|
|
||||||
شعر شوقي في ميزان النقد
|
||||||
|
بقلم: فضيلة الشيخ محمد المجذوب |
||||||
|
المدرس بكلية الدعوة وأصول الدين بالجامعة |
||||||
|
|
||||||
|
ولد أحمد شوقي في مصر عام 1285 هـ وفيها توفي عام 1351 هـ، وتعتبر هذه
الفترة مطلع النهضة في حركة الشعر العربي الحديث، ويعد شوقي أكثر شعراء العربية
إنتاجاً، وقد أوتي شاعرية فياضة ومخيلة قوية دعمت بالعلم وغذيت بالأسفار، ووراء
ذلك طموح شديد إلى بلوغ أعلى ذرى القريض، فهو يحاكي عددا من أكابر شعراء العربية
والفرنجة ففي شعره قوة المتنبي وروعة البحتري، وعمق أبي تمام، ورقة ابن زيدون.
ويجاري من شعراء الفرنجة فيكتور هيجو في السياسة والتاريخ والأساطير، ولافنتين
في الحكايات الخرافية، وكرناي في المآسي التمثيلية هو يريد أن يبلغ شأوهم جميعاً. |
||||||
|
لذلك تعددت أغراض شعره، ففيه التاريخ والسياسة والاجتماع والدين والوصف
والغزل والمدح والرثاء والفخر والحكمة. وفيه الشعر التعليمي والتمثيلي. وهو في
كل أغراضه ذو طابع خاص يميزه عن جميع الشعراء، الذين حاول محاكاتهم، وإن كان
يشبههم في كثير من الخصائص. |
||||||
|
1- شعره السياسي: |
||||||
|
تتفاوت نظرة شوقي السياسية تبعاً لظروفه الشخصية وظروف الحياة العامة. |
||||||
|
ففي المرحلة الأولى من حياته - حياة القصر - يدور مع رأي ولي أمره فيعادي
خصومه ويصادق مؤيديه. لذلك نراه يحمل على أحمد عرابي ويعده خائناً: |
||||||
|
أهذا كل شأنك يا عرابي؟ |
صغار في الذهاب وفي الإياب |
|||||
|
وهو يعبر بذلك عن نظرة البلاط إلى عرابي. وبمثل ذلك يواجه (رياض باشا)
رئيس الوزارة لأنه أثنى على اللورد كرومر بكلمة أساءت إلى مصر وإلى الخديوي عباس
الذي كان شوقي شاعره: |
||||||
|
أضيف إلى مصائبنا العظام |
خطبت فكنت خطباً لا خطيباً |
|||||
|
وجرحك منه لو أحسست دامي |
لهجت بالاحتلال وما أتاه |
|||||
|
ولنستمع إليه يحمل على الأمير حسين واللورد كرومر والشيخ عبد الكريم
سلمان بمناسبة سفر كرومر إلى بلاده، وقد خطب هذا في حفلة أقيمت لوداعه فهاجم
الخديوي عباساً والمصريين على مسمع من حسين والشيخ دون أن يحركا ساكناً: |
||||||
|
فكأنك الداء العياء رحيلا |
لما رحلت عن البلاد تشهدت |
|||||
|
أدب لعمرك لا يصيب مثيلا |
أوسعتنا يوم الوداع إهانة |
|||||
|
مثلت فيه المبكيات فصولا |
في ملعب للمضحكات مشيد |
|||||
|
وتصدر الأعمى به تطفيلا |
شهد الحسين عليه لعن أصوله |
|||||
|
والمرء إن يجبن يعش مرذولا |
جبن أقل وحط من قدريهما |
|||||
|
ولكن من العجائب أن ينسى شوقي إساءة الأمير حسين هذا بعد حين، فيمدحه
ويمدح معه الإنكليز، الذين خلعوا سيده عباساً وجاءوا بحسين سلطاناً مكانه على
مصر. فيعتبر عمل الإنكليز هذا خدمة لمصر وحفظاً للوائها، ويشبههم بالمسلمين
الأولين ويسميهم الأحرار العادلين: |
||||||
|
أرقى الشعوب عواطفاً وميولا |
حلفاؤنا الأحرار ألا إنهم |
|||||
|
ساروا سماحاً في البلاد عدولا |
لما خلا وجه البلاد لسيفهم |
|||||
|
ملكاً عليها صالحاً مأمولا |
وأتوا بكابرها وشيخ ملوكها |
|||||
|
