|
|
|
توحيد الله |
|
بقلم الشيخ
عبد الله أحمد القادري |
|
مدير
الإشراف الاجتماعي |
|
|
|
أهميتها: |
|
العقيدة: - أي عقيدة - هي منطق الإنسان - أي إنسان - في
الحياة. |
|
وكل إنسان يتصرف في حياته انطلاقاً من عقيدته. |
|
ولنضرب لذلك ثلاثة أمثلة رئيسية: |
|
1- المؤمن:
فالمؤمن بالله ينطلق في حياته من إيمانه، فهو يؤمن بالله، وبكل ما أخبر به تعالى
في كتابه - أو على لسان رسوله - من الغيب، ويتقي ربه، ويمتثل أوامره ويجتنب
نواهيه، يوالي فيه ويعادي فيه، وعن هذا الصنف قال تعالى: {الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً
لِلْمُتَّقِينَ. الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ
وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ. وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ
إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ. أُولَئِكَ
عَلَى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}. |
|
وقال تعالى: {لا تَجِدُ
قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ
اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ
إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الأِيمَانَ
وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا
الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ
أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}. |
|
2- الكافر:
وينطلق الكافر في حياته من كفره، فهو كافر بالله جاحد له معاند لرسله، لا يؤمن
بما أخبر الله به، ولا يمتثل أوامره ولا يجتنب نواهيه يرفض الحق بجرأة غير مبال
بنتائج ذلك كله: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا
سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى
سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ}. |
|
3- المنافق:
وينطلق المنافق في حياته من نفاقه - والنفاق كفر لصاحبه الدرك الأسفل من النار -
ولكن المنافق يظهر ذبذبة بين الكفر والإيمان حسب المصلحة التي تبدو له، إن رآها
في إظهار الإيمان أظهره، وإن رآها في إظهار الكفر أظهر الكفر وطمأن الكافرين
بأنه منهم، قال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ
يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ يُخَادِعُونَ
اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلا أَنْفُسَهُمْ وَمَا
يَشْعُرُونَ. فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ
عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ}. |
|
{وَإِذَا
قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ. أَلا
إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ. وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ
آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلا
إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لا يَعْلَمُونَ. وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ
آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا
مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ. اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ
وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ. أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا
الضَّلالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ..} |
|
وكلما كان الإنسان أكثر إيماناً كان أكثر استجابة للحق
وأكثر نفعاً في الأرض، وكلما كان أوغل في الكفر والجحود كان أكثر عناداً
وطغياناً، وكلما كان أكثر نفاقاً كان أكثر خبثاً ومكراً وفسداً. |
|
العقيدة هي التي تحدد هدف الإنسان في حياته: |
|
فهدف المؤمن هو رضا الله، ولذلك يسعى جاداً في الوصول إلى
هدفه مهما تحمل من مشاق، مهما واجهته من عقبات، يستعذب في سبيل ذلك المر،ويستسهل
