|
|
|
الدعوة العامة لتحديد النسل ينكرها الإسلام |
|
بقلم: فضيلة الشيخ حسنين محمد مخلوف |
|
مفتي الديار المصرية سابقاً |
|
|
|
تحديد النسل أو كما يسمونه تنظيم النسل
ودعوة الأمة إليه بصفة عامة مشروع خطير تجذبته الأفكار والأقلام منذ سنين ولم
يثره بادئ الرأي عندنا إلا الاستعماريون حين أفزعهم تزايد السكان وأقلقهم نموّ
الأمة ويقظة الشعور العام فيها إلى أساليب الاستعمار في البلاد المستعمرة
والتنبه العام إلى ما له من فادح الأخطار على البلاد ومناداة الشعوب في كل
الأقطار العربية بضرورة تحريرها وتخلصها من شروره ومفاسده، فنادوا في طول البلاد
وعرضها بالخوف من المجاعة الجائحة إذا استمر تزايد السكان ولم يحدد النسل بطريقة
حاسمة وعمدوا إلى خداع العامة (باسم الدين) فزعموا أن الإسلام يبيح هذا التحديد
بصفة عامة، بل قال قائلهم وهو مدرس جامعي عن عمد أو خطأ:" إن إباحة الإسلام
العزل من الزوجات شرعاً دليل على إباحته تحديد النسل بصفة عامة. |
|
فبينّا لهم في أكثر من مقال: أن من أهم
مقاصد التشريع الإسلامي تكثير سواد الأمة ونموها على ممر الدهور حتى تواجه
الأحداث والخطوب بقوى عاملة وتستثمر خيرات البلاد بكثرة كادحة وتقف في وجوه
الأعداء بجيوش حاشدة على التوالي إمداد متتابعة إذا جد الجد، وقديماً قالوا:
إنما العزة للكاثر. |
|
لذلك أوجب الإسلام على أهله الكسب والعمل
والجد في الحياة وفي استنباط وسائل العيش الرغيد للأمة بطريق الزراعة والتجارة
والصناعة والتوسع فيها واستخدام أقوى الوسائل وأفضلها إلى غاية الطاقة، وجعل كل
فرع من فروعها من فروض الكفايات حتى تستغني الأمة بخيراتها ومنتجاتها عن كثير
مما تستورده من غيرها، وتعز بكثرتها أمام تلك القوى التي تنافسها أو تنصب لها
العداوة وتدبر لها الشرور والمكائد وعوامل الضعف والذلة. |
|
ولما كان ذلك لا يتم إلا بالأيدي العاملة
والعقول المفكرة والجماعات القوية المتعاضدة رغب الشارع في كثرة النسل وحث فقال
صلى الله عليه وسلم:"تزوجوا الودود الولود فإني
مكاثر بكم" وقال: "تناكحوا تناسلوا
تكثروا فإني مباه بكم الأمم يوم القيامة" ونهى عن الجب والخصاء
والترهب وهجر النساء تبتلا لمنافاة ذلك للغرض الأسمى الذي دعا إليه. |
|
ورغّب في الزواج وأباح تعدد الزوجات بشرطه المشروع. |
|
فحين دعا الإسلام إلى كثرة النسل لهذه الحكم
والمقاصد قرر بجانب ذلك وجوب العمل بمختلف الوسائل لإنماء الموارد الاقتصادية في
البلاد علاجاً لما يتوقع من تزايد عدد السكان وهو العلاج الصحيح الذي يجمع بين
قوة الأمة والعمل على توفير حاجتها الضرورية للحياة. |
|
وإن الأمة لا تسعد إلا بهما ولا تهنأ إلا في
ظلهما. |
|
وإن في دعوة الأمة إلى تحديد النسل بصفة
عامة إذا هي استجابت لها (وما أظنها تفعل) كل الخطر عليها، فيها ضعفها
وانكماشها، فيها ذلتها، واستصغارها، فيها إغراء الأعداء بها، وتمكين الاستعمار
من الطمع فيها، بتوالي الزمن والعجز عن استثمار خيرات البلاد بأيدي أبنائها لقلة
العدد ووفرة الخيرات كما هو واقع في بعض الأقطار العربية. |
|
ونكرر مرة أخرى أننا حينما نريد للأمة نمواً
في العدد نريد منها جداً واجتهاداً في العمل وعلماً نافعاً ينير لها الطريق فيما
تعمل وإن تضاعف الجهود كلما تزايد العدد فإذا سلكت هذا السبيل لا يضيرها تزايد
عددها بل يعينها على ما هي بسبيله. |
|
أما الكلام عن العزل الذي أشار إليه بعض
الكاتبين وحسبه حجة له فمع أن في جوازه خلافا (كما يعلم من مراجعة أقوال الفقهاء
والمحدثين فيه) لم يكن في الإسلام دعوة عامة إليه في أي عصر من العصور من عهد
النبوة إلى الآن، كما يدعون اليوم إلى التحديد بصفة عامة وهذا كاف في رد
الاحتجاج به في هذا الموضوع. |
|
وقد قلنا مراراً أن هناك حالات فردية خاصة
تدعو إلى منع الحمل كما تدعو إلى العزل وهذه لا شك في إباحتها فإن الضرورات تبيح