والأغرب من ذلك أن يتوارد في كلتا القصيدتين على رويّ واحد وبحر واحد دون
أن يتذكر تناقضه العجيب! |
||||||
|
ولكن شوقي لا يفوته أن يعتذر عن هذا التناقض بين أمس واليوم، فالذي يهمه
هو أن يظل الحكم في آل محمد علي لا فرق بين واحد وواحد منهم. لذلك يرى من الوفاء
أن ينصر كل ذي سلطان يقوم من أبناء إسماعيل: |
||||||
|
ولقد ولدت بباب إسماعيلا! |
أأخون إسماعيل في أبنائه |
|||||
|
وهكذا كان موقف شوقي من الأتراك فهو بدافع من عرقه التركي يرى الخلافة لا
تصلح إلا لهم، ويؤيد سياسة عبد الحميد فيعتبر عهده عهد الرحمة والعدالة والخير،
إلاّ أنه لا يرى بأساً أن تنتقل الخلافة إلى أخيه محمد رشاد بعد ذلك، فيبايع هذا
ويمدح الدستوريين الذين خلعوا عبد الحميد!. . لأن المهم في نظره أن يبقى السلطان
للأتراك، ولذلك نقم شوقي أول الأمر من الشريف حسين لثورته وتعاونه مع الإنكليز،
ولما ألغى مصطفى كمال الخلافة خشي أن توسد إلى الشريف حسين، فأخذ يحذر المسلمين
من ذلك، ويصف الشريف حسيناً بالمعجز والإضرار للمسلمين: |
||||||
|
عزل يدافع دونه بالراح |
لا تبذلوا برد النبي لعاجز |
|||||
|
واليوم مدّ لهم يد الجراح |
بالأمس أوهى المسلمين جراحة |
|||||
|
وعلى الرغم من انقطاع
علاقة الأتراك بمصر والبلاد العربية ظل شوقي متصل القلب بهم يراقب
حوادثهم، وبهذا الحافز اندفع إلى مدح مصطفى كمال عند انتصاره على اليونان،
بقصيدة عارض بها (عمورية) أبي تمام، فكانت صورة عن عواطفه نحو الأتراك، وترجماناً
عن شعوره العميق بالأخوة الإسلامية التي لا تفرق بين جنس وجنس: |
||||||
|
يا خالد الترك جدد خالد العرب |
الله أكبر كم في الفتح من عجب! |
|||||
|
على الصعيد وخيل الله في السحب |
يوم كبدر فخيل الحق راقصة |
|||||
|
بدرية العود والديباج والعذب |
غر تظللها غراء وارفة |
|||||
|
من سكرة النصر لا من سكرة النصب |
نشوى من الظفر العالي مرنحة |
|||||
|
مشي المجلى إذا استولى على القصب |
حتى تعالى أذان الفتح فاتأدت |
|||||
|
2- التطور في أفكاره السياسية: |
||||||
|
على أن تبدل الأوضاع السياسية في البلاد العربية والإسلامية عقيب الحرب
العالمية الأولى أثر في عقلية شوقي تأثيراً كبيراً، فقد عاد شوقي من منفاه في
الأندلس بعد الحرب، فوجد كل شيء قد تغيّر، فقل اتصاله بالقصر، ويئس من موقف
الأتراك بعد إلغائهم الخلافة، فأتيح له بذلك أن يلتفت إلى الشعب المصري وأن
يتأثر بحوادث النضال الوطني في البلاد العربية. وهكذا بدأ مرحلته الجديدة كشاعر
[1] للمجتمع، ومذ ذلك العهد أقبل شوقي على الاهتمام
بقضايا الشعب المصري والأمة العربية، يسجل آلام العرب وآمالهم وكفاحهم في شعر وجداني
رفيع. |
||||||
|
وقد تفتقت بواكير حنينه إلى وطنه أثناء نفيه عنه، ففي المنفى نظم شوقي
طائفة من أروع شعره الوطني الخافق
بالعواطف: |
||||||
|
أو أسا جرحه الزمان المؤسى ! |
وسلا مصر: هل سلا القلب عنها |
|||||
|
نازعني إليه في الخلد نفسي |
وطني لو شُغِلْتُ بالخلد عنه |
|||||
|
وهكذا اتجه همّ شوقي إلى الدفاع عن مصر وحريتها، فيرسل أشعاره الثائرة
هجوماً على الأجنبي وتنديداً بأعماله، وإثارة للأحزاب المصرية إلى التعاون ونبذ
