|
|
|
صرخة إشفاق |
|
لفضيلة
الشيخ محمد محمد خليفة |
|
|
|
لقد انتاب شباب الأمة العربية والإسلامية التمزق، وشدت
أفكاره ومشاعره تيارات تاهت حياته في عوالمها وبين أمواج ظلماتها، وانتهبته
عواصف هوجاء من الانحلال أنسته عقيدته، وفَتَّتْ في صلابة رجولته، وقطعت الصلة
بينه وبين أمجاد تاريخه، فضاع الشباب أو كاد، وتطايرت روحه في مهاب الفتن. |
|
ومن ثم تضاعفت مسئولية كل عربي عن هذه الأجيال التي تتخبط
في الحياة وقد وصمت أسماعها وختم الله على قلوبها فلم يبلغها نذير منذر، أو
تطرقها صيحات مصلح، أو تؤثر فيها عبرات مرشد، بل لقد استسلمت هذه الأجيال لغرور
المظهر ففتنها عن مستقبلها، ومسئولياتها عن ذلك المستقبل. |
|
وعاشت هذه الأجيال للحيوانية التي تتحكم في دنياها: للأثرة
القاتمة، لزخارف الحياة الزائفة، لكل ما يقوض بناء مجتمعها الذي ستقبض على
مقاليده في غدها. |
|
وأبصر المشفقون ذلك الشباب وهو يهوي في هاوية لا قاع لها،
لا يمسك بشيء، ولا ترده حتى إلى حافة الهاوية صرخات، وعلى شفاه المشفقين أسئلة
حائرة: متى ؟، ومتى؟، ومتى؟ |
|
متى يفيق الشباب من غمرة الفتن، ويفكر في المنزلق الذي أسلم
إليه حياته؟ |
|
ومتى تبدأ الأمة العربية في مختلف الأقطار تفكيرها في
مسئولياتها عن أبنائها، وعن المستقبل الغامض الذي تقف على أبوابه هذه الأجيال؟ |
|
ومتى تتحرك الأفكار والأنظار إلى الشباب لتضع له المشاعل
على الطريق؟ |
|
ومتى تجند الشعوب قواها لتدرأ عن الشباب مخالب الشر التي
تمزق كيانه؟ |
|
ومتى يكرس المصلحون الجهود لتخطيط مؤمن، ومتابعة يقظة، واستغلال
جاد لكل وسائل الإعلام للعمل على بناء نفوس قوية تعرف كيف تؤمن مستقبلها، وتقود
مسيرتها في الحياة وتحميها من الأنواء، وتصونها من عبث الأهواء؟ |
|
ومتى تنفض الشعوب عنها الغطاء الذي غطَّت تحته طويلا،
واسترسلت في كواذب الأحلام؟ |
|
ومتى يؤمن المسئولون عن مستقبل الشباب بأن الدين هو أرسخ
القواعد وأقواها وأصلبها على احتمال بناء الغد إذا عاش ذلك الدين في القلوب
عقيدة قادرة على نفي الشوائب وتنحية العوائق التي تعترض مسيرة الإيمان؟ متى يكون
كل هذا لنحقق للأجيال القادمة المستقبل المأمون؟ |
|
إن بناء صرح الغد يعتمد أول ما يعتمد على تربية النفوس. |
|
وإن بناء الأجيال الجامحة قد تكون أعتى ما يواجهه المصلحون،
غير أن براعة التخطيط لهذه التربية وإعداد المنهج الصالح بعيداً عن المؤثرات
الغربية، ومتابعة تنفيذه في صبر، وتعبئة كل الوسائل المعينة على تحقيقه، وحمايته
من المناوآت التي قد يشنها المتطرفون أنصار التحرر من كل قيد حتى قيد الدين،
وأخيراً يجيء دور الإحساس بل الإيمان بالمسئولية والخوف من حساب الله. |
|
كل ذلك يحقق ما تنشده الأمة من تلك التربية التي تعتمد
عليها صروح المستقبل. |
|
ومنهج التربية السماوية ذلك المنهج الذي اعتمد عليه معهد
التربية المحمدية، فقضى به على باطل العادات وضلال التقاليد الموروثة يجب أن
يضعه المصلحون نصب أعينهم ليتخذوا منه الإشراق الذي ينير سبيل الدالجين. |
|
وقد كانت الحكمة طريق الدعوة بل كانت أول كلمة تؤذن في أول
الطريق فترن في أسماع الدعاة وتدوى في قلوب المصلحين تلك الحكمة التي نادى بها
