|
|
|
أثر المخدرات في تدهور الشعوب
|
|
بقلم فضيلة الشيخ عبد القادر شيبة الحمد
|
|
|
المدرس بكلية الشريعة في الجامعة |
|
|
|
|
|
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين،
والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على سيد المرسلين وإمام المتقين، وعلى آله
وصحابته الطيبين الطاهرين، أما بعد: |
|
|
فإن بحمد الله تعالى لا يزال رواد الخير من
المسؤولين وغيرهم في أنحاء العالم يعملون على محاصرة المخدرات العضوية والقضاء
عليها: طلباً لسلامة الإنسانية، ووقاية لأعراضها وصيانة لعقولها، وقد أطبقت
الشرائع السماوية على وجوب حفظ النفس والعقل والعرض والمال مع سلامة الدين. |
|
|
وكانت الشريعة الإسلامية قد سبقت جميع
القوانين الحديثة في تحريم المخدرات والمفترات والمسكرات عملاً بما أثر عن رسول
الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:" لا ضرر ولا
ضرار", كما صح الخبر الذي رواه أحمد في المسند وأبو داود من حديث أم
سلمة رضي الله عنها" أن رسول الله صلى الله عليه
وسلم نهى عن كل مسكر ومفتر"، قال في لسان العرب: "الفتر: الضعف
وفتر يفتر فتورا، لانت مفاصله وضعف" ثم قال:" والفتار: ابتداء النشوة
عن أبي حنيفة" وأنشد للأخطل: |
|
|
صهباء ترمي شربها بفتار |
وتجردت بعد الهدير وصرحت |
|
وفي الحديث:"
أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن كل مسكر ومفتر" فالمسكر الذي يزيل
العقل، والفتر الذي يفتر الجسد أي يحمي الجسد ويصير فيه فتوراً والتخدير
والتفتير متقاربان في المعنى"، قال: صاحب معجم متن اللغة الشيخ أحمد رضا: "خدر:
كسل وفتر وضعف والظاهر أنه الأصل في المعنى وخدرت رجله استرخت فلا تطيق حركة,
وخدرت عينه ثقلت من قذى أو غيره والظبي فترت عظامه"، ثم قال:"والخدرة
: الضعف والفتور يصيب البدن والأعصاب كما يصيب الشارب قبل السكر". وقد ذكر
القرافي في فروقه: الفرق بين المسكرات والمرقدات والمفسدات فالذي يغيب الحواس
كالبصر والسمع واللمس والشم والذوق. فهو المرقد كالبنج والذي لا تغيب معه الحواس
ويتخيل صاحبه كأنه نشوان مسرور قوي النفس شجاع كريم مع تغطية العقل فهو المسكر،
ولذلك قال الشاعر: |
|
|
وأسداً ما ينهنها اللقاء |
ونشربها فتتركنا ملوكا |
|
وهو تخيل لا حقيقة له ولذلك قال القاضي عبد
الوهاب المالكي رحمه الله: |
|
|
تنفي الهموم وتصرف الهما |
زعم المدامة شاربوها أنها |
|
أن السرور لهم بها تما |
صدقوا سرت بعقولهم فتوهموا |
|
أرأيت عادم ذين معتما |
سلبتهموا أديانهم وعقولهم |
|
أما المفسدات فهي المشوشات للعقل كالحشيش
والأفيون وسائر المخدرات والمفترات التي تثير الخلط الكامن في الجسد ولذلك تختلف
أوصاف شرابها ومستعمليها فتحدث حدة لمن كان مزاجه صفراوياً وتحدث سباتاً وصمتاً
لمن كان مزاجه بلغمياً، وتحدث بكاء وجزعاً لمن كان مزاجه سوداوياً، وتحدث سروراً