التخاصم: |
||||||
|
وهذي الضجة الكبرى علام؟ |
إلام الخلف بينكم إلام |
|||||
|
وتبدون العداوة والخصاما؟ |
وفيم يكيد بعضكم لبعض |
|||||
|
وفي هذا الجو الجديد من حياة شوقي ينسى حملته على الشريف حسين بالأمس،
ويرثيه بقصيدة من خير شعره، حتى ليَشغَل بمأتمه السماء والأرض: |
||||||
|
قام فيها أبو الملائك هاشم |
لك في الأرض والسماء مآتم |
|||||
|
وبديل التهم الجارحة التي وجهها إليه في خروجه على الخلافة يعود الآن
ليفرغ على عمله طابع القداسة، فيشبهه بالحق الذي يؤلف بين المؤمنين: |
||||||
|
ن وزاد ائتلافهم وهو نائم |
أنت كالحق ألف الناس يقظا |
|||||
|
ويعتبر ثورته إلى جانب الإنجليز موقفاً يستحق أحسن المديح: |
||||||
|
لم يقفه للعرب قبلك خادم |
حبذا موقف غلبت عليه |
|||||
|
ولذلك لا يرى كفؤاً لغسله إلا وضوء النبيين، ولا لتكفينه إلا رقعا من مواضع
صلواتهم، ولا يصلح لضم جثمانه إلا نعش مؤلف من أعواد المنبر النبوي، ولا لحمله
إلا ظهر البراق الذي كان مركب الرسل من قبل: |
||||||
|
سل كالورد في رباه البواسم |
اغسلوه بطيب من وضوء الر |
|||||
|
رقعة كفنوا بها فرع هاشم |
وخذوه من وسادهم في المصلى |
|||||
|
عوداً ومن شريف القوائم |
واستعيروا لنعشه من ذرى المنبر |
|||||
|
فقد جل عن ظهور الرواسم |
واحملوه على البراق إن اسطعتم |
|||||
|
على أن أروع ما انطوت عليه تلك القصيدة حديثه عن واقع المسلمين تحت أوزار
الاستعمار، وما خبره من مغامرة المرثي في نصرة هؤلاء الأراقم: |
||||||
|
كيف غامرت في جوار الأرقم |
قم تحدث أبا علي إلينا |
|||||
|
حمل في وليمة الذئب طاعم |
كلنا وارد السرّاب، وكل |
|||||
|
ووردنا الوغى فكنا الغنائم |
قد رجونا من الغنائم حظاً |
|||||
|
وأكثر ما يتجلى هذا التطور في قصائده التي يسجل بها كفاح دمشق وسورية في
طلب الحرية،ومن أشهر شعره الجديد قصيدتاه عن دمشق (سلام من صبا بردى..) و(قم ناج
جلق. .) وفي كليتيهما يقف شوقي موقف المؤرخ الواصف الناصح المحرض: |
||||||
|
ومرضعة الأبوة لا تعق |
ألست دمشق للإسلام ظئرا |
|||||
|
وألقوا عنكم الأحلام ألقوا |
بني سورية اطّرحوا الأماني |
|||||
|
بألقاب الإمارة وهي رق |
فمن خدع السياسة أن تغروا |
|||||
|
فإن رمتم نعيم الدهر فاشقوا |
وقفتم بين موت أو حياة |
|||||
|
بكل يد مضرجة يدق |
وللحرية الحمراء باب |
|||||
|
وهكذا أصبح شعر شوقي وتراً حساساً يسجل جميع الاهتزازات التي تعتري
البلاد العربية فلا تجد حادثة من حوادثها السياسية إلا تركت آثارها في قلبه
وشعره, فهو بذلك صاحب فكرة توجيهية تستهدف بعث الحمية بتذكير العرب ماضيهم
المجيد، ودفعهم إلى بناء حاضرهم الجديد، وإلى هذا يشير بقوله: |
||||||
|
ق وكان العزاء في أحزانه |
كان شعري الغناء في فرح الشر |
|||||
|
وليس الشرق في نظر شوقي إلا وطن العرب والإسلام، تربطه به روابط اللغة
والتاريخ ثم الآلام والآمال المشتركة: |
||||||
|
ولكن كلنا في الهم شرق |
نصحت ونحن مختلفون داراً |
|||||
|
بيان غير مختلف ونطق |
ويجمعنا - إذا اختلفت بلاد- |
|||||
|
3- شعر شوقي الاجتماعي: |
