديم مبلغ من سماحة مفتى الديار السعودية،لتكميل بنائه، وإمامه يدعى (علي محمد) وأصله من ملاوي. |
|
ويقع حي هايقل إلى الجنوب من سالسبوري وهو يعتبر ضاحية لها متصلا بها ويبعد عن قلب المدينة خمسة أميال.. |
|
حتى في القبور: |
|
في طريق العودة من هراري رأينا المقبرة فإذا بها قد قسمت أجزاء قسم منها للأوروبيين وقسم للهنود وقسم للإفريقيين ولا يمكن أن يدفن أحدهم مع الآخرين حتى المسلمون الهنود لهم مقبرتهم المنفصلة عن المسلمين الإفريقيين بسبب اللون والأوربيون المسيحيون لهم قبورهم المنفصلة عن قبور الإفريقيين المسيحيين،ويقول أحد المسلمين هنا أنه ذهب إلى الحكومة منذ شهرين وقال لهم إن الإسلام لا يعرف التفرقة العنصرية و أنه لا داعي لبقاء قبور المسلمين منفصلة بل إنه يريد أن تكون مقابر المسلمين من جميع الأجناس واحدة، قال ولا يزال يسعى في هذا الأمر، وهو يدعى الشيخ كمال إبراهيم هندي الأصل ويقيم منذ مدة طويلة في هذه البلاد ويحمل الجنسية الروديسية وهذه إحدى مهازل التفرقة العنصرية وليست هذه هي الشاهد الوحيد بل إن أحد إخواننا الروديسيين المسلمين من أصل صومالي حدثني أنه عرضت في البيع عمارة في الحي الأوروبي مكونة من حوانيت في أسفلها ومسكن في أعلاها قال:فزدت في ثمنها إلى أن اتصل بي الدلال وقال لي:بالهاتف إنني آسف إذ أخبرك أنني لا أستطيع قبول زيادتك في العمارة ولماّ سألته عن السبب قال لأننا وجدنا في وصية صاحب البيت لا تباع لأسود قال: فسألت مادام وأنه قد مات فما الذي يهمه من البياض والسواد؟ فأجاب لئلا يضايق جيرانه البيض إذا باعها على أسود إنها مهزلة المهازل بلا شك! |
|
سد ماكلاوين: |
|
حملنا السيد علي آدم بعد ظهر اليوم بسيارته في نزهة فيما حول مدينة سالسبوري فذهبنا حوالي 26كيلو مترا جنوبا حيث سد ماكلاوين الذي أقامه الإنكليز ليحجز خلفه المياه الضرورية لتغذية مدينة سالسبوري وهو سد كبير وقد أقيم على واد بين جبلين وجهز إلى ذلك بجميع ما يجعله صالحا لقضاء الأجازات الأسبوعية فهناك الأشجار الوارفة الظلال وهناك ظهر السد وجوانبه حيث تقوم البلدية على الدوام، بتنظيفه وتعهّده كما أن كثيرا من الناس يقضون أجازتهم في صيد السمك من البحيرة التي تكونت وهي بحيرة واسعة لا يدرك البصر بها حدا وتخرج منها أنابيب كبيرة إلى محطة التصفية قرب مدينة سالسبورى والباقي يخرج من السد على شكل نهر صغير. |
|
والواقع أن المرء لا يستطيع أن يصف روعة المنظر هنا فالماء الجاري والظلال الكثيفة والجو الذي كان غائما و النسيم العليل وعظمة الفن في بناء هذا السد كل ذلك شيء معجب مطرب وزاد المنظر روعة أن قبلت أسراب هائلة من الطيور البيضاء التي نسميها عندنا في المملكة الغرانيق والتي نصطادها عندما تمر علينا في هجرتها إلى أوربا مرتين كل عام في الذهاب والأخرى في الإياب،وقد تحققت مما ذكره العلماء من أنها تعيش في منطقة جنوب إفريقية ابتداء من روديسية حتى نهاية الجنوب وقد أقبلت تلك الطيور في أسراب متعاقبة كل سرب حوالي ثلاثمائة طائر ولعلها ذاهبة إلى أوكارها للنوم لأن