المحظورات شرعاً كما أباحت للمريض الفطر في رمضان والصلاة قاعداً عند العجز عن
القيام وترك الحج لعدم الاستطاعة الجسمية مع وفرة المال، وكما رخصت في أكل
الميتة للمضطر ونحو ذلك. |
|
ولا يمكن أن تكون هذه الإباحيات والرخص إلا
خاصة بأرباب الأعذار. |
|
وهل يعقل أن الشارع يدعو دعوة عامة إلى كثرة
التناسل وفي الوقت نفسه يبيح الدعوة العامة إلى تحديد النسل؟ |
|
أليس هذا تناقضاً محالاً عليه؟ |
|
والأجدر بالقائمين بهذه الحملة الصاخبة
لتحديد التناسل أن يوجهوا جهودهم للدعوة إلى الاستزادة من العلم والإنتاج والقوى
والجهود لاستخراج كنوز الأرض وذخائرها ومقاومة أعداء الإسلام وهم الكثرة
المتعاضدة المتساندة في القضاء عليه وعلى أهله في أقطارهم. |
|
والله يوفق الجميع إلى ما فيه الخير
والصلاح. |
حول الدعوة العامة الضالة
لتحديد النسل
|
|
(السؤال): نشر هذا السؤال وجوابه بجريدة
منبر الشرق في 23 مارس سنة 1956م. |
|
فضيلة الأستاذ الشيخ حسنين محمد مخلوف، مفتي
الديار المصرية السابق. |
|
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. |
|
وبعد: قلما كان من الصعب العسير على النفس
المؤمنة التي لا تقبل الحكم على الأشياء إلا عن عقيدة وإقناع، قبول القول بجواز
تحديد النسل خشية الفقر بعد قول الله تعالى: {وَمَا
خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ. مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ
رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ. إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو
الْقُوَّةِ الْمَتِينُ} وقوله: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ
فِي الأَرْضِ إِلا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا}، وقوله: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ
مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ
إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً}, وقوله
في أولي الألباب: {وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا
أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ
الْحِسَابِ}، وقوله: {قَدْ خَسِرَ
الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا
رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا
مُهْتَدِينَ}، وقوله: {وَعَسَى أَنْ
تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ
شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ شيئاً},
وقول النبي الكريم: "تزوجوا الولود الودود فإني
مكاثر بكم" ، وقوله: "تناكحوا
تناسلوا تكاثروا فإني مباه بكم الأمم يوم القيامة" ، وقوله: "سوداء ولود خير من حسناء عقيم", إلى غير
ذلك من النصوص الصريحة التي توجب تفويض أمر الخلق إلى الله رب الخلق والأمر، فهو
يعلم ما في الأرحام ويخلق ما يشاء ويختار {يَهَبُ
لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ أَوْ يُزَوِّجُهُمْ
ذُكْرَاناً وَإِنَاثاً وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيماً}, ثم هو يحيى ويميت ويبسط الرزق لمن يشاء
ويقدر. ولا تسمح النصوص بجعل الفقر سبباً لتحديد النسل لأنه عرض زائل والأيام
دول بين الناس، وإنما تدعو إلى السعي وعدم التواكل والعمل على تكثير النسل
وتوجيهه في رحاب الدين إلى العمل المنتج لخير البلاد والعباد. وبهذا يضع الإسلام
الحل العادل لمشكلة تزايد السكان التي قذفت في قلوب المستعمرين الرعب وأطاحت
بأطماعه، تلك التي شاءوا بها القضاء على وحدة العرب وقوتهم، والله غالب على
أمره. ولما كانت الدعوة إلى تحديد النسل خشية الفقر يُراد أن تكون دعوة عامة
إليه لوجود الأغنياء قلة بين الأغلبية العظمى من الفقراء، وهو أمر مشهود معروف
مع توافر النسل في الفقراء وقلته بين الأغنياء ، وفي هذا التحديد شبه العام قضاء