||||||
|
والاجتماعيات عند شوقي ممزوجة بشعره السياسي والتاريخي أو
مستقلة في قصائد خاصة، وقد أفرد لهذه الأغراض الثلاثة باباً خاصاً في ديوانه. |
||||||
|
وتتفاوت أساليب شوقي في الاجتماعيات، فبعضها أناشيد للأحداث، وبعضها
حكايات خرافية على ألسن الحيوان, وبعضها الآخر يتناول موضوعات عامة ممّا يتصل
بحياة المجتمع مباشرة، كالمرأة والتعليم والعمال والأخلاق والعلاقات الدينية
وغير ذلك. |
||||||
|
أ- المـرأة: كان موضوع المرأة :تعليمها وحجابها وسفورها من مشاكل العصر
أيام شوقي, لذلك لم يجد مندوحة عن الكلام في هذا الشأن فهو يرى أن تعليم المرأة
أمر لابد منه لإنشاء الجيل الصالح: |
||||||
|
رضع الرجال جهالة وخمولا |
وإذا النساء نشأن في أمية |
|||||
|
هم الحياة وخلفاه ذليـلا |
ليس اليتيم من انتهى ابواه |
|||||
|
أماً تخلت أو أباً مشغـولا |
إن اليتيم هو الذي تلقى لـه |
|||||
|
و يا ليته وقف عند مثل هذه الجوانب الهامة من قضية المرأة, فوعظ وأرشد
وأصلح, ولكنه لم يستطع فزج بنفسه إلى مواقف لم يحسن التخلص منها, إذ راح أولاً يؤيد ميول البلاط بالدفاع عن
الحجاب, ثم لم يلبث أن انساق في التيار الذي ألفه في أوروبة والبوسفور, فانقلب
يزين للمرأة سبيل الزيغ, الذي بدأ في مصر منذ الاحتلال الفرنسي, ثم استأنف سيرته
على يد السافرة الأولى هدى شعراوي... |
||||||
|
ب-الدين في شعر شوقي :
ويرى شوقي كيف يستغل الأجنبي الفوارق الدينية بين أبناء وطنه, فيهاجم التعصب
ويدعو إلى الأخوة, ويلفت نظر المواطنين إلى الأهداف الإنسانية المستركة بين
المسيحية والإسلام, صيانة للمجتمع من التفكك الذي يسهدفه العدو. وكثيراً ما يكرر
شوقي هذه المعاني توكيداً لها, كما يفعل في مدح السيد المسيح والإشادة برسالته
الإنسانية القائمة على المحبة والرحمة: |
||||||
|
والمروءات والهدى والحياء |
|
ولد الرفق يوم مولد عيسى |
||||
|
من الفجر في الوجود الضياء |
|
وسرت آية المسيح كما يسري |
||||
|
وكما تعثر شوقي في ميدان المرأة أخذه (الشطح) في ميدان التزلف إلى
أصدقائه من النصارى, فأكثر من التعابير النصرانية, وخص الصليب بالكثير من
الرعاية في أكثر من قصيدة.. حتى إن المدقق في معانيه هذه لا يكاد يحس فرقاً بين
لهجته تلك ولهجة أي نصراني يؤمن بهذه المصطلحات. |
||||||
|
ولا غرابة فشوقي مأخوذ بجواذب البيئة التي افتعلها السياسة في مصر وغير
مصر من البلاد العربية، التي حاول رجال السياسة المسلمون فيها إحباط المساعي الاستعمارية
لاستغلال الأقليات المسيحية، فراحوا يتزلفون إلى هذه الأقليات بكل ما يظنونه
محققاً لأهدافهم الوطنية. . . ولو أدى ذلك إلى تقديس ما يعتبر في عقيدتهم
الإسلامية من المنكرات بل المكفرات . . . |
||||||
|
وبمثل هذا الاندفاع غير الواعي استسلم شوقي لبعض الأفكار غير السليمة في
مدائحه النبوية، فشوه جمالها بتلك الانحرافات، التي التقطها من ألسنة (الدراويش)
وكتبهم . . دون أن يسمح لعقله بالتفكير في محتوياتها الشاردة عن نطاق التوحيد . . وحسبنا أن نشير من
ذلك إلى قوله - في نهج البردة - مخاطباً رسول الله صلى الله عليه وسلم: |
