|
|
حكم التبني في الإسلام
|
بقلم:
فضيلة الشيخ عبد الفتاح القاضي
|
|
الأستاذ بكلية القرآن الكريم في الجامعة |
|
|
|
كان للعرب في الجاهلية وصدر الإسلام مكارم
ومناقب يحمدون عليها، ويشرفون بفعلها. وكان لهم بإزاء هذا مناكر ومثالب يذمون
عليها، وينتقصون بمباشرتها. |
|
فمن مثالبهم التي كانت متفشية فيهم، وكانوا
يستحقون عليها أقسى اللوم وأشد التعنيف (التبني). |
|
وللتبني في معناه صورتان، إحداهما أن يضم
الرجل الطفل الذي يعلم أنه ابن
غيره إلى نفسه فيعامله معاملة الأبناء من صلبه، من جهة العطف والإنفاق عليه،
والإحسان إليه, ومن جهة تربية جسمه، وخلقه، وروحه، ومن جهة العناية بشئونه كلها،
حتى يُعدّه ليكون رجلاً عاملاً في الحياة دون أن يلحقه بنسبه، أو يلصقه بأسرته.
|
|
والطفل - في هذه الحال - لا يعتبر ابناً
شرعياً، ولا يثبت له شيء من أحكام البنوة, ولا من أحكام النسب الصحيح. |
|
والتبني - بهذا المعنى - صنيع يلجأ إليه بعض
أرباب الثراء من الموسرين الذين لم ينعم الله عليهم بنعمة الأولاد، ويتخذون منه
قربة إلى الله تعالى بتربية طفل فقير بائس حرم عطف الأبوة، أو حرم قدرة أبيه على
تربيته وتثقيفه. |
|
ولا ريب أن التبني بهذا المعنى عمل إنساني
جليل، يستحبه الشرع الشريف ويرغب فيه، ويدعو إليه، ويثيب عليه، وهو من الصدقات
التي تحفظ للمتصدق مكانة التقرب إلى الله تعالى، وقد فتحت الشريعة الإسلامية
للموسر في مثل هذه الحال باب الوصية، وجعلت له الحق في أن يوصي بشيء من تركته
يسد حاجة الطفل في مستقبل حياته، حتى لا تضطرب به المعيشة، ولا تقسو عليه
الحياة. |
|
أما الصورة الثانية - وهي المفهومة من كلمة
(التبني) عند الإطلاق، وهي المعلومة في لغة الشرائع، ومتعارف الأمم - فهي أن
ينسب الشخص إلى نفسه طفلاً يعلم أنه ولد غيره، وليس ولدا له - ينسبه إلى نفسه
نسبة الابن الصحيح، ويجعله في عداد أسرته، وفرداً من أفرادها، وحلقة من سلسلتها،
ويعتبره ابناً من صلبه، ويثبت له أحكام البنوة وحقوقها، من استحقاق إرثه بعد
موته، ومن حرمة تزوجه بزوجته إذا فارقها، وحرمة تزوجه بابنته، إلى غير ذلك.