لمن كان مزاجه دموياً، فتجد من متناوليها من يشتد بكاؤه، ومنهم من يشتد صمته،
ومنهم من يعظم سروره وانبساطه فشرّاب الخمر تكثر عربدتهم ووثوب بعضهم على بعض
بالسلاح ويهجمون على بعض الأعمال التي لا يطيقونها في حال الصحو كما أشار الشاعر,
أما أهل الحشيش والأفيون فيصيرون همدة ساكتين انتزعت منهم قوة البطش بل هم أشبه
شيء بالبهائم ولذلك تكثر حوادث القتل مع شراب الخمر ولا تكاد توجد مع أصحاب
المخدرات، إذ هذه المخدرات تحدث خنوثة الطبع وفساده وقد تجر صاحبها إلى الدياثة
على زوجته وأهله فضلاً عن الأجانب. |
|
|
والمسكرات محرمة إجماعاً وفيها الحد
والمخدرات محرمة كذلك وفيها الحد أو التعزير الزاجر عنها. |
|
|
أما المرقدات فيجوز استعمالها للعمليات
الجراحية، قال ابن فرحون المالكي:" والظاهر جواز ما يسقى من المرقد لقطع
عضو ونحوه؛ لأن ضرر المرقد مأمون وضرر العضو غير مأمون", وبهذا تنفرد
المرقدات عن المخدرات. |
|
|
قال صاحب الفروق والقواعد السنية في الأسرار
الفقهية التي حشى بها فروق القرافي ص 216 ج1 طبع دار إحياء الكتب العربية:"
اعلم أن النبات المعروف بالحشيشة لم يتكلم عليه الأئمة المجتهدون ولا غيرهم من
علماء السلف لأنه لم يكن في زمنهم وإنما ظهر في أواخر المائة السادسة وانتشرت في
دولة التتار قال العلقمي في شرح الجامع: "حكي أن رجلاً من العجم قدم
القاهرة وطلب دليلاً على تحريم الحشيشة وعقد لذلك مجلساً حضره علماء العصر
فاستدل الحافظ زين الدين العراقي بحديث أم سلمة:"
نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كل مسكر ومفتر", فأعجب
الحاضرين"، قال: "ونبه السيوطي على صحته واحتج به ابن حجر على حرمة
المفتر ولو لم يكن شراباً ولا مسكراً ", ذكره في باب الخمر والعسل من شرح
البخاري واحتج به القسطلاني في المواهب اللدنية على ذلك أيضاً وذكره السيوطي في
جامعه ولولا صلاحيته للاحتجاج به ما احتج به هؤلاء وهم رجال الحديث وجهابذته. |
|
|
وكون الحشيشة من المفتر مما أطبق عليه
مستعملوها ممن يعتد بهم وبخبرهم يعتد في مثل هذا الأمر، والقاعدة عند المحدثين
والأصوليين أنه إذا ورد النهي عن شيئين مقترنين ثم نص على حكم النهي عن أحدهما
من حرمة أو غيرها أعطى الآخر ذلك الحكم بدليل اقترانهما في الذكر والنهي. |
|
|
وفي الحديث المذكور ذكر المفتر مقروناً
بالمسكر وتقرر عندنا تحريم المسكر بالكتاب والسنة والإجماع فيجب أن يعطى المفتر
حكمه بقرينة النهي عنهما مقترنين وفسر غير واحد التفتير باسترخاء الأطراف
وتخدرها وصيرورتها إلى وهن وانكسار وذلك من مبادئ النشوة معروف عند أهلها أفاده ابن حمدون.اهـ |
|
|
وذكر البستاني في دائرة المعارف ج7 ص67 و69
و 70 في مادة الحشيشة فأشار نقلاً عمّا في كتب النبات الطبية إلى أن جميع أجزاء
هذا النبات تتصاعد منها رائحة كريهة نتنة زهمة فلذا عُدّ من السموم ثم قال:"
فإذا مكث الشخص معرضاً لتصعداتها لم يلبث أن يحصل له صداع شديد ودوار وجميع