الصعب، لا يثنيه عنه كيد كائد ولا تهديد مهدد، لأن الهدف عنده أعلى وأسمى من كل
شيء - حتى من نفسه التي بين جنبيه - وهو يسعى إذ للوصول إلى هدفه معتمد على من
هو أقدر وأقوى. |
|
إن سحرة فرعون - الذين أراد التغلب بهم على نبي الله موسى
عليه السلام عندما خالط الإيمان بشاشة قلوبهم تحدوا فرعون وملكه وجبروته - وقد
كان يعتبر إلههم وإله غيرهم - في ثبات وإصرار معللين ذلك التحدي بهدفهم الذي
قرروا السير إليه: {فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ
سُجَّداً قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ
وَمُوسَى. قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ
الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ
مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ
أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَى. قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا
جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ
إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا. إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا
لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ
وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى}. |
|
وفي قصة أصحاب الأخدود الدليل الواضح على استعذاب أشد أنواع
التعذيب والتنكيل واستقبال الموت بصدر رحب في سبيل الوصول إلى ذلك الهدف العظيم (من
أراد ذلك مفصلاً فليراجع تفسير سورة البروج في تفسير ابن كثير وغيره). |
|
وهدف الكافر: تافه حقير لا قيمة له وهو قضاء وطره المادي
العاجل من التمتع بالمأكل والمشرب والمركب والمنكح ضارباً بكل خلق حسن يميز
الإنسان عن الحيوان عرض الحائط: {وَالَّذِينَ
كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأَنْعَامُ وَالنَّارُ
مَثْوىً لَهُمْ}. |
|
والعقيدة هي التي تحدد الوسيلة الموصلة إلى الهدف -
أي هدف - . |
|
فالمؤمن مقيد باتخاذ الوسيلة المشروعة مبتعداً عن الوسائل
المحظورة لأن عقيدته تحتم عليه ذلك. |
|
فهدف المؤمن - الذي هو رضا الله لا يتم له إلا إذا والى في
الله وعادى فيه فلا بد له من معاداة الكافرين، وهذه المعاداة تحصل بوسائل مشروعة
مثل إظهار بغضهم وعدم محبتهم ومجاهدتهم بالنفس والمال وغير ذلك، وليس للمؤمن أن
يتخذ وسائل غير مشروعة - كأن يظلم الكافر - قال تعالى: {وَوَصَّيْنَا الأِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ
أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي
وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ وَوَصَّيْنَا الأِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ
حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ
اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ
تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي
الدُّنْيَا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ
فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} |
|
ووجه الدلالة من النص السابق أن الكافر - ولو كان والداً -
تجب معاداته في الله وبغضه فيه، ولكن لا يتخذ لتلك المعاداة وسيلة غير مشروعة،
وهي حرمانه من حقه فكما لا يطاع في معصية لا يحرم من بر ولده به ومصاحبته في
الدنيا معروفاً وشنآن الكافر لا يجيز ظلمه قال تعالى: {وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلا
تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى..}. |
|
فالعدل واجب على المؤمن لعدوه الكافر والظلم محرم عليه. |
|
وهكذا نجد المؤمن متقيداً في أعماله ومعاملاته بما هو مشروع
لأن عقيدته حددت له الوسيلة كما حددت الهدف، فلا ظلم و لاغش ولا كذب ولا زنا ولا
سرقة ولا تسلط ولا أي نوع من أنواع المحرمات فإن ارتكب شيئاً من ذلك عاد إلى
