طباعة

 توثيق النص

 

 

 

من إيجابية الإيمان

بقلم الأستاذ: محمد بن إبراهيم بخات

 

 

مما يدل على صدق الاعتقاد والإيمان – أقصد الاعتقاد في وحدانية الله والإيمان بدينه – البرهان الحق على هذا الثنائي المُنجي المحيي من لدن هذا الإنسان، فهو ينجي لأن ملتزمه استثناه الله من الخسر.

{وَالْعَصْرِ إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِْ}

وهو يحيي في هذه الدنيا وفي تلك الآخرة بحسن العمل من المستجيب له أي لهذا الثنائي عملياً وواقعياً في دنياه، وإحياؤه في أخراه يكون مصيرياً وجزائياً بالفوز بنعيم الجنة والزيادة.

وهذا الإحياء مضمون وملازم لكل من عاش بنتيجة هذا الثنائي وهي تتجسم دوماً وأبداً في إيجابية إيمان المؤمن، متمثلة في استقامة دائمة منه، وهذه الاستقامة التي هي حياة له ووقاية له ما هي في الحقيقة إلا إيجابية ناتجة عن هذا الإيمان.

إيمان كما يريد القرآن وكما بين رسول الإسلام، لا يكون ولا يتحقق إلا على ضوئهما وبوحي منهما وباعتراف وتوجيه منهما، و إلا فحيثما كانت المخالفة لهما والإنحراف عنهما فلا إيمان ولا إسلام، وإنما هما جاهلية جامعة لكفران وانحراف الجاهلين في القديم والحديث.

وإيجابية الإيمان واستقامة المؤمن تحققتا ماضياً وتتحققان حاضرا ومستقبلا لمن رغب فيهما واستجاب لهما من مؤمني عهد النبوة وعهد الخلافة الراشدة وعهد التابعين ومن تبعهم بإحسان من الذين قال فيهم تعالى مقدراً وشاهداً، ومن ينطبق عليهم قوله سبحانه راعياً لهم وهاديا ممن كان منهم حسن الإيمان وصدق الإخلاص.

فكان أن ألتزموا هذا الدين واستقاموا به، فمن هم؟ وماذا قال فيهم أحسن القائلين؟

{فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌْ}

{فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُم...}

{ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ}

{قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ}

{أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ}

{إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ}

{إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ}

ولأهمية الاستقامة للأحياء من بني آدم لأنها حياة طيبة لهم، ولقيمة الاستقامة بالنسبة للمؤمن في كل زمان ومكان نزلت تلك الآيات موجهة إنسان الإسلام، ومقيمة الحجة على إنسان الجاهلية، وهاديه لكل خير، وواقيه من أي ضلالة في كل الأزمنة والأمكنة.

إنها حياة نظيفة وقيمة صحيحة من قيم هذا الدين، وبرهان صادق على صدق الإنتماء إليه، وإيجابية دالة على صدق الإهتداء به، لذلك كانت وصية رسول الله للصحابي سفيان بن عبد الله الثقفي في كلمتين من جوامع كلمه الرائدة القائدة التي تهدي وتقي: تهدي لمحاسن الإسلام وفضائل هذا الدين، وتقي من ضلالات ومفاسد ورذائل أي جاهلية كيفما كانت قديمة أو جديدة.

إنها وقاية الإيمان بالله وهداية التزام دينه، إنها فقط الاستقامة إليه سبحانه بتوحيده والعيش بدينه القيم: {ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ}.

إن الوصية الجامعة هي قوله صلى الله عليه وسلم: ".....قل: آمنت بالله ثم استقم" وبما أن الاستقامة ينتج عنها على الدوام فضائل ومحاسن الأعمال، فمن هذه الفضائل والمحاسن حسن وتحسين الأخلاق.

وقد بين وأكد رسول الله بأن حسن الخلق من نتائج الاستقامة، فمن لم يكن حسن الأخلاق فليس بمستقيم، وذلك ما دعا إليه صلى الله عليه وسلم أي التزام هذه النتيجة وهي تحسين الخلق فوجه معاذ بن جبل إليها وهو يوصيه: "استقم ولتحسن خلقك".

وبما أن اللسان كجارحة يعتبر المفتاح الخارجي الذي يعبر عن الاستقامة أو انحراف المفتاح الداخلي وهو القلب من حيث صحة الاعتقاد أو فساده، وحسن القول أو قبحه، وصالح العمل أو طالحه بالنسبة لباقي الجوارح فقد أفهمنا الرسول وأقام الحجة في الرواية الثانية[1] لهذه الوصية بهذه الزيادة وهو يجيب سفيان بن عبد الله الثقفي بعد تخوفه: "يا رسول الله ما أخوف ما تخاف علي؟ فأخذ بلسان نفسه ثم قال: هذا".

وانطلاقاً من هذا المفهوم وتأكيداً لهذه الحقيقة أي استقامة وانحراف جارحة اللسان ينبه ويوجه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ضرورة استقامتها ويخوف من انحرافها وذلك في الحديث المرفوع عن أبي سعيد الخدري[2]: "إذا أصبح ابن آدم: قالت الأعضاء للسان اتق الله فينا، فإنك إن استقمت استقمنا، وإن اعوججت اعوججنا".

وفي الختام أرى لزاما علي أن أجمل ما تدعوا إليه هذه الوصية:

"قل: آمنت بالله ثم استقم" وما تفهمه وما تبرهن عليه، ليس على لساني ولكن على لسان الشيخ الجرداني رحمه الله، يقول:

"هذا الحديث موقعه عظيم، وهو من جوامع كلمه صلى الله عليه وسلم فإنه جمع لهذا السائل في هاتين الجملتين جميع معاني الإسلام لأنه توحيد وطاعة، فالتوحيد حاصل بالجملة الأولى، والطاعة بجميع أنواعها ضمن الجملة الثانية فيصح أن يقال فيه إنه كل الإسلام".

 

 

 



[1] للترمذي - عن شرح الجرداني على الأربعين النووية، ص:153-.

[2]  شرح الجرداني على الأربعين النووية ص: 154.