|
|
وهذا المعنى للتبني هو الذي كان متفشياً في
الجاهلية، ومتعارفاً بين أهلها، ينظرون إليه على أنه شرعة وقانون، وكان سبباً من
أسباب الإرث التي كانوا يورثون بها. |
|
فكان في المجتمع الجاهلي في العرب أبناء لا
يعرف لهم آباء, وكان الرجل منهم يعجبه أحد هؤلاء الأبناء فيتبناه، يدعوه ابنه،
ويلحقه بنسبه، فيتوارث وإياه توارث النسب الصحيح, وكان هناك أبناء لهم آباء
معروفون، ولكن كان الرجل يعجب بأحد هؤلاء الأبناء فيأخذه لنفسه ويتبناه، ويلحقه
بنسبه، فيعرف باسم الرجل الذي تبناه، وينتظم في سلك أسرته، وكان هذا يقع بخاصة
في السبي حين يؤخذ الأطفال والفتيان في الحروب والغارات فمن شاء منهم أن يلحق
بنسبه واحداً من هؤلاء دعاه ابنه، وأطلق عليه اسمه, وصارت له حقوق البنوة
وواجباتها. |
|
والتصاق الأدعياء بالبيوت، واتصالهم
بأنسابها - كان أمراً تدين به العرب، وتعده أصلاً يرجع إليه في الشرف والحسب,
وكانوا يعطون الدعيّ جميع حقوق الابن الحقيقي. |
|
ويجرون عليه وله جميع الأحكام التي
يعتبرونها للابن حتى في الميراث وحرمة النسب، ولا شك أن هذه عقيدة جاهلية مقيتة
أراد الله تعالى محوها بالإسلام حتى لا يعرف من النسب إلا الصريح، ولا يجري من
أحكامه إلا ما له أساس صحيح. ولذلك لما جاء الإسلام وبيّن الوارثين والوارثات
بالعناوين التي قررها وجعلها أسباباً في استحقاق الإرث أسقط التبني من أسباب
التوارث، وحصر هذه الأسباب في الأبوة، والأمومة، والبنوة الحقيقية، والزوجية،
والأخوّة، والأرحام, على تفصيل بعلم من كتب الشريعة التي عنيت ببيان هذه
المسائل. |
|
أقول: لما جاء الإسلام وأخذ ينظم علاقات
الأسرة على الأساس الطبعي لها، وأخذ يحكم صلتها وروابطها، ويجعلها صريحة لا خلط
فيها ولا تشويه - أبطل عادة التبني هذه - وقصر علاقة النسب على علاقة الأبوة
والبنوة الواقعية، وميّز بين البنوة الصحيحة والبنوة المدعاة، وحدد علاقة
التبني، وجعلها علاقة أخوّة ومساواة في ظلال النظام الإسلامي الجديد. |
|
لم يقف الإسلام في إبطال التبني الجاهلي عند
إسقاطه من أسباب الميراث، بل جاءت الآيات القرآنية مصرحة ببطلانه، مبينة حكم
الله فيه، وقد جاء ذلك في قوله تعالى في سورة الأحزاب {وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ
بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ. ادْعُوهُمْ
لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ
فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ
فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ
غَفُوراً رَحِيماً} الأحزاب، وبنزول هذه الآية الكريمة أبطل الله
تعالى هذه العادة المرذولة (عادة التبني) وحرم على المسلمين أن ينسبوا الدعي لمن
تبنّاه وحظر عليهم أن يقتطعوا له شيئا من حقوق الابن الصحيح قل أو أكثر. |
|
وقوله تعالى: {وَمَا
جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ} الأدعياء جمع دعيّ وهو من
يدعي ابناً - فعيل بمعنى مفعول - أي لم يجعل الله أدعياءكم بمجرد تبنيكم لهم
كأبنائكم في كل أحكام البنوة من النسب، والتوارث، وغير ذلك. |
|
ثم قال تعالى: {ذَلِكُمْ
قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ} أي ذلكم الإلحاق، وهذا التبني إنما هو
قولكم بأفواهكم، ومجرد القول لا يقتضي أن يكون الدعيّ ابناً حقيقياً فإنه مخلوق
من صلب رجل آخر, ولا يمكن أن يكون له أبوان، فهو ابن أبيه من النسب ولو تبناه
غيره, فهذا القول الذي تلوكونه بألسنتكم لا يغيّر واقعاً، ولا يقلب حقيقة، ولا
