طباعة

 توثيق النص

 

 

 

 

معارك الدعوة الإسلامية

بقلم فضيلة الشيخ د. محمد حمد خليفة

المدرس بكلية الشريعة في الجامعة

 

 

تعرضت الدعوة الإسلامية  عبر القرون والأجيال لأنواء المحن، وألوان الإحن، وتيارات من عواصف الفتن،  ما سكن هياجها إلا لتلتقي ريحها كما تلتقي زعازع النكباء فتحاول اجتثاث جذور كلّ ما ساخ وأوغل ورسخ في الأعماق.

ناوأتها الوثنية، ودارت معاركها مع اليهودية، واجتمعت عليها جحافل الصليبية اللادينية وأخيراً كان أبناؤها شراً عليها من أعدائها:

لقد عانت أول ما عانت من الوثنية حين هتف أول صوت للحق على جبل الصفا يدعو إلى عبادة الواحد الصمد، فعارضه صوت الوثنية يتفجر من قلب أبي لهب يواجه داعي الحق: تَبّاً لك ألهذا جمعتنا؟ ومنذ ذلك بدأت معركة الدعوة تعاني محناً كظلمات الليل، وتختلس الخطى إلى من أراد الله لهم الخير، وعبأت قريش لتلك المعركة كل سلاح: فتارة تحارب الدعوة بسلاح التشكيك في كتاب الله فترميه بالشعر حين رأت الفصحاء يخرون أمام بيانه،  وتارة تتهم الداعي الأمين بالسحر لأن قوة إقناعه بالدعوة تستلب الرجل من أحضان زوجته، فيؤمن بالله وتؤثر المرأة وثنية أهلها فيتهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه الساحر الذي يفرق بين المرء وزوجه، فلما هزمت أسلحة التشكيك أمام منطق الدعوة اتخذت قريش سلاح التعذيب ولكنه تحطم على صلابة الإيمان، وكان في صبر آل ياسر الدليل الدامغ على أن العذاب لا يروع قلوب المؤمنين، بل إن الموت اشهى لهم من حياتهم في ظل الوثنية، وقَدْمَتْ سميةُ زوجة ياسر أول بذل للحياة في سبيل الإسلام.

وبعد ثلاثة عشر عاماً قضتها الدعوة الإسلامية في معارك صاخبة مع الوثنية في مكة هاجرت إلى المدينة لتتخذ منها قاعدة للانطلاق بعيدة عن تحدي الوثنية وظلمها غير أنها انتقلت من ميدان الوثنية لتلاقي في المدينة عدواً جديداً تمثل في اليهودية المنحرفة التي وقف أصحابها يرقبون لعل العرب يأكل  بعضهم بعضاً، فلما قويت شوكة المسلمين بعد بدر اشتد قلقهم، وحينما هزموا في أُحد دبروا إيقاع الفتنة بين المسلمين فقالوا لهم: ألم تروا إلى ما أصابكم ولو كنتم على الحق ما هزمتم؟ فارجعوا إلى دينكم فهو خير لكم فأنزل الله: {وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ}.

واشتدت عداوتهم للرسول صلى الله عليه وسلم حينما تحولت قبلة المسلمين عن بيت المقدس إلى البيت الحرام فراحوا يتساءلون: {مَا وَلاَّهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا}؟.

ولم ينم تدبيرهم عن فتنة المسلمين وتشكيكهم في دينهم فدعوا بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى اتباع دينهم وكشف الله موقفهم في قوله: {وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ }.

وتواطأ بعض اليهود فقال بعضهم لبعض: ادخلوا في دين محمد أول النهار باللسان دون الاعتقاد، واكفروا به آخر النهار وقولوا: نظرنا في كتبنا وشاورنا علماءنا فوجدنا محمداً ليس بذلك النبي وظهر لنا كذبه، وبطلان دينه، فإذا فعلتم شكّ أصحابه في دينه وقالوا: إنهم أهل كتاب وهم أعلم به منا فيرجعون عن دينهم إلى دينكم فأخبر الله نبيه بالمكيدة وأنزل: {وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}.

وشطوا في عناد محمد صلى الله عليه وسلم، وكشف الله موقفهم وعناد آبائهم لنبيهم موسى عليه السلام فقالوا لمحمد صلوات الله وسلامه عليه: إن كنت نبياً فأتنا بكتاب من السماء كما أتى به موسى فأنزل الله قوله: {يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَاباً مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً}.

ثم ظهر عدو ثالث للدعوة وصاحبها تمثل في نصرانية نجران والتقاء اليهود بهم في عداوة رسول الإسلام حيث اجتمع أبو رافع اليهودي وبعض نصارى نجران على لقاء صاحب الدعوة الإسلامية ومحاولة فتنته أو إغرائه وكان فيما سألاه: أتريد أن نعبدك ونتخذك رباً؟ فأجابهم رسول الله صلى الله عليه وسلم:" معاذ الله أن نعبد غير الله، أو أن نأمر بعبادة غير الله، ما بذلك بعثني، ولا بذلك أمرني"، وأنزل الله في الرد عليهم: {مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَاداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ}.