على كيان الأمة وإذهاب لريحها، وعدوان صارخ على حرية الإنسان وحق الأسرة لم يقل
به قرآن ولا سنة ولا إجماع. |
|
ولما كان قصر التحديد فيما قالوا على
الفقراء بحجة وجود الفساد والتشريد في نسلهم، وَوَلَدان في رأيهم خير من ثمانية،
وهذا أمر لا يستسيغه عقل، فقد نرى الأكثرية من الفقراء أحرص الناس على حياة
دينهم ودنياهم وفي نشئهم الأمل الوضّاء الحافل بجمال العلم ونهضة العمل وجلال
الإيمان والجهاد، بينما نرى العكس في أغلبية نشء الأغنياء على قلته، وكم رأينا
الأيتام ذوي الفقر والفاقة قد أصبحوا سادة وقادة، بينما انتكس الحال في غيرهم من
ذوي اليسار والقوة والجاه. |
|
على أننا لا ندري كيف السبيل إذا ما أصيبت
المرأة ذات النسل بعد إجراء التحديد بعقم ثم مات نسلها. . . علّنا نظفر بعقار
جديد ضد الموت. . . وبهذا نُبقي على عُدة الوطن وأجيال المستقبل، - ويا ترى هل
التحديد يكون قصراً على زوجة ذات نسل طلقت أو عاشت ما قدر الله لها أن تعيش ثم
قضت نحبها بالموت، أم يتناول الأخرى بعد أن تأتي بما فوق العدد؟ . . . أم تستأصل
منها عوامل الحمل منذ بدء حياتها الزوجية فتحرم النسل وحينئذ ما ذنبها؟ . . لعل
أيسر طريق أن يعيش من فقد زوجته ذات نسل في رهبنة. . ولكن لا رهبانية في
الإسلام. |
|
وإذا كان يرى بعض القائلين بجواز التحديد ما
يصيب فكرة القائلين بعدمه استنتاجاً من قول الله تعالى: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ}، وقوله:
{اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ
وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ
وَالأَوْلادِ} ، فإن الذي نلقى الله عليه أن المأخوذ من هذا القول
الكريم تصوير الدنيا في صورتين: |
|
أولاهما: مذمومة حقير شأنها إذا ما كاثر
الناس فيها بالأموال والأولاد ابتغاء الافتخار والخيلاء والاسترسال في الشهوات
والسخرية من الناس وتعدي الحدود إلى كل ما يوجب سخط الله وغضبه وعقابه. والحياة
بهذه الصورة فتنة ومتاع الغرور والخسران، وفي هذا يقول الله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ
أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ
فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ}، والأخرى محمودة لدى العقلاء مرغوب
فيها، يدعو إليها ربنا بقوله: {وَسَارِعُوا إِلَى
مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ
أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ
وَالضَّرَّاءِ.. الخ} ، {يَا أَيُّهَا
الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ
أَلِيمٍ، تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ.. الخ}. وهي دعوة صريحة إلى المبادرة
للحصول على مغفرة الله والرضوان باتخاذ وسائل الحياة من الأنفس والأموال قربات
عند الله شكراً له على ما أنعم، واستمتاعاً بتلك الزينة التي أخرج لعباده
والطيبات من الرزق اعترافاً بفضله وواسع كرمه. وإذا لم يكن كذلك فعلى أي أساس
يقوم العمران، وبأي وسيلة يكون التعاون على البر والتقوى، وما الذي يؤخذ من قوله
تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ
مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ
وَعَدُوَّكُمْ }. |
|
ألم يكن القصد واضحاً في قوله تعالى: {قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ
وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ..الخ}… وهو إنذار واضح لكل من لم يتوجه بكل هذه الوسائل
إلى الله حباً فيه ووقفاً على الخير في سبيل مرضاته. |
|
ولما كان العزل مختلفاً في حكمه وعند
القائلين بالإباحة رخصة في الحالات الفردية الاضطرارية كما في حالة ثبوت عدم
قدرة الزوجة على احتمال الحمل ثبوتاً طبياً صحيحاً, فهو إذن رخصة جزئية لا يمكن
أن تكون عامة أو شبه عامة، كإباحة التحديد خشية الفقر لغلبة حاله على عموم الأمة
إلا النسبة الضئيلة من الأغنياء. |