ينشئ علاقة الوراثة للخصائص التي تحملها النطفة, ولا يخلق علاقة المشاعر
الطبيعية، الناشئة من كون الولد بضعة حية من جسم والده الحيّ. |
|
{وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ} أي يقول
الحق البيّن الذي لا يشوبه باطل، ومن الحق إقامة العلاقات على تلك الرابطة الحقة
المستمدة من اللحم والدم، لا على كلمة تلوكها الأفواه، وتنطق بها الألسنة، من
غير أن تؤازرها الحقيقة ويسندها الواقع. |
|
{وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ} أي يرشد
عبادَهُ إلى الطريق المستقيم الذي لا عوج فيه ولا التواء، ثم أمرهم الله تعالى
أن ينسبوا الأبناء إلى آبائهم من الصلب تأكيداً لما سبق فقال سبحانه: {ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ} أي انسبوا من
ألحقتموهم بكم _ وهم ليسوا منكم _ انسبوهم لآبائهم من النسب فلا تقولوا زيد بن
محمد مثلاً، ولكن قولوا : زيد بن حارثة. |
|
{هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ} أي نسبتهم
لآبائهم أعدل في حكم الله، وإنه لقسط وعدل ألاّ ينال حق الابن إلاّ من يكون ابناً
في الحقيقة والواقع. |
|
وإنه لقسط وعدل أن يدعى الولد لأبيه، عدل
للوالد؛ لأن هذا الولد ما هو إلا بضعة منه, وعدل للولد لأنه الذي يحمل اسم أبيه،
ويكون امتدادا له بوراثته الكامنة, وتمثيله لخصائصه وخصائص آبائه وأجداده، عدل للحق في ذاته، الذي يضع كل شيء في
مكانه، ويقيم كل علاقة على أصلها الفطري، ولا يكلف غير الوالد الحقيقي بتبعة
الأبوة, ولا يعطيه مزاياها، ولا يحمل غير الولد الحقيقي تبعة البنوة، ولا يحابيه
بخيراتها. |
|
هذا هو النظام الذي يقيم الأسرة على أساس
ثابت دقيق مستمد من الواقع, ويقيم بناء المجتمع على قاعدة قوية مطابقة للحق
الفطري العميق. |
|
ثم كان من يسر الإسلام وسماحته أن وضع
لهؤلاء الأدعياء إذا لم تعرف آباؤهم _ وضع لهم مكاناً في الجماعة الإسلامية، وهو
الأخوّة في الدين، والموالاة فيه حتى لا يترك هؤلاء بغير رابطة في الجماعة بعد
إلغاء رابطة التبني فقال تعالى: {فَإِنْ لَمْ
تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ},
فالشخص الذي إذا عرف أبوه نُسب إليه، وقيل: فلان بن فلان، فإن لم يكن له أب
معروف نُسب إلى الأخوّة في الدين والوَلاء، فقيل: فلان أخو فلان في الدين، أو
فلان مولى فلان، ثم بيّن الله عز وجل أنه يعفو عن اللفظ يصدر عن خطأ وسبق لسان،
لا عن قصد ونية، بأن يقول الرجل لآخر: هذا ابني، أو ينادي شخص آخرَ بمثل ذلك، لا
عن قصد التبني، ولكنه لا يعفو عن العمد في ذلك الذي يقصد به إلصاق الأدعياء
بالبيوت. وخلطهم بالأسر كما كان معروفاً من قبل فقال تعالى: {وَلَيْسَ
عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ
قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً}. |
|
أرجح فأقول: الحكمة في إبطال هذا النوع من
التبني، ونزول القرآن بإنكاره وتحريمه_ أن فيه حرمان الأب الحقيقي المعروف من أن
يتصل به نسبه المتولد منه، المنسوب إليه في الواقع، وفيما يعلم الله والناس، كما
أن فيه إدخال عنصر غريب في نسب المتبنيّ يدخل على زوجته وبناته باسم البنوّة والأخوّة، ويعاشرهن على أساس كل منهما،
وهو في الواقع أجنبي عنهن، لا يباح له منهن ما يباح للابن والأخ الحقيقي لهن. |
|
وبقدر ما تتركز هذه البنوة الكاذبة في
الأسرة فإن البنوة الحقة في الأسرة الحقة تسير إلى الفناء، والمحو والزوال وبذلك
تضيع الأنساب، ويختل نظام الأسر، وتضيع حكمة الله تعالى في جعل الناس شعوباً