الوقت الآن قبل الغروب، وطريق السد من سالسبورى عجيب فهو جزء من خط مسفلت يدعى خط-القاهرة-كيب تاون أو (كايروردد) كما يسمونه وقد كان جزءا من مشروع إنكليزي سابق لربط القاهرة في شمالي إفريقية بمدينة كيب تاون في أقصى جنوبها بخط مسفلت واحد عندما كانت إنكلترا تملك من القاهرة الإفريقية من شاطئها الجنوبي إلى شاطئها الشمالي وقد انتهى أكثر من(3000) كيلو متر من الخط المذكور وانتفعت به أعظم الانتفاع كل من جنوبي إفريقية وروديسية وزامبية والخط يخترق منطقة ذات مناظر خلابة من سهول خضراء ذات تربة حمراء إلى تلال كثيفة الأشجار مما جعل المنظر ساحرا حقا وقد أخبرني السيد آدم أنه يملك منطقة واسعة من تلك الأرض وأنه قد أجّر بعضها للإيطاليين لزراعتها وبعضها قد أعد للإيجار إلا أن الوضع الراهن في روديسية قد أعاق تقدم الزراعة وجعل بعض الناس لا يقدمون على توظيف أموالهم هنا خوفا مما يأتي به المستقبل. |
|
وقال: إن أكثر بلاد روديسية بشبه هذه المناظر فالأرض غنية بإمكاناتها الزراعية و غنية بمعدنها أيضا ولها مستقبل إقتصادي عظيم لأنها واسعة وعدد سكانها لا يزيد على أربعة ملايين. |
|
وبعد أن أنهى السيد علي طوافه بنا في ريف سالسبورى الذي يشبه إلى حد ما المنطقة التي كانت للأوروبيين في كينية لولا أنها في كينية جبلية وهنا ليس فيها جبال مرتفعة طاف بنا أيضا خلال مدينة سالسبورى بسيارته فظهرت كما وصفها الأوروبي قطعة من أوربة وضواحيها فيلات غانية في الحدائق. |
|
يوم الأربعاء الموافق: 1/9/1386هـ . 13/12/1966م |
|
هذه أول مرة يدخل فيها علي شهر رمضان الكريم وأنافي بلاد غير إسلامية وليس ذلك فحسب بل هي بلاد بعيدة كل البعد عن بلادنا السعودية ولو كان ما بينهما يقطع على ظهور الإبل لما أمكننا أن نصل إلى بلادنا قبل أن يدركنا رمضان آخر فيما نقدر. |
|
وقد صمت اليوم بعد أن أثبت رؤية الهلال المسلمون هنا وطريقتهم في ذلك أن يتحروا من يشهد من عدول المسلمين بدخوله فإن لم يروه أكملوا عدة شعبان30. يوما وقد أكملوا فعلا شهر شعبان وصاموا اليوم وقد صمت بدون أن أتناول أي طعام وذلك لأنه في هذه البلاد غير الإسلامية لا يوجد مطعم مفتوح في وقت السحر أما صاحبي الأستاذ عبد الله الباحوث فقد ذهب إلى أحد إخواننا المسلمين من الهنود الذي كان قد دعانا إلى بيته لتناول طعام السحور، ولكني تأخرت لأن طعام الهندي ببهاراته الكثيرة لا يستطيع بطني تحمله، ومع أن لنا رخصة في الإفطار لأننا مسافرون فقد صمت اليوم وقلت إن شق الصوم علي ولم استطع إنهاء أعمالي فإنه يمكنني ألا أصوم غدا وإلا استمريت في الصوم. |
|
في قنصلية البرتغال: |
|