|
وإذا صح قول عمرو بن العاص الصحابي:"وإياكم
وكثرة العيال فإنهم يثقلون الظهر", على فرض حمله على هذا الوجه فإن أبا بكر
الصديق وهو من عُرف برجاحة إيمانه في الأمة وعلو كعبه بين صحابه الرسول قد كره
العزل، لأن فيه تقليل النسل وقطع اللذة عن الموطوءة، ومن القائلين معه بالكراهة
من الصحابة الأجلاء عمر وعلي وابن عمر وابن مسعود. (راجع المغني لابن قدامة جزء 7/
صفحة23). |
|
فلهذا . . . أرفع إلى فضيلتكم وأنتم من حماة
الدين وعلمائه الأبرار هذا الخطاب، رجاء التكرم بكشف اللثام عن هذا الأمر الخطير
ببيان قاطع في الموضوع على صفحات (منبر الشرق) {لِيَهْلِكَ
مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ}. |
|
والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. والسلام
عليكم ورحمة الله وبركاته. |
ابنكم
|
نظمي متولي أحمد العسال
|
بميت غمر بالديار المصرية
|
|
الجواب: |
|
ورد إلينا هذا السؤال وطلب محرره الفاضل
الجواب عليه، وما أتممت قراءته حتى وجدت في طيه الجواب الشافي والبيان الكافي،
ووجدته مطابقاً لما سبق لنا بيانه ونشره في هذا الموضوع الخطير من الوجهة
الشرعية والاجتماعية، ولا بأس أن نلخص ما بيناه في ما يلي: |
|
1- فكرة تحديد النسل بصفة عامة في الأقطار
الإسلامية التي لا يزال للدول المستعمرة نفوذا فيها أو طمع في الاستئثار
بخيراتها فكرة غريبة دخيلة تخفي وراءها كيداً استعمارياً خبيثاً لم يتفطن له
الكثير من الناس، ومنهم من يأبى أن يتفطن، والسر عند علام الغيوب، فليس أبغض
للمستعمرين، ولا أعود على سياستهم بالفشل من تزايد عدد المسلمين الذي من شأنه أن
يحملهم على الكدح في الحياة والسعي للحرية وتحطيم أغلال الاستعمار لينعموا
بخيرات بلادهم ويعيشوا رافهين. |
|
وقد قرأت أخيراً في بعض الصحف أثر اجتماع
الأقطاب الثلاثة العظام ما يرمي إلى فزع الدول الكبرى من كثرة عدد العرب وقلة
عدد اليهود، ولتزايد عدد في الدولة رهبته وقوته وآثاره ونتائجه، فلنكثر رغم ما
يدبرون، ولنتسلح بالقوة ولنشق طريقنا إلى الحياة الحرة، وإن الدول التي هصرتها
الحروب وأكلتها الشدائد لتسعى جاهدة في تنمية عددها ومضاعفة قوتها لتواجه
المستقبل بعدة الكفاح المثمر. |
|
2- وإننا في الوقت الذي نعارض فيه تحديد
النسل بصفة عامة نستوجب على الحكومات العربية أن تتظافر فيها القوة لاستغلال
جميع موارد البلاد زراعياً وصناعياً لتنعم بخيراتها وهي والحمد لله وفيرة
وبلادها من أخصب البلاد وفيها كنوز وذهب أحمر وأسود، ومعادن وخيرات حسان، وفيها
ما يحتاج لأضعاف أضعاف أيدي أهلها الآن لاستثمار هذه الخيارات الوفيرة، فلنعد
لهذا الجهاد أبناءنا لنستغني بهم عن الأجانب عنا، ولندع هذه الفكرة الماكرة فهي
معول هدم وسوسة تنخر في العظم. |
|
3- ومع أننا نعارض بقوة فكرة التحديد بصفة
عامة نقرر في صراحة أن الشريعة السمحة تبيح اتخاذ وسائل منع الحمل، بل وسائل
الإجهاض قبل نفخ الروح في بعض الحالات وهي حالات فردية اضطرارية يكون فيها الضرر
محققا بالحاملة أو غالبا بشهادة الطب الصادقة لا بالوهم والخيال. وهذا كما تبيح
للمريض الفطر في رمضان إذا كان الصوم يضره وقرر الطبيب الحاذق ذلك أو دلت عليه
تجربة صحيحة أو ظهرت له أمارة صادقة، وكما تبيح للحامل والمرضع الفطرة إذا خافتا
على نفسهما أو ولدهما على التفصيل المبين في الفقه. |
|
4- والخلاف بيننا وبين دعاة التحديد ليس في
هذه الجزئيات الاضطرارية، وإنما هو في الدعوة العامة إلى التحديد، لا فرق بين
حالة الضرر وحالة الاختيار كما أشير إليه في السؤال. |
|
وبعد: فلعل في هذا ما يرشد بعض الباحثين إلى
أن الأولى والأحق بجهودهم وإمكانياتهم أن توجهوا الشعوب في الأقطار العربية إلى
التوفر على العمل المنتج، ويعدوا لهم ما ليس في إمكان الأفراد من الوسائل التي
بها تسعد الأمم وتبقى في رغد العيش ورفاهة النعيم، والله أعلم. |