أعراض السكر وتكون هذه الأحوال أشد ظهوراً كلّما كان استنبات النبات في بلد أميل
إلى الجنوب لأنه في البلاد الشمالية يفقد أعظم جزء من فاعليته", ثم ذكر أنه
تستحضر منه مشروبات وتراكيب مسكرة توقع مستعملها في سبات وتوقف الحس والحركة
بسبب تأثيرها على المخ. ويشير إلى أن مستعملها قد يسقط في سبات مصحوباً بعوارض
عصبية. |
|
|
ونقل البستاني عن ابن البيطار أنه إذا تناول
الإنسان من هذه الأوراق مقدار درهم أسكر جدا وإن أكثر من ذلك خرج إلى حد الرعونة
وربما قتل ثم قال:" ويشاهد من إفراط المقدار هذيان يؤدي إلى فزع وقد يميت
وقال أطباء العرب عن نتائجه إنه وإن حصل منه التفريح أولا إلا أنه يخدر ويكسل
ويبلد ويضعف الحواس وينتن رائحة الفم ويضعف الكبد والمعدة بتبريده ويورث
الاستسقاء وفساد الألوان", ثم قال: " وبالجملة ففساده كبير كثير",
ثم قال : " ويحدث ضلالاً في الأخلاق الأدبية والطبيعية فيشاهد مستعمله ما
هو موجود أمامه مشاهدة رديئة ويشاهد شيئاً ليس موجوداً ويحكم حكماً فاسداً في
الموجودات فيكون أشبه بالمجانين", ثم ذكر أن المقريزي ذمها ذماً شديداً
وعدد قبائح مستعمليها وما فعل بعض الرؤساء والملوك في شأن إبطالها وكيفية ثبوتها
مجددة وقتا بعد وقت. وقال فريد وجدي في دائرة معارف القرن الرابع عشر ج3 ص 447: "الحشيش
الذي يستعمله بعض الناس للتخدير هو
عصارة القنب الهندي وهو مخدر ومفقد للإحساس ومضر بالمجموع العصبي ضرراً
بليغاً جداً ونتيجته الطبيعية الجنون بأشد حالاته وتدخينه عادة مرن عليها بعضهم
واستناموا لها استنامة لا فواق منها وهم في الحقيقة جانون على أنفسهم وعائلاتهم
جناية ليس وراءها"، وفي دائرة المعارف الإسلامية ج7 ص434 في مادة الحشاشين
نعنى جماعة الحسن بن الصباح الذي استولى على قلعة ألموت 483 هـ الموافق 1090_
1091 م المتوفى عام 518: |
|
|
والحشيش يجهز من القنب الذي يستعمل أحياناً
ليبلوا حالة الوجد أو السكر. |
|
|
ويقال إن الذين ينتخبون من الفدائيين على يد
أئمة الحشاشين لأداء مهمة جليلة الخطر (كالاغتيال مثلاً) يدفعون إلى تعاطي
الحشيش حتى يصبحوا كالآلة الصماء يقومون بكل عمل يطلب منهم، وفي ص 440 و441 و442
و443 ج7 من دائرة المعارف الإسلامية في مادة الحشيش: |
|
|
الحشيش هو الاسم العربي لمخدر شرقي يستخلص
من القنب الهندي وأشار إلى أنه عقار وأنه الإدمان عليه يورث العقم. |
|
|
والقنب اسم يوناني سرياني واسمه الفارسي
المعرب (شاهدانج) أشار إلى أن أول طبيب وصف التخدير الذي يحدثه هو ابن البيطار
ولم يكن ذلك قبل القرن السابع الهجري والثالث عشر الميلادي وطول الإدمان عليه
يورث الجنون، ثم قال: " وجاء المقريزي في القرن الرابع عشر الميلاد (التاسع
الهجري) وذكر أن الأمير سودون الشيخوني سعى قرابة عام 780 هـ (1378م ) إلى تحريم
استعمال الحشيش في مصر بفرض العقاب الصارم", وقال في دائرة المعارف هذه: |
|
|