ذهبنا إلى قنصلية البرتغال في مدينة سالبسورى وتقع في إحدى الشقق في عمارة كبيرة تدعى العمارة الإنكليزية الأمريكية وهي تسكن في الطابق الحادي عشر من العمارة المكونة من( 12)طابقا وقد دخلنا في أحد المصاعد الفخمة الذي يتسع لحوالي خمسة عشر شخصا وقد فرشت أرضيته وجدرانه بالسجاد، وتعزف الموسيقى الهادئة فيه بصفة مستمرة وطيلة الوقت للصاعدين فيه إلى أعلى العمارة والنازلين مع أن المسافة في المصعد لا تستغرق وقتا يذكر، وقد رأينا في مكتب القنصلية موظفا إفريقيا وفتاة برتغالية وكلاهما ليس على جانب كبير من المجاملة الذي نعهدها من الأوربيين، ورأيت الناس يزدحمون على طلب تأشيرات الدخول وذلك لكي يتمكنوا من قضاء عطلة عيد الميلاد (الكريسماس) في موزمبيق وكلهم يملئون الاستمارات الخاصة بذلك ثم يعرض طلبهم في داخل المكتب وهكذا فعلنا وانتظرنا طويلا ثم انتظرنا ثم سألنا الفتاة عن النتيجة فقالت أن الجوازين قد أرسلناهما إلى القنصل العام وأخيرا قالت أنهم سوف يبرقون إلى حكومة موزمبيق يسألونها رأيها في منح التأشيرة أسوة بغيرنا من الناس غير الأوروبيين وأنه من المنتظر أن يأتي الجواب يوم الجمعة بعد غد. |
|
هذا ولم أخرج في هذا النهار بعد الظهر حيث أصبحت في غاية التعب بسبب الصيام لأن هذا أول يوم من أيام الصيام ولأنه لم أتناول طعاما في السحور. |
|
الإفطار: |
|
وبعد العصر ذهبت إلى المسجد الجامع في سالسبورى حيث تلوت ما تيسر من القرآن الكريم وقد أعجبني منظر الناس هنا ومنهم طائفة كبيرة موجودة في المسجد منذ ذلك الوقت يلبثون المدة الطويلة في قراءة القرآن لا يفترون مع أنهم لا يفهمون معناه وقبل الآذان بحوالي خمس دقائق أصغي إلى نائب إمام المسجد واسمه الشيخ موسى وقال بالإنكليزية: نستطيع أن نتناول (البركفاست) الآن يريد طعام الإفطار فذهبت معه إلى القاعة الملحقة بالمسجد وقد غصت بالمفطرين الذين أحضر كل واحد منهم ما تيسر من طعام ثم قاموا بتوزيعه على الخوانات وتحلقوا عليها وهو يتألف من الحلوى (والسمبوسك) وقليل جدا من التمر وبعض الفواكه كالمانجو والبرتقال والموز كل ذلك بمقادير مقدرة بحيث اكتفى الناس وبقي شيء بعد ذلك لا يعتبر ضياعه إسرافا وقد أفطر الناس قبل الآذان ثم شرع المؤذن في الآذان يمده مدا ويطيله ليمكن الناس من الإفطار ولكنه لم يكد ينته حتى نهضوا جميعا لأداء الصلاة وقد دعانا بعضهم بعد العشاء إلى تناول الطعام في بيوتهم فشكرناهم واعتذرنا وذهبنا بعد التراويح إلى مطعم فاخر في سالسبورى فأكلنا فيه ما لذ وطاب من الأرز والسمك والخضراوات المتنوعة ونقدناه بعد إن انتهينا (24) شلنا أي (15)ريالا سعوديا للاثنين.. |
|
صلاة التراويح في سالسبورى: |
|
بعد أن أذن المؤذن لصلاة العشاء مباشرة أقام الصلاة، وبعد الصلاة صلى كل فرد الراتبة ركعتين وقد غص المسجد بالحضور ما بين كبار وصغار وكلهم خاشع متأوه حتى أنني لم ألاحظ أن أحدا قد خرج بعد الصلاة المفروضة بل استمروا جميعا على البقاء في المسجد وهكذا ابتدأت التراويح وصلاها الإمام صلاة أصدق ما توصف به أنها صلاة عصر السرعة فقد كان يوجزها بل يكاد يختصرها ويقرأ في كل ركعة سورة من الفيل حتى نهاية القرآن، ثم أوتر بثلاث ركعات متصلة تشبه صلاة المغرب إلا أنه جهر بالقراءة في الثالثة وقبل الركوع سكت وسكت معه الناس هنيهة ظننتهم فيها يقنتون سرا لأنهم أحناف،وهكذا انتهت تراويحهم بسرعة. |
|