||||||
|
مفرج الكرب ف الدارين والغُمَمِ |
|
ألقى رجائي - إذا عز المجير - على |
||||
|
قدمت بين يديه عبرة الندم |
|
وإن تقدم ذو تقوى بصالحة |
||||
|
وقد نسي شوقي في غمرة التقليد ألا مفرج لكرب إلا الله، وأن عبرة الندم لا
تكسب إلا بين يديه سبحانه.. كما علمنا رسوله صلوات الله وسلامه عليه. |
||||||
|
وأبعد في التقليد من ذلك قوله في همزيته: |
||||||
|
ومن المديح تضرع ودعاء |
|
ما جئت بابك مادحاً بل داعياً |
||||
|
في مثلها
يلقى عليك رجاء. |
|
أدعوك عن قومي الضعاف لازمة |
||||
|
ومثل شوقي لا يعذر إذا جهل قول رسول الله صلى الله عليه وسلم:" الدعاء هو العبادة ", و " الدعاء مخ العبادة ", ولكنه التقليد
الضرير الذي يحشر العقلاء في زمرة
السفهاء. |
||||||
|
ولعل وصفه رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الهمزية بمثل قوله: |
||||||
|
لولا دعاوى القوم والغلواء |
|
الاشتراكيون أنت إمامهم |
||||
|
لا يقل تخبطاً عن زلاته تلك، فهو بهذا النعت يسيء إلى رسول الله صلى الله
عليه وسلم من حيث يظن أنه يمدحه، كأولئك {الَّذِينَ
ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ
يُحْسِنُونَ صُنْعاً}. وليت شوقيّا تأخرت به الأيام إلى عهود
(الثوريات الاشتراكية) وشاهد ما لقيت أمته على أيدي هؤلاء الاشتراكيين من الذل
والعار والضياع . . إذن لعض يديه ندماً على ما فرط. . ولحاول تدارك ما تفلت به
لسانه بقصائد تكفر بعض هاتيك السيئات. |
||||||
|
ومما يلفت النظر ف هنوات شوقي هذه أنها تلاحقه في معظم إسلامياته حتى
ليقول للسلطان عبد الحميد عليه رحمة الله: |
||||||
|
وحمدك يا أمير المؤمنينا |
|
بحمد الله رب العالمينا |
||||
|
فيسوي في استحقاق المحمدة بينه وبين الله عز وجل، دون أن يفطن لخطر
التعبير، الذي حذر منه رسول الله عليه وسلم أشد التحذير، حين قال للرجل الذي سوى
بين مشيئة الله ومشيئة رسوله: "أجعلتني لله ندا؟
. . . قل ما شاء الله ثم شئت". |
||||||
|
4- شوقي والعمال: |
||||||
|
ويدعو شوقي لإتقان العمل، ويرى أن العمال المتقين هم عمار الأرض، لذلك
يحث عمال مصر على الجد والإتقان، ويذكرهم بماضي أجدادهم وما تركوه من آثار
عمرانية رائعة، ليستعيدوا بعزائمهم ذلك العهد المجيد: |
||||||
|
أيها العمال : أفنوا العمر . . . . . كداً واكتساباً |
||||||
|
واعمروا الأرض فلولا . . . سعيكم أمست يبابا |
||||||
|
إن للمتقـين عنـد الله والنـاس ثوابـا |
||||||
|
أرضيتـم أن تـرى مصر من الفن خرابـا |
||||||
|
بعدمـا كانت سماء للصناعـات وغابـا |
||||||
|
5- الأخلاق في نظر شوقي: |
||||||
|
كان شوقي كثير الدعوة إلى الأخلاق يراها الأساس الأول لقوة الأمة، وقد
حرص على تريد هذه الدعوة في كثير من قصائده، ومن مشهور أقواله في ذلك: |
||||||
|
فإن هُم ذهبت أخلاقهم ذهبوا |
|
وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت |
||||
|
وهذا الرأي في قيمة الأخلاق دعاه إلى مخافة القول المألوف (الحق للقوة)
إذ راح يذكر القائد الصليبي الجديد، اللورد (اللنبي) بأن للحق لا للقوة الغلبا.
