|
|
|
|
|
|
رسائل لم يحملها البريد
|
|
|
بقلم فضيلة
الشيخ عبد الرؤف اللبدي |
|
|
المدرس
بكلية الشريعة بالجامعة الإسلامية |
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
صديقي العزيز: |
|
|
بشراك يا صديقي! لقد أحلت على التقاعد، التقاعد الذي كنت
أتمناه على الله مذ سنين، مذ أكل جسمي مرض السكر، ولبست عيناي نظارات القراءة،
وناءت ساقاي بالوقوف الطويل في غرف التدريس. |
|
|
جاءني كتاب الإحالة، فوجف القلب لأول وهلة، وجف الحلق بعد
القراءة الأولى، واضطربت ساقاي من تحتي فهبطت إلى الأرض أحملها ثقلي وأقول: ويحك
يا نفس! ألم يك هذا ما تطلبينه وتواصلين فيه الطلب، وتلحين فيه وتضربين على
الإلحاح؟؟! فما عدا مما بدا؟! ما هذا الخفقان المجنون في القلب؟! وما هذه الرعدة
المحمومة في الفرائص؟! |
|
|
الوظيفة التي تقاعدت عنها لم تجيء بالهيل والهيلمان، ولم
يكن لها في الناس رهبة ولا سلطان، وما كانت تُمِرّ ولا تحلى لدى كثير من أناسيّ
هذا المجتمع. |
|
|
لم يكن لك من تلك الوظيفة تعظيم جماهير تختالين فيه وتمسين،
ولم يكن لك منها نفاق مذبذبين تستنيمين إليه وتستعذبين، ما كان لك من تلك
الوظيفة مصاهرات حرص عليها الناس لتقربهم إلى السلطة العليا زلفى، حتى إذا
تقاعدت تخلوا عنها وكانوا فيها الزاهدين، فما هذه الغاشية التي تغشاك؟! وما هذا
الزلزال الذي يهزّك هزّاً ؟! تكلمي، ما بالك صامتة لا تقولين شيئاً ولا تهمسين؟! |
|
|
أما كنت تتمنين ليلاً ونهاراً، وتضرعين إلى الله سراراً
وجهاراً، تسألينه أن يخلصك من حياة الوظيفية والموظفين، وما في تلك الحياة من
شوائب النفاق والخداع والكذب والزلفى، وما في تلك الحياة من الحدود والقيود
والأنظمة التي تضيق بها الصدور، وترخص فيها الأنفس، ويستذل بها الأحرار؟! فما
هذا الخوف الذي تخافينه، وفيم هذا القلق الذي تقلقين؟! |
|
|
ألم تشتر هذه الكتب التي تنطح برأسها السقف، وتزحم بمنكبيها
الزوايا؟! ألم تعديها حين الشراء بالقراءة والدراسة وطول السهر وجميل الصحبة، ثم
اعتذرت بضيق الوقت وأعباء الوظيفة، وضربت لها موعداً آخر هو سنوات الإحالة وحياة
الشيخوخة؟! هاهو ذا الموعد قد حان، وهاهي ذي سنوات الإحالة قد أقبلت، فلم لا
تفرحين بأكرم لقاء ؟! ولم لا تنجزين أثمن موعد ، ولم لا تنجزين؟! |
|
|
انظري إلى هذه الكتب، ثم ارجعي البصر إليها كرتين ، بعضها
قد نام وعلاه الغبار من طول الإهمال والانتظار، وبعضها يقظان غضبان ينظر إليك
بعتب وزراية، ألا تصغين إلى ما تقوله وتسمعين! |
|
|
تقول إذا كنت لا تريدين لنا صحبة، ولا تجدين في مجالسنا
أنساً، فأطلقي سراحنا وافتحي لنا الأبواب، إن أناساً كثيرين سوف يفتحون لنا
آذانهم وأعينهم والقلوب، وسوف نجد عندهم كريم صحبة وصادق إلف وجميل إحسان. |
|
|
لم نؤلف نحن - معاشر الكتب - لنكون على الجدران زينة
وجمالاً، ولا لنكون في البيوت أثاث تفاخر ومباهاة، وإنما نحن زاد عقول ونور
قلوب، وأصدقاء أوفياء لمن كان لنا وفيا. |
|
|
لقد لقينا نحن - معاشر الكتب - منك أيتها النفس جفاء غير
حميد، واستقبالا غير ودود، وإعراضاً وصدا طال عليهما الأمد، أمن الحق أن تقضى
الساعات الطويلة تصغين إلى المذياع، وتنظرين في التلفاز، وتجترين الأحاديث
المكرورة في مجالس القهوة والشاي، حتى إذا نبهناك إلى حقنا عليك، وإلى نصيبنا من
جهدك وأوقات فراغك، رحت تزعمين التعب والإرهاق، وتدعين الحاجة إلى النوم