"وحسبنا أن نذكر هنا أقوال نفر من
الأطباء امتازوا بأنهم كتبوا في تعاطي الحشيش عن دراية وخبرة وأولهم بروسيبيرو
البينو الذي طب من عام 1581 م إلى عام 1584م لقنصل البندقية في القاهرة والبرتغالي جار سسادا أورتا عام 1653
كما رسمه الإسباني خريستوفال أكوستا عام 1576 م". |
|
|
وقد أشار في دائرة المعارف إلى اختلاف تأثير
الحشيش في الناس فذكر أن تأثيره كما هو الشأن في جميع السموم المخدرة في استحداث
حالة من النشوة مصحوبة بضحك متواصل يتبعها وجد وهذيان وأوهام وهي من السمات الخاصة
به, كما تحدث نوبات من الغضب ثم يتبع ذلك حالة من التهيج الجنسي المتزايد تنتهي
بنوم تخديري وأحلام. |
|
|
وذكر من آثاره أن مدمنة يصاب بهبوط مصحوب
بفقدان الإرادة والبلاهة التامة وقد كان سكان المصحات العقلية في مصر من مدمني
الحشيش 30% ثلاثين في المائة والدولة تشن حرباً لا هوادة فيها على مهربي الحشيش لتحاول القضاء على هذا العقار
القتال. |
|
|
ويستغل الأشرار هذه القوة التخديرية الحادثة
من الحشيش على هذا النحو في أغراضهم الإجرامية. |
|
|
وقال ابن حجر الهيثمي من علماء القرن العاشر
الهجري في كتابه (الزواجر عن اقتراف الكبائر) ص138 ج2 طبعة دار الكتب العربية
الكبرى: "واعلم أن الحشيشة المعروفة حرام كالخمر يحد آكلها, أي على قول قال
به جماعة من العلماء كما يحد شارب الخمر, وهي أخبث من الخمر من جهة أنها تفسد
العقل والمزاج أي إفساداً عجيباً حتى يصير في متعاطيها تخنث قبيح ودياثة عجيبة وغير
ذلك من المفاسد فلا يصير له من المروءة شيء البتة ويشاهد من أحواله خنوثة الطبع
وفساده وانقلابه إلى أشر من طبع النساء ومن الدياثة على زوجته وأهله فضلاً عن
الأجانب ما يقضي العاقل منه بالعجب العجاب وكذا متعاطي نحو البنج والأفيون
وغيرهما مما مرّ قبيل البيع. والخمر أخبث من جهة أنها تفضي إلى الصيال
على الغير وإلى المخاصمة والمقاتلة والبطش وكلاهما يصد عن ذكر الله وعن الصلاة. |
|
|
ورأى آخرون من العلماء تعزير أكلها كالبنج",
ثم قال: |
|
|
"وسبب اختلاف العلماء في الحد وفي
نجاستها كونها جامدة مطعومة ليست شراباً فقيل هي نجسة كالخمر وهو الصحيح أي عند
الحنابلة وبعض الشافعية. |
|
|
وقيل طاهرة لجمودها أي وهو الصحيح عند
الشافعية وقيل المائعة نجسة والجامدة طاهرة: قال: وعلى كل حال فهي داخلة فيما
حرم الله ورسوله من الخمر لفظا ومعنى". اهـ. |
|
|
وقد وقفت في مخطوطات المكتبة المحمودية
بالمدينة المنورة على رسالة تسمى الجواب المتحرر في أحكام المنشط والمخدر للشيخ
أبي محمد عبد الرحمن بن عبد الكريم بن زياد الزبيدي أحد كبار علماء القرن العاشر
الهجري، وقد ذكر فيها أن الشيء إنما يحرم تناوله وأكله وشربه إما لإضراره الضرر
البين كالسم أو لإسكاره كالخمر والنبيذ مع نجاسته أو لنجاسته كالبول والغائط أو
لتخديره وتخبيله للعقل كالبنج والحشيش ونحوهما أو لاستقذاره كالمخاط والبزاق.