ومع ذلك فقد كان المأمومون بعد كل تسليمتين يجهرون ببعض الدعاء الذي يستغرق حوالي دقيقة واحدة ويتكون من سؤال المغفرة والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وقد خرجنا بعد إكمال التراويح ونحن معجبون غاية الإعجاب بالتفاف القوم على إفطارهم في المسجد وبتربيتهم أولادهم تربية إسلامية حتى على إكمال صلاة التراويح. |
|
يوم الخميس الموافق: 3/9/1386هـ. 14/12/1966م |
|
في ووترفول: |
|
هناك ضاحية تبعد أربعة أميال إلى الغرب من سالسبورى تدعى ووترفول فيها جمعية إسلامية صغيرة حيث يسكن في هذه الضاحية من أراد من الآسيويين والإفريقيين عكس ما عليه الحال في أماكن الإفريقيين الأخرى حيث لا يسمح لغير إفريقي أن يسكن مع الإفريقيين وقد شاهدنا المدرسة الإسلامية الصغيرة التي تدرس مبادئ الدين الإسلامي واللغة العربية هناك وقد قامت الجمعية الإسلامية على افتتاحها وجلبت لها مدرسا من كيب تاون في جنوبي إفريقية وهو شيخ من أصل صومالي يدعى (أحمد علمي)تزوج أبوه هناك وخلفه مع عدد من إخوانه ويقول إن والده يعرف العربية أما هو فيعرف بعض الكلمات التي لا يستطيع نطقها نطقا صحيحا ولكنه كان قد تخرج من مدرسة إسلامية في كيب تاون ويقوم في هذه المدرسة بتدريس القرآن الكريم ومباديء من حروف اللغة العربية وبعض مبادئ الصلاة والصيام الخ. |
|
و الحي الذي تقع فيه المدرسة يسكن أغلبيته إفريقيون حي نظيف حقا بيوته تحيط بها الحدائق وشوارعه تحف بها الأشجار الباسقة وطرقه مسفلتة. |
|
العرب في روديسية: |
|
استرعى نظري فتى يدرس في تلك المدرسة فسألنا عنه فإذا به من أصل عربي كان أبوه قد جاء من اليمن منذ مدة طويلة وتزوج بامرأة إفريقية فسألت بهذه المناسبة وبعدها عن العرب في روديسية فعرفنا أنه كان قد قدم منذ عهد طويل عدد من العرب من جنوب الجزيرة من اليمن وعدن لكي يساعدوا على مد السكة الحديدية حيث أن العمال الإفريقيين لم يكونوا يحسنون هذا العمل في ذلك الوقت وقد لبث عدد منهم في هذه البلاد وبقي أولادهم ومعظمهم من زوجات إفريقيات ولم يبق من أولادهم من يتكلم العربية وإنما يوجد بعض أبناء كانوا قد خرجوا إلى الصومال ثم عادوا إلى روديسية وهذا خلاف ما عليه الأمر في زامبية حيث لا يوجد فيها عرب أو من يتكلم العربية، مع أن روديسية أبعد من زامبية إلى الجنوب، كما أن في جنوب إفريقية يوجد مسلمون كثير يبلغ عددهم أضعاف أضعاف عدد المسلمين في روديسية مع أن جنوب إفريقية إلى الجنوب من روديسية وذلك لأن معظم المسلمين الذين في جنوبي آسيا الشرقي من القارة الهندية ومن بلاد الملايو لا من الجزيرة العربية. |
|
الكلمة العربية الوحيدة: |
|
مررت اليوم في قلب مدينة سالسبورى بمحل تجارى فخم كتب عليه بالإنكليزية هنا تباع السجاجيد (سجاجيد) جمع سجادة وهي الكلمة العربية الوحيدة التي رأيتها مكتوبة على حانوت في روديسية وهو محل أوروبي لبيع السجاجيد كتب عليه بالإنكليزية هنا تباع السجاجيد الإيرانية وتحتها كلمة سجاجيد بالعربية وهذه الكلمة عربية وحيدة هنا لا يوجد غيرها في تلك البلاد. |
|
ولاشك أن ذلك المحل كتب كلمة (سجاجيد) إمعانا منه في إظهار سجاجيده الإيرانية بمظهر الأصلي حتى كتابة اسمها بالحروف العربية التي يكتب بها الإيرانيون. |