الحق: |
|
{ادْعُ
إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ
بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} |
|
وتجلت حكمة إله السماء في التدرج في علاج بعض الأدواء التي
كان يعانيها المجتمع الجاهلي كالخمر التي هام بها المترفون فنزل في شأنها أولاً:
{يَسْأَلونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ
فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ
نَفْعِهِمَا} |
|
ثم نهاهم عن الاقتراب من الصلاة وهم سكارى فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ
وَأَنْتُمْ سُكَارَى} |
|
وبعد أن استجابت نفوس المؤمنين إلى نداء الله دعا الله
بعضهم أن ينزل فيها شيئاً أو أمراً ينتشل المسلمين من حيرتهم في شأن الخمر، فكان
النداء الأخير الذي تجلى فيه حكم الله: {يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ
وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ
تُفْلِحُونَ} |
|
فليكن الرائد عند إعداد منهج التربية هو ذلك المنهج الذي
ربى الله عليه خير أمة أخرجت للناس وليس إعداد المنهج كل شيء، وليس إعداد الدعاة
كل شيء ولكن إيمان الدعاة بواجبهم وبالأمانة التي في أعناقهم وبخوفهم من
المسئولية بين يدي الله في يوم الدين هو الذي يستطيع أن يحقق كل شيء "وإن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن". |
|
وإن هذا الشباب الجامح لا يعجز جموحه وسائل الردع والإصلاح
لو برزت سياط القانون وحسنت نوايا المصلحين، وجندوا لذلك الإصلاح كل الوسائل
وانتزع الدعاة أغوال اليأس من نفوسهم تلك التي قد تحمل على الانطواء وترك مسيرة
الشباب تتعثر في الحياة كما يشاء لها المنحرفون والشامتون. |
|
إن حاضر الشعوب العربية يجب أن يتغير وجهه بل يجب أن تتغير
أعماقه فتزول الرواسب التي تعيش في سلوكه ومشاعره، ويجب أن تبرز في ذلك الحاضر
الشخصية الشرقية العربية الإسلامية التي توارت وراء التقليد المجنون. |
|
وإن ثورة التغيير يجب أن تستهدف حملاتها النفوس، وأن تكون
لديها الطاقات القادرة على التطهير: فتطهر النفوس، وتطهر العقول، وتطهر السبل،
وتنحى عنها كل أسباب الفتنة والإغراء والانحلال حتى تربى للحياة أجيالاً جديدة
تستطيع أن تحقق للإسلام تاريخاً جديداً، ولن يتحقق وجود هذا التاريخ إلا إذا كان
الدين هو القاعدة التي ينطلق منها التغيير. |
|
إن مستقبل الشعوب العربية يتطلب صحوة تنقض الجمود، وتنطلق
من الركود إلى عمل واع مؤمن يحدد الطريق لطريق المستقبل معالمه، ويعبد مجراه،
ويحمل الأجيال على سلوك النهج الذي سلكته مسيرة الإسلام الأولى فحققت للأمة
الإسلامية العزة التي عنت لها كبرياء المتوجين من الفرس والروم. |
|
فهل يحقق الله للأمة العربية الإسلامية هذه الصحوة؟ |
|
هذه أمنية كل غيور فمتى تتحقق. |
|
الدكتور: محمد محمد خليفة |
|
كلية
الشريعة ـ الجامعة الإسلامية |
|
يرجى من فضيلة الكاتب أن يحول الحديث من الأمة العربية إلى
الأمة الإسلامية مشكوراً. |
|
|
|
أعز
الأشياء |
|
قال الشافعي: |
|
أعز الأشياء ثلاثة: الجود من قلة، والورع في خلوة، وكلمة
الحق عند من يرجى أو يخاف. |