وقبائل، وفيه وراء ضياع الأنساب، واختلال نظام الأسر تضييع لحق الورثة الذين
تحقق سبب إرثهم الشرعي من الأب: (الكاذب المتبني) فلا ترث إخوته ولا أخواته
لوجود الابن (الزور) الذي منع ببنوته الكاذبة إرثهم الشرعي، وبذلك تقع العداوة
والبغضاء بينهم وبين مورثهم بهذا الدعي الذي تبناه المورّث وضيع به حقوقهم في
التركة. |
|
لما أبطل الإسلام التبني بالآية السابقة
أراد أن يبطل آثاره، ويمحو نتائجه. |
|
وكان من آثاره أن الولد المتبني يرث أباه
المتبني له، فأبطل الله هذا بإنزال أحكام الميراث، وبيان أسبابه، وحصره هذه الأسباب
في الأبوة، والأمومة، والبنوة، والأخوة كما سبق. |
|
ومن آثاره أيضاً أن الرجل المتبني لا يحل له
- في نظرهم - أن يتزوج زوجة متبناه إذا فارقها، كما لا يحل له أن يتزوج زوجة
ابنه الحقيقي إذا طلقها، فأبطل الله هذا أيضاً، وأباح للرجل أن يتزوج مطلقة
متبناه، وفرق بين زوجة المتبني، وزوجة الابن الحقيقي؛ حيث حرّم على الأب أن
يتزوج حليلة ابنه الحقيقي إذا
فارقها، وقد أشار إلى التفرقة بين زوجة الابن الحقيقي وزوجة المتبنّى قوله تعالى
في سورة النساء: {وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ
الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ} فقوله تعالى: {مِنْ أَصْلابِكُمْ} للاحتراز عن زوجة المتبنّى
أبطل الله تعالى التبني، ومحا آثاره ونتائجه, ولكن من ذا الذي يقدر على أن يقتلع
من نفوس العرب هذه العادة الراسخة في نفوسهم المتأصلة في دمائهم من قديم؟ |
|
ومن ذا الذي يستطيع أن يقدم على التزوج من
مطلقة متبناه؟ |
|
مضت سنة الله تعالى في خلقة أنّ ما رسخ في
النفس بحكم العادة لا يسهل عليها التفصّي منه، ولا الرغبة عنه، ولا يقدر على ذلك
إلا من رفعه الله فوق العادات، وأعتقه من رق الشهوات، فلا يتحكم فيه إلف، ولا
يسيطر عليه عرف, وذلك هو النبي صلى الله عليه وسلم فإنه كان أول من يهدم العقائد
الزائفة، ويقوض الخرافات السائدة، ويقيم في مكانها صرحاً من الحق والعدالة،
ومناراً من الشريعة والاستقامة. |
|
ومن أجل ذلك كان الشأن إذا نهى الله عن محرم
كانت الجاهلية تفعله، أو أحلّ شيئاً كانت الجاهلية تحرمه أن يبادر النبي صلى
الله عليه وسلم إلى امتثال النهي بالكفّ عن المنهي عنه، والإتيان بضده، وأن
يسارع إلى تنفيذ الأمر بإتيان المأمور به، حتى يكون قدوة حسنة، ومثالا صالحا
تحاكيه النفوس، وتحتذيه الهمم، وحتى يخف وزر العادة، وتخلص العقول من ريب الشبهة. |
|
نادى رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة
الوداع بحرمة الربا, وقال: " إن أول ربا أضعه هو
ربا عمّي العباس ابن عبد المطلب"، حتى يرى الناس صنيعه بأقرب الناس
إليه وأكرمهم عليه، فيسهل عليهم ترك مالهم، وتنقطع وساوس الشيطان من صدورهم على
هذا السنن الإلهي كان عمل النبي صلى الله عليه وسلم في إبطال التبني. فقد كبر
على العرب أن يفصلوا عن أهلهم من ألصقوه بأنسابهم من أدعيائهم، وعزّ عليهم
بالنسبة لهذا الإلف الشاق أن يخلعوا عنهم ربقته أو أن يزيلوا عن أفكارهم وطأته,
لذلك ألهم الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يتولى خرق هذه العادة بنفسه، وأن
ينفذ تطبيق ذلك التشريع الجديد في متبناه، لتسقط هذه العادة بالفعل كما ألغى
حكمها بالقول الفاصل, وليكون ذلك باعثاً للأمة على الامتثال وحافزاً لها على
المسارعة إلى القبول، دون تحرج من ترك ما ألفت, فأوحى الله إليه أن يزوج زينب
بنت عمته أميمة بنت عبد المطلب لمتبناه زيد، وأمره أن يتزوجها هو إذا طلقها زيد