الله تائباً نادماً مستغفرا. |
|
والكافر لا يتورع عن اتخاذ أي وسيلة توصله إلى مراده حلالا
كانت أم حراماً المهم عنده أن يقضي وطره. |
|
وقد جسم ذلك مكيافلى في قاعدته الظالمة الآثمة التي صارت
لأعداء الله دستور حياة، وهي: (الغاية تبرر الوسيلة)، ومعنى ذلك أن الشخص إذا
قرر الوصول إلى هدف ما فله أن يتخذ للوصول إلى هدفه أي وسيلة دون نظر إلى
شرعيتها أو عدم شرعيتها، نافعة كانت أم ضارة، فله أن يكذب ويغش وينافق ويسفك
الدم ويغصب المال وينتهك العرض. |
|
والسبب في هذا المسلك المشين عقيدته التي تبيح له الخروج
على سنن الخالق وأوامره ونواهيه،ولهذا قال أهل مدين في ردهم على نبي الله شعيب -
كما حكى ذلك عنهم القرآن -: {قَالُوا يَا شُعَيْبُ
أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ
فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ}. |
|
وهكذا نجد الكافر يقدم على أي عمل يريد غير متقيد بأمر ولا
نهي، فيقتل بدون حق، ويغصب ويسرق ويشرب الخمر، ويأكل الميتة ويرابي مستحلا كل
ذلك وغيره من أنواع المعاصي، لأن عقيدته أطلقت له العنان. |
|
التوحيد |
|
التوحيد هو إفراد الله سبحانه وتعالى في ربوبيته وألوهيته
وأسمائه وصفاته فهو - كما ترى - ينقسم إلى ثلاثة أقسام: |
|
1- توحيد
الربوبية، 2- توحيد الألوهية - أو العبادة -،3- توحيد الأسماء والصفات. |
|
1- توحيد
الربوبية: |
|
فتوحيد الربوبية هو: الإقرار بوجود الله تعال ، وأنه رب
العالمين وخالقهم ومالكهم، مدبرهم والمتصرف فيهم، لا يخرج عن قدرته شيء ولا يشذ
عن ربوبيته أحد، إذا أراد شيئاً قال له كن فيكون. |
|
والكون كله - ومنه الإنسان - مفطور على الإقرار بهذا القسم
من التوحيد، وهو الذي عناه الأستاذ أبو الأعلى المودودي في كتابه القيم (مبادئ
الإسلام) بقوله: (من المعلوم أن كل شيء في هذا الكون منقاد لقاعدة معينة وقانون
خاص، فالشمس، والقمر والنجوم - وكذلك الأرض، مسخرات تحت قاعدة مطردة لا قبل لها
بالحراك عنها والخروج عليها، والماء والهواء والنور والحرارة كلها مذعنة لنظام
خاص، وللجمادات والنباتات والحيوانات ضابطة لا تنمو ولا تنقص ولا تحيا ولا تموت
إلا بموجبها حتى إن الإنسان نفسه إذا تدبرت شأنه تبين لك أنه مذعن لسنن الله
إذعانا تاما، فلا يتنفس ولا يحس حاجته إلى الماء والغذاء والنور والحرارة إلا
وفقاً لقانون الله المنظم لحياته، ولهذا القانون ينقاد قلب الإنسان في حركته
ودمه، وفي دورانه ونفسه، في دخوله وخروجه وله يستسلم جميع أعضاء جسده،
كالدماغ والمعدة والرئة والأعصاب
والعضلات واليدين والرجلين واللسان والعينين والأنف والأذن. |
|
فليست الوظائف التي تؤديها هذه الأعضاء إلا حسب ما قررت لها
من الطريق. |
|
فهذا القانون الشامل الذي يستسلم له ولا ينفك عن طاعته شيء
في هذا الكون من أكبر سيارة في السماء إلى أصغر ذرة من الرمل في الأرض من وضع
ملك جليل مقتدر، فإذا كان كل شيء في السموات والأرض وما بينهما منقاداً لهذا
القانون فإن العالم كله مطيع لذلك الملك المقتدر الذي وضعه ومتبع لأثره. |
|
ويتبين من هذه الوجهة أن الإسلام دين الكون طرا، لأن
الإسلام معناه الانقياد والامتثال لأمر الآمر ونهيه بلا اعتراض كما عرفت آنفاً،
فالشمس والقمر والأرض مسلمة ، والهواء والماء والنور الظلام والحرارة
مسلمة،والشجر والحجر والأنعام مسلمة، بل إن الإنسان الذي لا يعرف ربه ويجحد
وجوده وينكر آياته، أو يعبد غيره ويشرك به سواء مسلم من حيث فطرته التي فطر
عليها، وذلك أنه لا يولد ولا يحيا ولا يموت إلا وفقاً لما وضع الله تعالى من قانون
لولادته وحياته وموته، وكذلك كل أعضاء جسده لا تدين إلا دين الإسلام، لأنها لا
تنشأ ولا تكبر ولا تتحرك إلا حسب هذا القانون الإلهي نفسه بل الحق أن لسانه الذي
يستخدمه في إبداء آراء الشرك والكفر جهلا وسفهاً لا يدين في نفسه إلا دين
الإسلام. |
|