والراحة. |
|
|
لو كنت ذات صناعة أو تجارة أو عمل، ولم تكوني منسوبة إلى
العلم وأهله، لكان لك شيء من عذر، ولكنك - وا أسفاه - تنسبين إلى العلم وذويه،
وتعدين فيهم حين يدعو الداعي إلى مغنم أو وليمة. |
|
|
ألا تثوبين إلى الرشد وترجعين عن هذا الضلال!! ألا تحمدين
الله وتشكرينه على هذه النعمة الجديدة المرتجاة منذ أزمان طويلة!! ألا تحمدين
الله - أيتها النفس - وتشكرين!!؟ |
|
|
وبهذه النجوى الصامتة وهذا الهمس الهامس، استطعت - يا صديقي
- أن أعود بنفسي إلى دنياها ، فأخذت تتنفس بسهولة، وتتحرك بنشاط، وتشعر بما يشعر
به الأحياء من جوع وعطش، وشبع وريّ وحرّ وقرّ، وليل ونهار. |
|
|
ولكنني - يا صديقي - لا أزال في حيرة من هذا الذي أصاب نفسي
ودهاها ، وهي التي كانت تسعى إلى هذا التقاعد وتتمناه، ولا يكاد يفتر لها شوق
إلى لقياه، حتى إذا جاءها فجأة - وما هو بالفجاءة - اضطربت له وزلزلت زلزالا
شديداً. |
|
|
فإلى أي شيء تعزو ذلك ، وبماذا تعلله؟! |
|
|
أترى ما حلّ بي عائداً إلى ضعف اعتمادي على الله وقلة توكلي
عليه؟ وإلى أن صلاتي وصيامي وسائر عباداتي إنما هي عادات قمت بها أول أمري
تقليداً لوالديّ وطاعة لهما، ثم تمكنت فيّ بكرّ الزمن وطول الممارسة، دون أن
يكون لها أقوى أثر وعميق صدى في تصرفاتي المعاشية وسلوكي في الحياة، حتى إذا ما
ابتلاني ربي أو خيّل إليّ أنه قد ابتلاني نسيت نفسي حق الله وحق عبادة الله وحق
أن تسلم أمرها إلى ربها وتقول في اطمئنان وثقة: إنا لله وإنا إليه راجعون. |
|
|
أم ترى ذلك راجعاً إلى سوء الطريقة التي بها تعلمت ، لقد
كانت طريقة تقوم على تلقين المعلومات تلقيناً وسردها سرداً، وما عليّ إلا أن
أحفظ دروسي حفظاً أصم لا تعقل فيه ولا فهم، لا أشارك في أي جهد علمي، ولا أتحمّل
أيّ مسؤولية في الكتساب أي معرفة ، فتخرجت أتردد في إبداء الآراء، وأقلد غيري في
قضايا العلم والأدب، وأكره أشد ما يكون الكره أن أستقل في أداء الأعمال. |
|
|
أم ترى ذلك عائداً إلى ما يغشى هذا العالم هذه الأيام من
قلق وذعر وجوع وفقر، فالناس لا يطمئنون إلى شيء ، ولا يستقرون على حال، يصبحون
وهم يخشون شيئاً يأتي به الليل، ويمسون وهم لا يستبشرون بما يطلع به النهار، ليس
في صدورهم إيمان يبعث الطمأنينة والأمن، وليس في قلوبهم عقدة تكل الأمور إلى
الله بعد أخذ بأسباب الحياة. |
|
|
أم ترى ذلك راجعاً إلى أنه قد غبر من عمري دهر طويل وأنا
عبد وظيفة، لي رزق معلوم أجده محضراً في آخر كل شهر، لا أخشى عليه ضياعاً، ولا
أخاف فيه نقصاً، ولي عمل مرسوم لا أملك أن أحيد عنه أو أجتهد في تغييره، ولي وقت
محدود لا أستطيع له تقديماً ولا تأخيراً، ومن حولي أشياء كثيرة يباح فيها القول
فأقول فيها ليلا ونهارا، وأشياء قليلة لا يباح فيها القول فأكون ممن يحسبهم
أيقاظاً وهم رقود، وبينهما أمور مشتبهات أصمت فيها صمت أهل القبور. |
|
|
ما كان أكثر ما يخدع الناس بهذا الصمت فيظنونه حكمة وحسن
بصر في الأمور، وما هو من هذا ولا ذاك في شيء ، ولكنه.. |
|
|
وحب العيش أعبد كل حر |
وعلّم ساغباً أكل المَرار |
|
أم ترى ذلك راجعاً إلى هذه
التربية السهلة الضعيفة العاجزة التي ينشأ عليها كثير من الأبناء في بلادنا، وقد
كنت منهم، يتربون كلولا على والديهم، يأكلون ويشربون ويلبسون ويتعلمون دون أن
يكسبوا لقمة خبز أو جرعة ماء ، إلى أن يحصلوا على الوظيفة لاهثين يتصببون عرقاً،