لمحق هذه العادة الشاذة محقاً، فخطب الرسول صلى الله عليه وسلم لمتبناه زيد ابن
حارثة زينب بنت عمته أميمة بنت عبد المطلب من زيد هذا ! هو زيد بن حارثة، كان من
قبيلة عربية، ولكنه سبي صغيراً في غارة أيام الجاهلية، فاشتراه حكيم بن حزام
لعمته خديجة بنت خويلد، فلما تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهبته له،
فكان عبداً للنبي صلى الله عليه وسلم، ولما بلغ أهله خبره قدم أبوه وعمه وأخوته
مكة يطلبون شراء ابنهم زيد، وفداءه بتحريره من رقه، فالتقوا برسول الله صلى الله
عليه وسلم وكلمه حارثة أبو زيد وقال له: يا محمد أنتم أهل حرم الله وجيرانه،
تفكون العاني وتطعمون الأسير، وإن ابني زيداً عبدك فامنن علينا بفدائه فإنا
سنرفع لك في الفداء ما أحببت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" أعطيكم خيراً من ذلك", قال: وما هو؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أُخيّره،
فإن اختاركم فخذوه بغير ثمن ولا فداء، وإن اختارني فكفوا عنه"، فدعا
رسول الله صلى الله عليه وسلم زيداً وقال له:"
أتعرف هؤلاء ؟ " قال: نعم، هذا أبي، وهذا عمي وهذا أخي، فقال له
الرسول: "فإن اخترتهم فاذهب معهم، وإن اخترتني
فأنا من عرفته"، فاختار زيد الرق مع النبي صلى الله عليه وسلم على
الحرية بين قومه، وقال مخاطباً النبي صلى الله عليه وسلم: ما أنا بمختار عليك
أحداً أبداً، أنت منّي بمكان الوالد والعم, فقال له أبوه وعمه: أتختار العبودية
على الحرية؟ فقال لهما: ما أنا بمفارق هذا الرجل أبداً، فلما رأى رسول الله صلى
الله عليه وسلم حرصه عليه، وأنه آثر أبوته على أبوة أبيه كافأه الرسول على ذلك
فأعتقه وتبناه, وقال للحاضرين: "اشهدوا أن زيداً
حُرٌ، وأنه ابني، يرثني وأرثه", فطابت بذلك نفس أبيه وعمه وأخيه لما
رأوا من كرامته على رسول الله صلى الله عليه وسلم وانصرفوا فرحين مسرورين ومن
ذلك الوقت كان زيد يدعى (زيد بن محمد) وهو أول من آمن به من الموالي وأما زينب
فهي بنت أميمة بنت عبد المطلب جد النبي صلى الله عليه وسلم من جهة أبيه ولا يخفى
على أحد مكانة عبد المطلب في قريش وفي سائر القبائل العربية. |
|
خطب الرسول صلى الله عليه وسلم زينب لمولاه
زيد من أخيها عبد الله، ولكن عبد الله هاله أمر تلك الخطبة، وعزّت عليه قرشيته
وهاشميته، وكره أن تصبح أخته تحت عبد رقيق اشترى بالمال ثم أعتق مهما يكن من
أمره، حتى ولو صار متبنى لرسول الله صلى الله عليه وسلم. |
|
رأى عبد الله أن ذلك الأمر عار عليه وعلى
أخته، رآه خروجاً على تقاليد البيوت العريقة، والأسر الرفيعة وكانت أخته زينب
تشاركه هذا الإباء، وهذه الأنفة، ضنّاً بنسبها العربي الكريم وما زالت زينب
وأخوها عبد الله يتأبيان ويمتنعان حتى نزل الوحي بالأمر الحاسم في قوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى
اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ
وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً} الأحزاب. |
|
فلا يصح بعد ذلك لرجل ولا لامرأة اختيار أمر
من الأمر يخالف ما قضاه الله تعالى وقدره. |
|
وهنا خضعت زينب وأطاعت وانقاد أخوها لأمر
الله واستسلم، وتم الزواج فعلاً، وإن كان على كره من زينب وأخيها. |
|
وكان هذا الزواج في حقيقته وجوهره مقدمة
لتقرير تشريع جديد، وتنفيذ حكم إلهي عادل. وقع الاختيار على زينب بخصوصها لأن
الرسول صلى الله عليه وسلم يريد أن يحطم الفوارق بين الأُسر، ويجعل الناس سواسية
كأسنان المشط, لا فضل لأحد على أحد إلا بالعقيدة الصحيحة، وصالح العمل, فزوّج