وكذلك رأسه الذي يكرهه على الانحناء أمام غير الله لا يدين
إلا دين الإسلام بسائق فطرته التي فطر عليها، وكذلك قلبه الذي يعمره بحب الآخرين
من دون الله وإجلالهم جهلاً وسفهاً إن هو إلا مسلم من لدن فطرته وسجيته، فكل قد
أسلم لله وانقاد..) |
|
قلت: ولفظ الإسلام المعبر به في هذه الجمل ينطبق تماماً على
توحيد الربوبية وهو الإسلام المعروف في اللغة العربية، وليس المقصود به الإسلام
الشرعي كما هو واضح. |
|
ويتضح من ذلك أن الإقرار بوجود الله وأنه رب العالمين
وخالقهم والمدبر لشئونهم والمتصرف فيهم فطري في جميع المخلوقات حتى الإنسان
الكافر الجاحد ولكن أيعترف كل الناس بذلك؟ |
|
كان المشركون الأولون - وهم يجحدون وحدانية الله في عبادته
يقرون بوجود الله، وأنه خالق الخلق ومدبر الكون ومنزل المطر كما قال تعالى عنهم
في كتابه الكريم: |
|
{قُلْ
مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ
وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ
وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ}. قال: |
|
{قُلْ
لِمَنِ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ. سَيَقُولُونَ لِلَّهِ
قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ. قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ
الْعَرْشِ الْعَظِيمِ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ. قُلْ مَنْ
بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ
كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ.سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ}. |
|
ولهذا - أي لكون المشركين الأولين كانوا يقرون بتوحيد
الربوبية - لم يكن الرسل يدعونهم إلى هذا النوع من أنواع التوحيد، بل كانوا
يدعونهم إلى النوع الذي ينكرونه، ويستدلون عليهم بتوحيد الربوبية هذا الذي يقرون
به قال تعالى: {قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ
شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} وقال تعالى: {قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ
الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَاداً ذَلِكَ رَبُّ
الْعَالَمِينَ} وقال: {وَمِنْ آيَاتِهِ
اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا
لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ
تَعْبُدُونَ} وقال: {يَا أَيُّهَا
النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ
لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ
بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ
رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ }
وقال: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ
السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ
يُدَبِّرُ الأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ
اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ} والآيات من
الكثرة بمكان في هذا المقام. |
|
ومع تظافر الأدلة النقلية والعقلية على هذا النوع ومع إقرار
الفطر به نجد من ينزلون أنفسهم منزلة الحيوان فيلغون عقولهم التي وهبها الله لهم
ويصرحون متبجحين، شاذين عن الكون العظيم كله، بنفي وجود خالق ومدبر لهذا الكون،
ولم يكن لهذه الطائفة الشاذة أهمية في الأرض من قبل، أما اليوم في القرن الرابع
عشر الهجري - فقد قامت دول على أساس هذا الشذوذ المقيت، كروسيا والصين وغيرهما
من دول المسكر الشرقي ومن دار في فلكهم - كما لا ينكر تفشي الإلحاد في المعسكر
الغربي أيضاً، وهل المعسكر الشرقي إلا وليد الغربي؟! |
|
ورغم أن هذا المذهب الشاذ لم يكن منتشراً في الزمن الماضي
إلا أن الله الخبير بخلقه وما سيحدث منهم قبل أن يحدث قد ألقم أهله الحجة
الدامغة التي لا تترك مجالا للهروب من الحق إلا العناد والمكابرة والمعان