أو تأتيهم وهم متكئون على الأرائك منقادة إليهم تجرّر أذيالها. |
|
|
أم ماذا ترى يا صديقي؟! لقد
عهدتك ذا نظر ثاقب وبصر في الأمور حديد، فأرجو أن ترى لي الرأي في هذه الظاهرة العجيبة
التي ألمت، وهذه الصدمة التي عميت فيها الأسباب. |
|
|
ولعلك تسألني من
بعد هذا وتقول: أي شيء تحسّ وقد ألقيت الطباشير من بين أصابعك، وماذا تجد بعد أن
قلبت لسبورة الفصل ظهر المجن، وماذا خلفت وراءك بعد هذا السفر الطويل الجاهد؟ |
|
|
حنانيك يا صديقي!! لم ألق
الطباشير بعد، ولا أزال صديقاً وفيا لسبورة الفصل، أحييها كل صباح، وأودعها وعلى
أطراف أصابعي وأعطاف ملابسي آثار وغبار. |
|
|
لقد كنت من قبل الإحالة مدرس
تقاعد، وهأنذا اليوم قد صرت مدرس تعاقد، غير أني لا أكتمك أن شعوري قد تبدّل وأن
إحساسي قد اختلف، ما أبعد الفرق بين طائرين: طائر قيده في جناحيه، وطائر قيده في
رجليه. |
|
|
لقد وقفت طويلاً أسرح الطرف إلى
الطريق التي سرت عليها خمسة وعشرين عاما أغذّ السير وأواصل السرى والكلال، لا
أعرف الراحة في وضح النهار ولا في غسق الليل ، ولا أجد الظل البارد ولا الماء
الفرات في حمارة القيظ، ولا أملك الكنّ الدفيء ولا الحساء السخين في صبارة
القرّ. |
|
|
لم أستطع يا صديقي أن أرى
الطريق جميعاً على الرغم من أني وقفت أطل عليها من فوق ربوة عالية بعضها كان
ضبابا، وبعضها كان أودية وشعاباً، وبعضها كان يغطيه الثلج، وبعضها كان قد جرفته
الأمطار والسيول، والقليل القليل الذي استطعت أن أراه كان بهيجاً يسر الناظر،
ويهيج الأشواق والمشاعر، كان زهره ذا عطر، وكان شجره ذا ثمر، وما أظنني أنساه
مدى الحياة، أو تغيب عن مخيلتي ذكراه. |
|
|
وجدت الذين
قالوا: (إن المعلم شمعة تحترق لتضيء لغيرها) كانوا صادقين يصدرون عن واقع
وينطقون عن تجربة، غير أن (تحترق) هذه
ليست دقيقة التعبير ولا صادقة التصوير، ولو أنهم قالوا بدلاً منها (تُحرق)
بالبناء للمجهول لكانوا أصدق وأدق. |
|
|
الناس الذين تحترق لهم الشمعات
يمضون لطياتهم مبصرين، ويسيرون على دروبهم لا يعترون، أما الشمعات فكيف حالها،
وماذا كان مآلها؟! ما أكثر ما تصبح (رماداً) يا صديقي!! يمر بها أحياناً أولئك
الذين استضاءوا بنورها، فيقفون عليها كما كان شعراء الجاهلية يقفون على الدمن
التي لا تتكلم، ولا يعرفونها إلا بعد لأي وتوهم، فيخاطبونها بشعر فيه رثاء وعطف،
وفيه ذكريات وُد
وسرور. |
|
|
لعلك فهمت من
كلامي هذا أني ساخط على التدريس متبرم به، نادم على العمل في ميدانه، لا وربك يا
صديقي!! فلو استقبلت من أمري ما استدبرت، وأعطيت الخيار في العمل ، ما اخترت غير
التدريس عملا، ولا رضيت من ميدانه بديلا، فأنا خلقت معلما بالفطرة، وإن هذه هي
الوجهة التي أنا موليها، وإن هذا هو المنبر الذي أستطيع أن أقول من فوقه كلمة حق
تجد لها أذنا واعية. |
|
|
وإني لأشكر الله على ذلك وأحمده
حمداً كثيراً، ولكن لا بُد للمصدور أن ينفث ويقول: لماذا هؤلاء المدرسون؟!
ولماذا لا يضيئون من غير أن يصبحوا رماداً؟!! |
|
|
عبد الرءوف اللبدي |
|
|
هل تملك لسانك ؟؟ |
|
|
قال أسود بن أصرم المحاربي : "قلت: يا رسول الله أوصيني؟ قال: هل تملك لسانك؟ قلت :
ما أملك إذا لم أملك لساني؟ قال : فهل تملك يدك؟ قلت: فما أملك إذا لم أملك يدي؟
قال: فلا تقل بلسانك إلا معروفاً ولا تبسط يدك إلا إلى خير". |
|
|
رواه الطبراني . |
|