واجتمعت الوثنية واليهودية على حرب الإسلام والمسلمين والتقى وفد اليهود برياسة كعب ابن الأشرف بالوثنيين برياسة أبي سفيان وأجمعوا أمرهم على القضاء على الإسلام، وكانت موقعة الخندق وأرسل الله عليهم ريحاً أطارت خيامهم ومزقت أحلامهم وقد قص القرآن قصتهم في قوله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً. .} الخ ما جاء في الآيات.

ولم يمت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى طهرت الجزيرة العربية من الوثنية واليهودية  إلا ممن تظاهروا بالإسلام من اليهود وكانوا الخطر الداهم على الإسلام والمسلمين في عهد عثمان فأشعلوا الفتنة التي راح ضحيتها الخليفة الثالث وقد أذكى  أتّونها عبد الله بن سبأ اليهودي وحمل لواء الدعوة للتشيع لآل البيت وتستر وراء تلك الدعوة لينتقم لليهودية.

وفي القرن السابع الهجري زحف التتار اللادينيون من الصين تحت قيادة  جنكيز خان فغزوا بخارى وسمرقند وخوارزم وخراسان ، وفي عهد هؤلاء دخل التتار بغداد وقضوا على التراث الإسلامي الذي خلفته الحضارة الإسلامية، وزحف على الشام حتى وصل غزة وقد هزم المسلمون التتار في عين جالوت، وعاد تيمولنك لغزو سوريا ثم هزم التتار، وعادوا إلى الشرق الأقصى بعد أن دمروا الكثير من الآثار والتراث الإسلامي، ثم تحركت الصليبية الأوروبية فجمعت الملوك الصليبيين لغزو الشرق الإسلامي وقيض الله للإسلام جيوشاً من المؤمنين مزقت جموع الصليبيين وردتهم عن مهد الرسالات فعاد السلام يرفرف على أرض السلام حيناً، وأخيراً مُنيت الدعوة الإسلامية ومُني المسلمون بتحرك اليهودية وتذؤب أطماعها في هذا الشرق، وكان لدهاء اليهود وأموالهم الأثر البالغ في كسب بعض الدول الصليبية العظمى، والتقت الإلحادية اللادينية مع هؤلاء وأولئك للنيل من الإسلام.

فاللادينية تبذل أقصى ما وسعها من الأساليب وما تملك من الضغط لاجتثاث أصول الإسلام من نفوس المسلمين وباسم الحرية تتحرك للقضاء على الإسلام في الشرق الإسلامي، واليهودية تتخذ في معركتها مع الإسلام أكثر من سلاح كالتشكيك والانحلال والإباحية وإفساد النفوس وتمزيق الروابط التي ربطت بين شعوب الشرق وإثارة الفتن بين تلك الشعوب وكل هذه أسلحة لها خطرها على الإسلام.

والمسيحية العالمية عبأت مئات الآلاف من المبشرين لغزو الإسلام في إفريقيا وآسيا وكل هذه الآلاف تلتقي في تشكيك الناس في الإسلام في مبادئه وكتابه ورسوله.

وقد لقيت اللادينية واليهودية والمسيحية من أبناء الشرق الإسلامي أبواقاً تنفخ فيها، فتنعكس أصداء نفثاتها على نفوس المسلمين تشكيكا في دين الله وفي عدم صلاح شريعته لتطورات المجتمعات واستأجرت اللادينية واليهودية والمسيحية عقولاً إسلامية وأقلاماً إسلامية وألسنة إسلامية لتخوض بها معاركها  مع الإسلام، وعظمت مصيبة الإسلام في أبناء الإسلام من المأجورين لتخريب النفوس وتدمير العقول.

وإن أنكى ما يواجه الإسلام في هذه الأيام ذلك العدوان الصارخ على أصوله وكتاب من الرئيس التونسي الذي ينكر قول الحق في الميراث {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْن} فيأبى إلا أن يشرع للمرأة حقاً ينكره ما فرضه الله لها، بل أنكر جحودُه القصص القرآني الذي أوحاه الله وادعى أنه من وضع محمد صلى الله عليه وسلم وما كان لرسول الله أن يفتري على الله.

ونهجت نهجه حكومة الصومال فسوت بين المرأة والرجل في الميراث وقتلت المعارضين من العلماء وكانت ثالثة الأثافي مظاهرات الشيوعية في اليمن الجنوبي، التي قامت تحت سمع حكومتها وبصرها بتمزيق كتاب الله وبهتافها الأحمر الأحمق: لا دين بعد اليوم. .

فأين أنتم أيها المسلمون من هذه الفتن الضارية التي يؤججها رؤساء وحكومات تلك الدول في هذه الفترة العصيبة التي تنشب فيها معركة المصير بين العرب واليهود؟

وهل من مؤتمر قمة إسلامي تقول فيه الغيرة الإسلامية كلمتها لتأخذ على المارقين طريق التحلل الغربي ووساوس اللادينية وفتن الصهيونية العالمية؟

وأخيراً أين موقف تلك الشعوب من أولئك الرؤساء وليس بين المسلمين من لا يعلم أنه: "لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق". . .