. |
||||||
|
وهناك قصائد عديدة من شعر شوقي الاجتماعي يتغلغل بها إلى صميم القضايا
الاجتماعية الوطنية والإنسانية تتفاوت في مقدار حظها من الجمال. ومن أروعها
قصيدة (مصاير الأيام) وفيها يتحدث عن حياة الطفولة والمدرسة، و (مملكة النحل)
وفيها يضرب المثل للجد وأثر العمل في ميزان الحياة. |
||||||
|
وبالإجمال فشوقي في شعره الاجتماعي مصلح يريد الأمة قبل الفرد. وقد بلغ
من أمره هذا ما جعله شاعر الشعب بل شاعر الشرق الإسلامي كما يقول أحد دارسيه. |
||||||
|
6- شعره الوصفي: |
||||||
|
للوصف في شعر شوقي نصيب كبير وفي وصفه روائع حلق بها إلى آفاق بعيدة،
ويعتبر من أبرع الوصافين في عصر النهضة وبخاصة من حيث الصور المادية التي كان
بها أكثر توفيقاً منه في الصور المعنوية. |
||||||
|
ومن وصفه القديم كوصف الخمرة والمرأة والطبيعة، ومنه الحديث كوصف الرقص
والطيارة والغواصة وحضارة الغرب، وقد تناول في وصفه بعض الموضوعات المطروقة من
قبل فأخرجها في صور جديدة بارعة،، كوصفة آثار الفراعنة والحرب والمدن المنكوبة،
وهو غني الصور في وصفه يمتاز بسعة الخيال ووفرة الألوان، ولعل أفضل وصفه ما قصد
به إلى العبرة والموعظة، كوصفه نكبة دمشق والمسجد الأموي وقصر الحمراء. |
||||||
|
ولقد فتن شوقي بجمال دمشق فهو يراها جنة من جنان الله، بل هي بالنسبة
للأرض حديقتها التي تسكب عليها الجمال، وبردى في نظره حارس هذه الجنة، يخرج
مصفقاً لاستقبال نزلائها، أما غوطتها فهي زمردة خضراء، وليست منتزهاتها إلا
ملاعب ومسارح. . . |
||||||
|
كما تلقاك دون الخلد رضوان |
|
جرى وصفق يلقانا بها بردى |
||||
|
والشمس فوق لجين الماء عقيان |
|
دخلتها وحواشيها زمردة |
||||
|
حُور كواشف عن ساق وولدان |
|
والحَوْر في دمّر أو حول هامتها |
||||
|
الساق كاسية والنحر عريان |
|
وربوة الواد في جلباب راقصة |
||||
|
لدى ستور حواشيهن أفنان |
|
وقد صفا بردى للريح فابتردت |
||||
|
هكذا يمضي شوقي في هذا الوصف المترف لدمشق، فيجمع فيه من الألوان والظلال
وصور البهجة واللهو ما يعبر عن طبيعته المشبعة بالترف النزاعة إلى اللذائذ. |
||||||
|
وإذا وقف شوقي أمام آثار مصر القديمة غَمَره الخشوع، وتفاعلت نفسه
بذكريات حزينة على مجد ضائع، فيعرض ما يراه من تلك الآثار ممزوجاً بأحاسيسه
النفسية، في صور دقيقة تفرغ الحياة على تلك الجمادات. فلنستمع إليه يصف هيكل أنس
الوجود بأسوان وقد غرق بعضه في الماء، وانتصب بعضه في الفضاء: |
||||||
|
كالثريا تريد أن تنقضا |
|
أيها المنتحي بأسوان داراً |
||||
|
لا تحاول من آية الدهر غضا |
|
اخلع النعل واخفض الطرف واخشع |
||||
|
ممسكاً بعضها من الذعر بعضا |
|
قف بتلك القصور في اليم غرقى |
||||
|
وشباب الفنون ما زال غضا |
|