وخص الفصل الثالث من هذا الجواب الواقع في الورقة 6 في بيان حكم البنج والحشيش. |
|
|
قال: "والمعمول الذي فيه ما يضر حرام
باتفاق العلماء كما قاله أبو العباس ابن تيمية الحنبلي والشيخ بدر الدين الزركشي
الشافعي رحمهما الله تعالى وكل منهما صنف في ذلك مصنفاً وصرحا بالتحريم فيحرم
تناول هذه الأشياء ويفسق آكلهما وترد شهادته قياساً على الخمر إذ تصد عن ذكر
الله وعن الصلاة بل تزيد بتغير العقل بالمداومة عليها كما شوهد ذلك في المتعاطين
لأكلها", قلت: وقفت على مصنف الإمام الزركشي في ذلك وفيه جمل من الفوائد
فأحببت تلخيص بعض فوائده هنا لتكمل الفائدة. |
|
|
قال: " ذكر بعضهم أنه جمع في الحشيش
مائة وعشرين مضرة دينية ودنيوية ونقل عن بعض الأئمة كل ما في الخمر من المذمومات
موجود في الحشيش وزيادة فهي تشارك الخمر في الإسكار وفساد الفكر ونسيان الذكر
وإنساء السرور وإنشاء الشرور وذهاب الحيا وكثرة الخنا وعدم المروءة وكشف العورة
وإتلاف الكيس ومجالسة إبليس وترك الصلاة والوقوع في المحرمات هذا بعض ضررها في
الدين, أما في البدن فتفسد العقل وتقطع النسل وتولد الجذام وتورث البرص وتجلب
الأسقام وتكسب الرعشة وتجفف المنى وتسقط شعر الأجفان وتحرق الدم وتحفر الأسنان
وتظهر الداء الخفي وتضمر الأحشاء وتبطل الأعضاء وتضيق النفس وتقوي الهوى وتصفر
اللون وتسود الأسنان وتفت الكبد، وتهيج المعدة وتولد في الفم البخر وفي العين
الغشاوة وقلة النظر وفي المخيلة كثرة الفكر ثم ذكر غير ذلك من أوصافها المذمومة
وذكر أن الصواب أنها مسكرة وأنه يجب الحد فيها". قلت: التحقيق أنها مخدرة
وما ذكره من وجوب الحد مخالف لما جرى عليه إماماه ومحرراه ومنقحاه الرافعي والنووي
فإنهما صرحا بوجوب التعزير لا الحد فهو المعتمد ثم ذكر عن النووي أنه قال في
الحشيشة "إنها مسكرة وليست بنجسة". ويؤيده أن الشيخ تقي الدين بن دقيق
العيد فيما كتبه على فروع ابن الحاجب قطع بأنها طاهرة وحكى الإجماع عليه. |
|
|
وقال الصنعاني في سبل السلام:
|
|
|
"قال الخطابي : المفتر كل شراب يورث
الفتور والخور في الأعضاء وحكى العراقي وابن تيمية الإجماع على تحريم الحشيشة
وأن من استحلها كفر قال ابن تيمية: إن الحشيشة أول ما ظهرت في آخر المائة
السادسة من الهجرة حين ظهر في دولة التتار وهي من أعظم المنكرات وهي شر من الخمر
من بعض الوجوه لأنها تورث نشأة (نشوة) ولذة وطرباً كالخمر ويصعب الطعام عليها
أعظم من الخمر وقد أخطأ الذي قال: |
|
|
وحرام تحريم غير الحرام |
حرموها من غير عقل ونقل |
|
وأما البنج فهو حرام, قال ابن تيمية:"إن
الحد في الحشيشة واجب". |
|
|
قال ابن البيطار: "إن الحشيشة وتسمى
القنب توجد في مصر مسكرة جدّاً إذا تناول الإنسان منها قدر درهم أو درهمين،
وقبائح حصائلها كثيرة وعدّ منها
بعض العلماء مائة وعشرين مضرة دينية ودنيوية. |
|
|
وقبائح خصائلها موجودة في الأفيون وفيه
زيادة مضار", قال ابن دقيق العيد في الجوزة أنها مسكرة. |
|
|
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في
مجموع الفتاوى ج34 ص198: |
|
|
"وكذلك (الحشيشة) المسكرة يجب فيها
الحد، وهي نجسة في أصح الوجوه، وقد قيل إنها طاهرة, وقيل يفرق بين يابسها
ومائعها, والأول الصحيح؛ لأنها تسكر بالاستحالة كالخمر النيء، بخلاف مالا يسكر
بل يغيب العقل كالبنج، أو يسكر بعد الاستحالة كجوزة الطيب، فإن ذلك ليس بنجس.