عبده زيداً من شريفة قرشية من بني هاشم ليحقق المساواة الكاملة بين الناس، ويسقط
هذه الفوارق بنفسه في أسرته، وكانت هذه الفوارق من الشدة والعنف بحيث لا يحطمها
إلا فعل واقعي من رسول الله صلى الله عليه وسلم تتخذ منه الجماعة الإسلامية أسوة
وتسير البشرية كلها على هداه. |
|
وبعد أن صارت زينب إلى زيد لم يلن إباؤها الأول، ولم يَسْلَسْ قيادها، بل
شمخت بأنفها، وذهبت تؤذي زوجها، وتطلق فيه لسانها، وتفخَرُ عليه بنسبها، وبأنها
أكرم منه عرقاً، وأصرح منه حرية، إذ لم يجر عليها من الرق ما جرى عليه، فاشتكى
منها لرسول الله صلى الله عليه وسلم المرة تلو المرة،وكان رسول الله صلى عليه
وسلم يهديء من نفس زيد ويقول له: {أَمْسِكْ
عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ} إلى أن صَدر الحكم الإلهي
بالتفريق بين زيد وزينب، وأذن الرسول لزيد بطلاقها، فطلقها, ثم بعد أن انقضت
عدتها منه تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم بأمر الله تعالى ليمزق حجاب تلك
العادة, ويكسر ذلك الباب الذي كان مغلقاً دون مخالفتها, وفي ذلك يقول الله تعالى:{وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ
وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي
فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ
تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لا يَكُونَ
عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا
مِنْهُنَّ وَطَراً وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً}. |
|
وبتزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم من
زينب تحددت الأمور، ووضحت الأحكام، فإذا ما طلق الابن المتبنّى زوجته فما على
المتبنّى من حرج إذا هو بَنَى بتلك الزوجة لأنها أجنبية منه، حلال له. |
|
ذلك هو الحكم الجديد، وهو يعارض العادة
الجاهلية القديمة بنت الأجيال المتباعدة, التي لا تفرق بين الابن النسبي والابن
المتبنّى بل تجعلهما في الحكم سواء. وبنزول هذه الآية مع الآية التي قدمناها في
صدر المقال وهي {وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ
أَبْنَاءَكُم} إلى آخرها مع الآية التي بعدها بطل هذا النوع من
التبني، وصار محرماً على المسلم أن يلحق نسبه طفلاً يعلم أنه ابن غيره وليس ابناً
له، سواء عَرَف أباه أم لم يعرفه. |
موجز تفسير الآية
|
|
ذكّر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بما وقع
منه ليزيده تثبيتاً على الحق، وليدفع عنه ما حاك في صدور ضعاف العقول، ومرضى
القلوب فقال: {وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ
اللَّهُ عَلَيْهِ} أي بالإسلام، وبجعله تحت رعايتك {وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ} بالعنق والحرية،
والتربية الفاضلة، والاصطفاء بالولاية والمحبة، وبتزويجك إياه من الشريفة
القرشية ابنة عمتك {أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ
وَاتَّقِ اللَّهَ} يعني:إخْش الله تعالى في أمر زوجك زينب وفي عشرتها
ولا تتسرع في مفارقتها، فإن الطلاق يشينها، وقد يؤذي قلبها، وارع حق الله تعالى
في نفسك أيضاً، فربما لا تجد بعدها خيراً منها. |
|
وقوله تعالى: {وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ}
وهذا خطاب من الله تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم والذي أخفاه النبي صلى الله
عليه وسلم هو أن الله تعالى أوحى إليه أن زيداً يطلق زوجته زينب، وأن النبي صلى