|
الشرق الأوسط في روديسية: |
|
وقد تصفحت اليوم جريدة (روديسية هيرلد) وهي جريدة كبيرة تقع في (16)صفحة من الحجم الكبير وبحثت فيها عن أي خبر عن أي بلد من البلدان العربية فلم أجدها ذكرت منها شيئا. ولكن استمعت بعد المغرب إلى الإذاعة الروديسية وهي باللغة الإنكليزية طبعا فإذا بها تذكر بعض الأخبار عن سورية ولبنان والعراق وإذا بالمذيع ينطق أسماء البلدان والأشخاص نطقا إنكليزيا سليما بدون تحريف. |
|
مصنع النسيج: |
|
أخذنا السيد علي آدم إلى المنطقة الصناعية أو الحي الصناعي في سالسبورى، وهو حي واسع جميل تفصل بين بناياته الحدائق والشوارع الواسعة وقال إن بعض تلك المصانع ملك للمسلمين ثم أرانا مصنعه الخاص يعتز المرء بأنه تحت إدارة رجل مسلم الذي نافس الأوروبيين وتغلب عليهم بل إن لديه ستة من الموظفين الأوروبيين ما بين رجل وامرأة وأحدهم أوروبي من جنوب إفريقية وممن يسمون (الأفريكانو) الأوروبيين الذين قدموا إلى جنوب إفريقية في وقت مبكر وتناسلوا هناك حتى اكتسبت بشرتهم شيئا من السمرة جعلهم يشبهون سكان الشرق الأوسط. |
|
والمصنع المذكور يدخله القطن قبل غزله فيتم فيه غزله ونسيجه ثم كيه وطيه وإعداده للتصدير، ثم ينقل بعضه إلى مصنع له داخل البلد حيث يتم تفصيله وخياطته. والعمال فيه معظمهم من الإفريقيين ولكن المحاسب هندي. |
|
وبعد أن أنهينا الطواف في ذلك المصنع الفخم أخذنا بسيارته إلى منطقة تقع شمالي سالسبورى تسمى (كليفلاند) وتعتبر ضاحية من ضواحي سالسبورى تمتد حتى تتصل بالريف، وهي مخصصة لسكنى الأوروبيين وبيوتها عبارة عن فيلات وسط الحدائق الغناء، وكان المطر يهطل مدرارا، والمنطقة كغيرها خضراء جميلة ذات تربة حمراء. وقد وصلنا سدا يبعد عن سالسبورى (12)ميلا أي حوالي عشرين كيلو مترا أقيم على واد صغير ليحجز بعض الماء فيه وفيه رأينا بعض الأوروبيين يمارسون هواية صيد السمك التي قال عنها صاحبنا بالإنكليزية أنها تحتاج إلى ..ثم قال بالعربية (صبر) ثم عدنا مع الغروب إلى مدينة سالسبورى. |
|
يوم الجمعة الموافق 4رمضان 1386هـ-16-12-1966م. |
|
ذهبنا إلى قنصلية البرتغال فاستقبلتنا الفتاة الأوروبية وقالت لنا بدون مجاملة إنه لا يمكن لكم دخول موزمبيق لأن ذلك يحتاج إلى إذن من حكومة البلاد ويقول القنصل لا يؤمل أن توافق الحكومة ولذلك لا فائدة من إرسال جوازاتكم إلى هناك.. |
|
ذهبنا إلى متحف سالسبورى ضحى اليوم فألفيناه صغيرا نسبيا، أكمل ما فيه القسم التاريخي الخاص بوسط إفريقية وبخاصة روديسية الجنوبية وساحل موزمبيق، وهو موضح بالرسوم وأكثر ما استرعى انتباهي ثناء عاطر على العرب بأنهم أول من وصل إلى هذه البلاد في العصور القديمة وأول من وضعوا لها الخرائط ووصفوها في كتبهم وفيه مخلفات بعض السلاطين العرب في الساحل من سيوف ورماح وأدوات صنع لا قهوة. ثم فيه رسوم تبين عناصر الناس في تلك البلاد مثل الهنثوث والبوشمن والبانتو، وفيه قسم رسموا فيه أدمغة الإنسان والحيوانات ووضعوا فيه مخ الإنسان الأبيض في مقدمة القائمة وأبرزوا له صفات ليست في مخ غيره جريا على عادتهم في التمييز العنصري.. |