ومن ظن أن الحشيشة لا تسكر وإنما تغيب العقل بلا لذة فلم يعرف حقيقة أمرها، فإنه
لولا ما فيها من اللذة لم يتناولوها ولا أكلوها، بخلاف البنج ونحوه مما لا لذة
فيه, والشارع فرق في المحرمات بين ما تشتهيه النفوس وما لا تشتهيه, فما لا
تشتهيه النفوس كالدم والميتة اكتفى فيه بالزاجر الشرعي، فجعل العقوبة فيه
والتعزير, وأما ما تشتهيه النفوس فجعل فيه مع الزاجر الشرعي زاجرا طبيعيا وهو
الحد (والحشيشة) من هذا الباب". |
|
|
وقال في ص205 و206: " وهذه (الحشيشة)
فإن أول ما بلغنا أنها ظهرت بين المسلمين في أواخر المائة السادسة وأوائل
السابعة, حيث ظهرت دولة التتار، وكان ظهورها مع ظهور سيف (جنكسخان) لما أظهر
الناس ما نهاهم الله ورسوله عنه من الذنوب سلط الله عليهم العدو، وكانت هذه
الحشيشة الملعونة من أعظم المنكرات، وهي شر من الشراب المسكر من بعض الوجوه،
والمسكر شر منها من وجه آخر، فإنها من أنها تسكر آكلها حتى يبقى مسطولاً تورث
التخنث والديوثة, وتفسد المزاج, فتجعل الكبير كالسفنجة وتوجب كثرة الأكل, وتورث
الجنون، وكثير من الناس صار مجنوناً بسبب أكلها ومن الناس من يقول إنها تغير
العقل فلا تسكر كالبنج، وليس كذلك بل تورث نشوة ولذة وطرباً كالخمر، وهذا هو
الداعي إلى تناولها، وقليلها يدعو إلى كثيرها كالشراب المسكر، والمعتاد لها يصعب
عليه فطامه عنها أكثر من الخمر، فضررها من بعض الوجوه أعظم من الخمر، ولهذا قال
الفقهاء: إنه يجب فيها الحد، كما يجب في الخمر. |
|
|
وتنازعوا في (نجاستها) على ثلاثة أوجه في
مذهب أحمد وغيره, فقيل هي نجسة, وقيل: ليست نجسة, وقيل: رطبها نجس كالخمر،
ويابسها ليس بنجس, والصحيح أن النجاسة تتناول الجميع كما تتناول النجاسة جامدة
الخمر ومائعها، فمن سكر من شراب مسكر أو حشيشة مسكرة لم يحل له قربان المسجد حتى
يصحو، ولا تصح صلاته حتى يعلم ما يقول، ولا بد أن يغسل فمه، ويديه، وثيابه في
هذا وهذا، والصلاة فرض عليه، لكن لا تقبل منه حتى يتوب أربعين يوماً كما قال
النبي صلى الله عليه وسلم: "من شرب الخمر لم تقبل
له صلاة أربعين يوما، فإن تاب تاب الله عليه فإن عاد فشربها لم تقبل له صلاة
أربعين يوماً، فإن تاب تاب الله عليه، فإن عاد فشربها كان حقا على الله أن يسقيه
من طينة الخبال"، قيل: وما طينة الخبال؟ قال: "عصارة أهل النار أو عرق أهل النار". |
|
|
وقال في ص210 _ 214: " الحمد لله, هذه
الحشيشة الصلبة حرام، سواء سكر منها أو لم يسكر، والسكر منها حرام باتفاق
المسلمين، ومن استحل ذلك وزعم أنه حلال فإنه يستتاب، فإن تاب وإلا قتل مرتداً،
لا يصلى عليه، ولا يدفن في مقابر المسلمين، وأما إن اعتقد ذلك قربة، وقال: هي
لقيمة الذكر والفكر، وتحرك العزم الساكن إلى أشرف الأماكن، وتنفع في الطريق، فهو
أعظم وأكبر، فإن هذا من جنس دين النصارى الذين يتقربون بشرب الخمر، ومن جنس من
يعتقد الفواحش قربة وطاعة قال الله تعالى: {وَإِذَا
فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا
بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى
اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ}, ومن كان يستحل ذلك جاهلاً وقد سمع بعض
الفقهاء يقول: |
|
|
وحرام تحريم غير الحرام |
حرموها من غير عقل ونقل |
|
فإنه ما يعرف الله ورسوله، وأنها محرمة،