الله عليه وسلم يتزوجها بتزويج الله تعالى إياها، فلما اشتكى زيد لرسول الله صلى
الله عليه وسلم حدة زينب وشماسها وأنه يرغب في طلاقها, قال له الرسول صلى الله
عليه وسلم:" أمسك عليك زوجك واتق الله",وهو
يعلم أن زيداً سيفارقها حتماً, وأن الرسول سيتزوجها لا محالة وتكون من أمهات
المؤمنين ليتحقق بذلك التشريع المطلوب وهو حِلّ مطلقة المتبنىّ للمتبني، هذا هو
الذي أخفاه الرسول صلى الله عليه وسلم في نفسه، وأبقاه في سريرته. |
|
وسرّ ذلك الإخفاء أن الرسول صلى الله عليه
وسلم من فرط حيائه، ووفرة أدبه خشي أن ينتهز المنافقون وضعفاء الإيمان هذه
الفرصة، ويرجعوا في المدينة، ويقولوا: إن محمداً ينهى أن يتزوج الإنسان مطلقة
ابنه وقد تزوج هو زينب زوجة ابنه زيد متبناه بعد أن أمره بطلاقها، فخشية الرسول
صلى الله عليه وسلم كلام الناس جعلته يتمهل في الأمر، ويخفي الحقيقة عن زيد عبده
ومتبناه، فعاتبه الله تعالى على تريثه في الأمر، وإخفاء حقيقته عن زيد بن حارثة،
وعد م السماح له بطلاق زوجه زينب، فكأنّ الله تعالى يقول له: كيف تقول لزيد
حينما كان يشكو إليك زوجته {أَمْسِكْ عَلَيْكَ
زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ}
مع أنك قد علمت بالوحي من قبل الله عز وجل أن زيداً يطلقها وتتزوجها أنت
بعد انقضاء عدتها منه، فكان ينبغي لك أن تمضي في الأمر من أول وهلة، وتصارح زيداً
بالحقيقة، وتبادر بتنفيذ أمر الله
تعالى وتقرير شرعه، ولا تخشى إلا الله تعالى ثم راده الله تعالى بياناً بقوله جل وعلاه {فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَراً} أي
حاجة وأرباً بالزواج، ولم يبق له هوى فيها، ولا ميل إليها، ولم يجد بداً من
طلاقها طلقها راضياً مختاراً، غير عالم بما أعلم الله به نبيه صلى الله عليه
وسلم فلما طلقها زيد، وانقضت عدتها منه تزوجها صلى الله عليه وسلم لإبطال هذه
العادة المرذولة المتأصلة في نفوس العرب، وهي اعتقاد حرمة التزوج بنساء من
تبنوهم كحرمة التزوج بنساء أبنائهم من الأصلاب. |
|
وقوله تعالى: {زَوَّجْنَاكَهَا} أي تولينا تزويجها لك بدون وساطة عقد،
ولا وكالة،ولا صداق، ولا شيء مما يكون في حقنا ركناً أو شرطاً أو غير ذلك، وهذه
من خصوصياته صلى الله عليه وسلم التي لا يشركه فيها أحد بإجماع المسلمين، ولهذا
كانت زينب تفخر على نساء النبي صلى الله عليه وسلم وتقول: "ما من واحدة
منكن إلا وقد زوجها أبوها، أما أنا فقد زوجني ربي من فوق سبع سماوات",
وقالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إني لأدل عليك بثلاث، ما من نسائك امرأة تدل
عليك بهن، إن جدي وجدك واحد، وإن الله زوجك إياي من السماء، وإن السفير بينك
وبين الله تعالى في زواجي بك إنما هو جبريل عليه السلام". |
|
ثم بيّن الله تعالى حكمة هذا الزواج بقوله: {لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي
أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً} أي
لترتفع الوحشة في نفوس المؤمنين، ولا يجدوا في أنفسهم حرجاً من أن يتزوجوا نساءً
كن من قبل زوجات لأدعيائهم. |
|
ثم قال الله تعالى: {وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً} أي وكان ما
يريد الله تكوينه من الأشياء التي منها إبطال التبني، ونسخ ما يترتب عليه من منع
التزوج من أزواج الأدعياء {مَفْعُولاً}نافذاً،
وحاصلاً لا مرد له، ولا مفر منه، واقعاً محققاً لا سبيل إلى تخلفه، ولا إلى
الحيدة عنه. والله تعالى أعلم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. |