والمكابر لا ينفع معهما دليل قال تعالى: {أَمْ
خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ أَمْ خَلَقُوا
السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ} |
|
فالآية الكريمة تطلب من جاحد الربوبية الجواب على ثلاثة
أسئلة: |
|
السؤال الأول: هل خلق من غير خالق - أي من العدم ؟ |
|
والجواب الذي لا يقبل العقل سواه أنه لا بد للمخلوق من خالق
وأن العدم لا يمكن أن يكون خالقاً. |
|
السؤال الثان : هل خلق الجاحد نفسه؟ |
|
والجواب الذي لا يقبل العقل سواه أن المخلوق لا يمكن أن
يوجد نفسه والصنعة لا بد لها من صانع، والصانع لا بد أن يكون موجودا قبل صنعته
وإلا لما صح أن يكون صانعاً لها. |
|
السؤال الثالث: هل خلق الجاحد هذا الكون العظيم: سماءه
وشمسه وقمره ونجومه وكل كواكبه، أرضه وجباله وسهوله وبحاره وأنهاره وأشجاره. |
|
والجواب الذي لا يقبل العقل سواه أنه لا خالق لهذا الكون من
البشر ولا غيرهم من المخلوقات، وهل يقدر أحد أن يقول: نعم أنا خلقت السموات
والأرض؟ لو قال ذلك - ولم يقله أحد - لتحداه المتحدي أن يخلق حبة شعير أو سمسم،
أو ذرة ولا قدرة له على ذلك. |
|
إن نمرود عندما لف ودار، وقال: {
أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ} قال له إبراهيم: {فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ
فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ} لم يقل له
إبراهيم أوجد شمساً كهذه الشمس، بل طلب منه تحويل مجراها فقط، إذن فلا بد لهذا
الكون من خالق فمن هو؟ |
|
جواب المؤمنين بوجود الله واضح فما جواب الجاحدين؟ |
|
لملحدي هذا العصر على هذا السؤال جوابان: |
|
الأول: أن هذا الكون وجد صدفة، والثاني أن موجده هي
الطبيعة. |
|
ومعنى الصدفة أن هذا الكون كله وجد هكذا من العدم بدون موجد
فما حظ هذا الجواب عند العقلاء؟! |
|
لا يشك عاقل يؤمن بوجود عقله وسلامته في تفاهة هذا الجواب
الساقط غاية السقوط، ومع ذلك فلا بأس بمناقشته مناقشة مختصرة ليزداد سقوطه
وتفاهته وضوحا للصبيان والمعتوهين - لا المكابرين أو المجانين - ولذلك نسوق بعض
الأمثلة التي يعترف بها الجاحد. |
|
المثال الأول: أن يقال: هذا القصر الذي يناطح بطوله السحاب
ويجثم على مساحة واسعة من الأرض فيه عدد كبير من الغرف المفروشة المزخرفة جمعت
فيه كل دوائر المدينة - أي مدينة - الحكومية وضع على باب كل حجرة لوحة كتب بها
وظيفة صاحبها من الأمير إلى أصغر موظف استكملت كل وسائل العمل والراحة - يقال:
هذا القصر بهذه الضخامة والتنسيق وجد بنفسه لم تصرف فيه نقود ولم يفكر في بنائه
مفكر ولم يصنع لبناته صانع ولم يبنه بان وجد هكذا صدفة في لحظة يصعب تمييزها لقصرها
!! أترى عاقلا يصدق هذه الدعوى؟!! |
|
إن كل العقلاء سيجزمون بأن قائل هذا الكلام فاقد العقل يهرف
بما لا يعرف وإذا كان الأمر كذلك بالنسبة لهذا القصر الذي يعتبر ذرة لا نسبة لها
إلى بقية المخلوقات فما بالك بالسموات وما فيها، والأرض وما فيها أيعقل أن يقال
إنها وجدت هكذا صدفة؟؟!! |
|
المثال الثاني: أمامي كتاب يتكون من أربعة عشر مجلداً في كل
مجلد ما يربو على ستمائة في كل صفحة ما يقارب عشرين سطراً في كل سطر عشرون كلمة. |
|
قل لي بربك ما موقف هؤلاء الملحدين أنفسهم ثم موقف العقلاء
من الناس من شخص - فضلا عن دول وشعوب - زعم أن هذا الكتاب بأجزائه، وصفحاته،
وأسطره وكلماته وحروفه مع ما فيه من جمل
متناسبة ومعان مترابطة، وأسلوب بديع، وأفكار عظيمة، وجد هكذا صدفة، بدون صانع
ورق ولا طابع ولا مؤلف ولا كاتب ولا شيء سوى أنه وجد صدفة أيمكن أن يؤمن بهذه
الدعوى أحد في الأرض من العقلاء حتى الملحد نفسه. |
|
وإذا كان الأمر كذلك بالنسبة لهذا الكتاب - مثلا - فما بالك
بهذا الكون العظيم لمحكم المنسق من أرض وسماء وما فيهما وما بينهما، أيعقل أن
توجد هكذا صدفة ؟!! ألا يدل كل منها أن له موجداً مريداً حكيماً عليماً قوياً