والسكر منها حرام بالإجماع، وإذا عرف ذلك ولم يقر بتحريم ذلك فإنه يكون كافراً
مرتداً كما تقدم، وكل ما يغيب العقل فإنه حرام وإن لم تحصل به نشوة ولا طرب، فإن
تغيب حرم بإجماع المسلمين, وأما تعاطي البنج الذي لم يسكره, ولم يغيب العقل ففيه
التعزير. وأما المحققون من الفقهاء فعلموا أنها مسكرة، وإنما يتناولها الفجارلما
فيها من النشوة والطرب، فهي تجامع الشراب المسكر في ذلك، والخمر توجب الحركة
والخصومة، وهذه توجب الفتور والذلة، وفيها مع ذلك من فساد المزاج والعقل، وفتح
باب الشهوة وما توجبه من الدياثة، مما هي من شر الشراب المسكر، وإنما حدثت في
الناس بحدوث التتار. |
|
|
وعلى تناول القليل منها والكثير حد الشرب،
ثمانون سوطاً، أو أربعون, إذا كان مسلما يعتقد تحريم المسكر، ويغيب العقل. |
|
|
وتنازع الفقهاء في نجاستها؟ على ثلاثة أقوال
(أحدها) أنها ليست نجسة, (والثاني) أن مائعها نجس، وأن جامدها طاهر, و(الثالث)
وهو الصحيح أنها نجسة كالخمر، فهذه تشبه العذرة، وذلك يشبه البول، وكلاهما من
الخبائث التي حرمها الله ورسوله ومن ظهر منه أكل الحشيشة فهو بمنزلة من ظهر منه
شرب الخمر، وشر منه من بعض الوجوه، ويهجر، ويعاقب على ذلك، كما يعاقب هذا،
الوعيد الوارد في الخمر مثل قوله صلى الله عليه وسلم : "لعن
الله الخمر، وشاربها، وساقيها، وبائعها، ومبتاعها، وحاملها، وآكل ثمنها",
ومثل قوله: "من شرب الخمر لم يقبل الله له صلاة
أربعين يوماً، فإن تاب تاب الله عليه، فإن عاد وشربها لم يقبل الله له صلاة
أربعين يوماً فإن تاب تاب الله عليه، وإن عاد فشربها لم يقبل الله له صلاة
أربعين يوماً فإن تاب تاب الله عليه، وإن عاد فشربها في الثالثة أو الرابعة كان
حقاً على الله أن يسقيه من طينة الخبال، وهي عصارة أهل النار", وقد
ثبت عنه في الصحيح صلى الله عليه وسلم أنه قال: "كل
مسكر حرام", وسئل عن هذه الأشربة وكان قد أوتي جوامع الكلم فقال صلى
الله عليه وسلم: "كل مسكر حرام". |
|
|
وسئل رحمه الله عما يجب على آكل الحشيشة؟
ومن ادعى أن أكلها جائز حلال مباح فأجاب: " أكل هذه الحشيشة الصلبة حرام،
وهي من أخبث الخبائث المحرمة، وسواء أكل منها كثيراً أو قليلاً لكن الكثير
المسكر منها حرام باتفاق المسلمين، ومن استحل ذلك فهو كافر يستتاب, فإن تاب وإلا
قتل كافراً مرتداً، لا يغسل، ولا يصلى عليه ولا يدفن بين المسلمين. وحكم المرتد
شر من حكم اليهودي والنصراني، سواء اعتقد أن ذلك يحل للعامة أو للخاصة الذين
يزعمون أنها لقمة الفكر والذكر، وأنها تحرك العزم الساكن إلى أشرف الأماكن، وأنهم
لذلك يستعملونها. |
|
|
وقد كان بعض السلف ظن أن الخمر تباح للخاصة،
متأولاً قوله تعالى: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ
آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا
وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا
وَأَحْسَنُوا}, فلما رفع أمرهم إلى عمر بن الخطاب وتشاور الصحابة
فيهم اتفق عمر وعلي وغيرهما من علماء الصحابة رضي الله عنهم على أنهم إن أقروا
بالتحريم جلدوا، وإن أصروا على الاستحلال قتلوا. |
|
|
وهكذا حشيشة العشب من اعتقد تحريمها
وتناولها فإنه يجلد ثمانين سوطاً أو أربعي. هذا هو الصواب, وقد توقف بعض الفقهاء