|
ذكريات عجوز إنكليزية.. |
|
كاتبة الفندق الذي نسكن فيه عجوز إنكليزية أقدر أن عمرها في حدود(60)سنة أخذت تتحدث اليوم معنا عن الحالة الحاضرة في إفريقية وما كانت عليه منذ أربعين سنة عندما جاءت إلى إفريقية أول مرة قالت: لقد جئت في ذلك الوقت ولم أحتج أن أبرز جوازي فضلا عن أن يطلب مني تأشيرات دخول من شمال القارة الإفريقية إلى جنوبها. |
|
أما الآن فقد اختلف الأمر كثيرا فقد بعثت منذ أسبوعين كتابا إلى حكومة زامبية أطلب منها أن تمنحني إذنا بالدخول لأتمكن من قضاء إجازة عيد الميلاد ورأس السنة مع ابني الذي يقيم فيها وحتى الآن لم يصلني الرد بالإيجاب ولا أدري هل يصلني بعد ذلك. فقلت لها: وما رأيك في الحالة التي عليها افريقية الآن وهل هي أحسن منها عندما دخلت إليها أول مرة،فتنهدت ثم قالت: هل السعادة في السلام؟ أم في الكراهية والبغضاء؟؟.. ولما سألتها توضيح ما تعنيه، قالت: إنها في ذلك الوقت كانت تعتبر قارة سعيدة فلا كراهية ولا بغضاء ولا انقسامات بين دولها حتى الإفريقيون سعداء بحالتهم التي كانوا عليها، أما الآن فأين المكان الذي يسوده السلام والطمأنينة في إفريقية؟ أفي البلاد التي يسيطر عليها البيض ويسومون السود سوء العذاب، وهم –أي البيض –في فزع دائم من أن يأتي يوم يسيطر فيه عليهم الإفريقيون فيكيلون لهم الصاع صاعين، أم في الكنغو وكينية والصومال والحبشة وزنجبار وغيرها وغيرها؟. |
|
ثم قالت بل السلام الآن عزيز في أكثر البلاد فتلك الولايات المتحدة أغنى دول العالم تعانى اضطرابا عنصريا واهتياجا عاطفيا، ثم أضافت قائلة: حتى بلادكم مهد الحضارات القديمة ومطلع الرسالات السماوية ليس فيها سلام فاليهود والعرب يتقاتلون وفئات الشعب في كثير من بلدانه تتصارع وانقلابات تتلوها انقلابات، ثم قالت أرى أن الدعاء الذي يقال في عيد الميلاد (وعلى الأرض السلام) لم يستجب. |
|
يوم السبت 4-9-1386هـ . 17-2-1966م |
|
أكملنا في الصباح عملنا في سالسبورى عاصمة روديسية وذلك فيما يتعلق بالطلبة الروديسيين الذين سيسافرون إلى الجامعة الاسلامية بالمدينة المنورة، كما أتممنا توزيع الإعانات المالية على الجمعيات والهيئات الاسلامية في روديسية. كما اتفقنا مع الجمعية الإسلامية على إرسال مدرسين لهم على نفقة دار الإفتاء في المملكة العربية السعودية ولم يبق إلا السعي في مغادرة روديسية ولكن المشكلة في أن روديسية تقاطعها جاراتها الإفريقيات و لا تصلها طائرات إلا من جنوب أفريقية و ملاوي والأخيرة ليس فيها طائرات تسافر إلى الكنغو مقصدنا بعد روديسية. إذ لم يبق إلا السفر عن طريق جوهانسبرغ في جنوبي افريقية ولكننا ليس معنا سمة دخول تخولنا التجول في جنوب افريقية وإنما حصلنا على مرور في المطار لبضع ساعات لذلك لابد من أن تتولى إحدى شركات الطيران الإبراق بحجز أماكن لنا في إحدى الطائرة الأخرى لا تطير إلا يوم الخميس القادم وليس باستطاعتنا أن نظل عدة أيام في روديسية بسبب ضيق الوقت |