شاب من حولها الزمان وشابت |
||||
|
وليست أطلال العرب بأقل أثراً في نفس شوقي من أطلال الفراعنة، ففي
كلتيهما ما يوقظ أساه على هذه الأمة، التي خسرت أمجادها ، فلم يبق لها منها سوى
هذه الأطلال المحركة لعميق الذكريات. |
||||||
|
هاهو ذا يصف قصر الحمراء في الأندلس، فتكاد تلمح الدموع تجول في مقلتيه،
وتسمع الآهات تسيل على شفتيه: |
||||||
|
ء مَشْيَ النعِيِّ في دار عرس |
|
مشت الحادثات في غرف الحمرا |
||||
|
سدة الباب من سمير وأنس |
|
هتكت عزة الحجاب وفضت |
||||
|
مقفر القاع من ظباء وخُنس |
|
وترى مجلس السباع خلاء |
||||
|
كلة الظفر لينات المجس |
|
مرمر قامت الأسود عليه |
||||
|
وكدأبه في مثل هذا الموقف تتداعى في خياله صور الماضي ممزوجة بعبر
الحاضر، فيعرض هذا المشهد التاريخي الرهيب لخروج آخر فوج لمسلمي الأندلس: |
||||||
|
عن حفاظ كموكب الدفن خُرس |
|
خرج القوم في كتائب صم |
||||
|
تحت آبائهم هي العرش أمس |
|
ركبوا بالبحار نعشاً وكانت |
||||
|
فهذا وصف دقيق عميق، تمتزج فيه المعنويات بالمحسوسات، امتزاجاً حياً
مؤثراً يبعث الروح في أطلال الماضي بما فيها من الروعة والرهبة. |
||||||
|
أما وصفه لمظاهر المدنية الحديثة، فلا نكاد نلمس من خلاله ما ألفناه من
ذلك التأثر العميق الذي نحسه في وصفه لآثار العرب والفراعنة, أنظر إليه يصف
الغواصة تجده يدقق في وصف خطرها، وتتبع حركاتها، وسرعة عملها، دون أن تحس بحرارة
العاطفة: |
||||||
|
لجج السند وخلجان الخزر |
|
بعث البحر بها كالموج من |
||||
|
ليس دون الله تحت الليل سر |
|
ضربتها وهي سر في الدجى |
||||
|
ونزت جنباً وناءت من أُخر |
|
وجفت قلباً وخارت جوء جؤاً |
||||
|
فأتاها حَيْنها فهي خبر |
|
طُعنت فانبجست فاستصرخت |
||||
|
فهو وصف معركة بين الغواصة والسفينة يروعنا بقوة تعبيره دون تأثيره. |
||||||
|
ومثل ذلك ما نراه في وصفه للطائرة، فهي لا تخرج عن كونها مركباً عجيباً،
أشبه بالجواد، ملجماً مهيأ للركوب في كل لحظة: |
||||||
|
كان إحدى معجزات القدماء |
|
مركب لو سلف الدهر به |
||||
|
يا لها إحدى أعاجيب القضاء |
|
نصفه طير ونصف بشر |
||||
|
كامل العدة مرموق الرواء |
|
مسرج في كل حين ملجم |
||||
|
7- الرثاء في شعر شوقي: |
||||||
|
أكثر شوقي من الرثاء حتى عيب عليه ذلك فرد عن نفسه مدافعاً:
|
||||||
|
أأملت عند الراحلين الجوازيا؟ |
|
يقولون: يرثي الراحلين فويحهم |
||||
|
لم يتكسب برثائه ولكنه لم يرث بدافع من الحزن وحده، بل هناك دوافع شتى، كالمجاملة وحب الشهرة, ومرثيوه من طبقات مختلفة, سياسيون وأدباء وأجانب. . ومن خصائص رثائه ضعف العاطفة - حتى في أبويه - ثم التفلسف وكثرة الحكم، تقليداً للقدامى. فهو رثاء عقلي واعٍ، يقوم على هذه العناصر مضاف | ||||||