قادرا ً؟! |
|
المثال الثالث: |
|
لو قيل لك: إن باخرة عظيمة تعتبر أحدث البواخر في هذا العصر
كبراً وتنظيماً وإتقاناً تبحر من طوكيو باليابان مارة بمدن الصين والهند
وأفريقيا وبريطانيا في أوقات معينة ترسو بنفسها في كل مدينة وتنزل من بها وما
بها في تلك المدينة ثم ترفع من تلك المدينة من المسافرين وما بها من الأمتعة إلى
المدينة الأخرى بنفسها كذلك، هذه الباخرة وجدت بدون صانع، وليس لها ربان، ولا
عمال ينزلون أو يرفعون ما بها، بل وجدت صدفة وتسير من مدينة إلى أخرى في وقت
محدد صدفة أيضاً ؟ أترى هذا الزعم يصدر من ذي عقل أو يصدقه ذو عقل، ألا يسخر من
قائله كل الناس ؟ بلى، أهذا لا يعقل في سفينة ويعقل في الشمس والكواكب السيارة
بدقة وإحكام مع عظم الحجم ودقة السير {لا
الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ
النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ} |
|
وبهذا تعرف أن القول بالصدفة ما هو إلا سراب بقيعة يحسبه
الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً ووجد الله عنده فوفاه حسابه. |
|
وإذا كان هذا هو شأن الصدفة فما قيمة الطبيعة في ميزان
العقلاء؟! |
|
الطبيعة في اللغة السجية،وتطلق في اصطلاح أهل العصر على
أمرين: |
|
الأول: على الشيء نفسه فالمخلوقات هذه التي نشاهدها هي
الطبيعة، فالشمس من الطبيعة والقمر من الطبيعة والنجوم من الطبيعة والأرض من
الطبيعة، والأرض وما فيها من جبال وسهول وأنهار وحيوان من الطبيعة. |
|
الإطلاق الثاني: على خصائص الأشياء، فحرارة الشمس من
الطبيعة وإحراق النار من الطبيعة، وبرودة الثلج من الطبيعة، وشبع الطعام من
الطبيعة، وري الماء من الطبيعة وهكذا. |
|
فعلى الإطلاق الأول يكون معنى خلق الطبيعة للأشياء أن كل
شيء خلق نفسه، فالشمس خلقت نفسها، وهكذا القمر والنجوم والجبال والبحار والأشجار
والإنسان، وهل يعقل أن يخلق الشيء نفسه: {أَمْ
خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ}. |
|
وعلى الإطلاق الثاني تكون خصائص الأشياء خلقت الأشياء،
فحرارة الشمس خلقت الشمس، والإحراق خلق النار، وبرود الثلج خلقت الثلج وري الماء
خلق الماء، والشبع خلق الطعام، وهلم جرا. |
|
وهو كما ترى لا يقدر على إطلاقه عاقل، ولكنه العمى: عمى
القلب، بل وعمى البصر أيضاً، فالعقلاء يعرفون أن خصائص الأشياء لم تكن موجودة
قبل الأشياء، بل إما أن توجد بعدها، أو مقارنة لها في الوجود، والموجود الذي
يتأخر عن غيره أو يوجد معه كان معدوماً قبل وجود ذلك الشيء، والمعدوم لا يعقل أن
يوجد غيره إذ فاقد الشيء لا يعطيه، فأين عقول هؤلاء ؟! سبحانك ربنا هذا بهتان
عظيم. |
|
الخالق هو الله ولا خالق سواه |
|
خلاصة الأدلة العقلية على وجود الله وأنه خالق الكون ولا
خالق سواه: |
|
1- لكل فعل
فاعل: كل حدث في الكون لا بد له من محدث، ولا يمكن قط أن يوجد حدث بدون محدث،
فإذا رأيت بناء جديداً اليوم لم يكن موجوداً بالأمس جزمت أن بانيا أو بانيين
أحدثوا هذا البناء، وإن هذا البناء لم يحدث بدون بان، وإذا رأيت جبلاً قد أزيل
من مكانه جزمت أن آلات هدم قد دكته دكا وأن تلك الآلات قد استعملها ذوو خبرة
بقيادتها، وإذا رأيت أن سيارة تتجه إلى مكان ما جزمت بأن محركاً قد حركها، وإذا
كانت هذه السيارة تتجنب الاصطدام بالجدران والصخور والناس عرفت جازماً أن قائداً
عاقلاً خبيراً يقودها ويسيرها،وإذا سمعت الجرس يدق في منزلك جزمت أن ضغطاً قد
وقع على زره، وإذا سمعت جرس هاتفك يرن جزمت أن شخصاً قد اتصل به على نفس نمرتك،
ومن المستحيل أن يحدث كل ذلك بدون محدث، وهذا يدل - دلالة عقلية قطعية - أنه لا
بد لكل فعل من فاعل. |
|
قال تعالى: {أَمْ خُلِقُوا
مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ ، أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ
وَالْأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ} وإذا كان الأمر كذلك فهل يعقل أن
يوجد هذا الكون بهذه المخلوقات بدون موجد؟ |
|
2- الفعل
مرآة لقدرة فاعله وبعض صفاته: |
|
إذا رأيت كراسة مسطرة تسطيراً دقيقاً مستوياً وبها كتابة
جميلة متقنة مستقيمة دلك ذلك على أن شخصاً ما قد كان على علم بصنع الورق ومقدرة
على صنعه، وأنه دقيق في تقدير المسافة التي تفصل بين كل سطر وآخر، وأنه - هو أو
غيره - يجيد القراءة والكتابة وعنده قدرة على فعل ذلك كله، وتجزم بعد ذلك أن هذه
الأمور تدل دلالة لا لبس فيها على قدرة ذلك الفاعل وعلامات واضحة لبعض صفاته،
انظر بعد ذلك إلى هذه المخلوقات التي تشاهدها تسير بدقة وإحكام من أكبر مخلوق في
السماء إلى أصغر ذرة من الرمل في الأرض ألا تدل على قدرة الخالق وترسم لك صورة
واضحة لبعض صفاته فتعرف من ذلك أنه قدير مريد حكيم عليم خبير مهيمن ؟ قال تعالى:
{أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ
وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ
اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ} |
|
وقال: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ
اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ
مُخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ
أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ. وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ
مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ
الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ} |
|
وقال: {أَفَلا يَنْظُرُونَ
إِلَى الْأِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَت وَإِلَى
الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ فَذَكِّرْ
إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ} |
|
وقال: {إِنَّ فِي خَلْقِ
السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ
الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ
مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ
فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ
بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}. |
|
3- (ليس
الفاعل من لا يملك القدرة على الفعل). |
|
الذي لا يملك القدرة على الفعل لا يسند إليه ذلك الفعل،
فإذا رأيت قتيلاً مرمياً على جانب الطريق وبجانبه طفل ولد لتوه ملقى على الأرض
فهل تستدعي الجنود المسئولين عن الأمن لاحتجاز ذلك الطفل وتقيم الدعوى عليه بأنه
قاتل ذلك القتيل ؟ كلا! لماذا، لأن الطفل لا يملك القدرة على قتل ذلك الشخص أو
غيره، وإذا رأيت قمراً صناعياً قد أطلق ليدور حول الأرض فإنك لا تسند إطلاق ذلك
القمر إلى حيوان - كالثور مثلاً - لأن الحيوان لا يملك القدرة على إطلاق ذلك
القمر، وهكذا…. |
|
ولننظر الآن إلى هذه المخلوقات العظيمة كالسموات والأرض وما
فيهما وما بينهما أيدور بخلدك إسناد خلقها وإيجادها إلى أي من هذه المخلوقات
التي هي في افتقار ذاتي إلى من يوجدها ؟ إنها كلها لا تملك القدرة على خلق نفسها
ولا خلق غيرها، وهذا الإنسان الذي بلغ شأواً بعيداً في الابتكار والاختراع
والاستفادة من كثير من هذه المخلوقات لم يقدر على أن يخلق حبة خردل أو جناح
بعوضة. |
|
فمن يستحق أن يسند إليه فعل هذه الأشياء وخلق هذه المخلوقات
؟ إنه الله الخالق البارئ المصور القادر المريد الحكيم: {هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ
الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ
وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} . {إِنَّ
الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ
اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ
مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ}. |
|
(يتبع) |