في الجلد، لأنه ظن أنه مزيلة للعقل، غير مسكرة، كالبنج ونحوه مما يغطي العقل من
غير سكر، فإن جميع ذلك حرام باتفاق المسلمين إن كان مسكراً ففيه حد الخمر، وإن
لم يكن مسكراً ففيه التعزير بما دون ذلك, ومن اعتقد حل ذلك كفر وقتل, والصحيح أن
الحشيشة مسكرة كالشراب، فإن آكليها ينشون بها، ويكثرون تناولها بخلاف البنج
وغيره، فإنه لا ينشي ولا يشتهي، وقاعدة الشريعة أن ما تشتهيه النفوس من المحرمات
كالخمر والزنا ففيه الحد وما لا تشتهيه كالميتة ففيه التعزير (والحشيشة) مما يشهيها
آكلوها, ويمتنعون عن تركها, ونصوص التحريم في الكتاب والسنة على من يتناولها كما
يتناول غير ذلك، وإنما ظهر في الناس أكلها قريباً من نحو ظهور التتار فإنها
خرجت، وخرج معها سيف التتار". |
|
|
وقال في ص222_ 224 : " فهذه (الحشيشة
الملعونة) هي وآكلوها ومستحلوها الموجبة لسخط الله وسخط رسوله وسخط عباده
المؤمنين المعرضة, صاحبها لعقوبة الله، إذا كانت كما يقوله الضالون, من أنها
تجمع الهمة، وتدعو إلى العبادة فإنها مشتملة على ضرر في دين المرء وعقله وخلقه
وطبعه أضعاف ما فيها من خير، ولا خير فيها، ولكن هي تحلل الرطوبات، فتصاعد
الأبخرة إلى الدماغ، وتورث خيالات فاسدة فيهون على المرء ما يفعله من عبادة،
ويشغله بتلك التخيلات عن أضرار الناس, وهذه رشوة الشيطان يرشو بها المبطلين
ليطيعوه فيها بمنزلة الفضة القليلة في الدرهم المغشوش، وكل منفعة تحصل بهذا
السبب فإنها تنقلب مضرة في المآل، ولا يبارك لصاحبها فيها، وإنما هذا نظير
السكران بالخمر، فإنها تطيش بعقله حتى يسخو بماله ويتشجع على أقرانه، فيعتقد
الغر أنها أورثته السخاء والشجاعة وهو جاهل، وإنما أورثته عدم العقل, ومن لا عقل
له لا يعرف قدر النفس والمال، فيجود بجهله لا عن عقل فيه. |
|
|
وكذلك هذه الحشيشة المسكرة إذا أضعفت العقل،
وفتحت باب الخيال، تبقى العادة فيها مثل العبادات في الدين الباطل دين النصارى،
فإن الراهب تجده يجتهد في أنواع العبادة لا يفعلها المسلم الحنيف، فإن دينه
باطل، والباطل خفيف، ولهذا تجود النفوس في السماع المحرم والعشرة المحرمة بالأموال
وحسن الخلق بما لا تجود به في الحق، وما هذا بالذي يبيح تلك المحارم، أو يدعو
المؤمن إلى فعله، لأن ذلك إنما كان لأن الطبع لما أخذ نصيبه من الحظ المحرم ولم
يبال بما بذله عوضاً عن ذلك، وليس في هذا منفعة في دين المرء ولا دنياه, وإنما
ذلك لذة ساعة، بمنزلة لذة الزاني حال الفعل، ولذة شفاء الغضب حال القتل، ولذة
الخمر حال النشوة، ثم إذا صحا من ذلك وجد عمله باطلاً، وذنوبه محيطة به وقد نقص
عليه عقله ودينه وخلقه. |
|
|
وأين هؤلاء الضلال مما تورثه هذه الملعونة
من قلة الغيرة وزوال الحمية حتى يصير آكلها إما ديوثاً، وإما مأبوناً، وإما
كلاهما, وتفسد الأمزجة حتى جعلت خلقاً كثيراً مجانين وتجعل الكبد بمنزلة السفنج
ومن لم يجن منهم فقد أعطته نقص العقل، ولو صحا منها فإنه لا بد أن يكون في عقله
خبل ثم إن كثيرها يسكر حتى يصد عن ذكر الله وعن الصلاة، وهي وإن كانت لا توجب
قوة نفس صاحبها حتى يضارب ويشاتم، فكفى بالرجل شراً أنها تصده عن ذكر الله وعن
الصلاة إذا سكر منها وقليلها وإن لم يسكر فهو بمنزلة قليل الخمر. |
|
|
ثم إنها تورث من مهانة آكلها، ودناءة نفسه،
وانفتاح مالا يورثه الخمر، ففيها من المفاسد ما ليس في الخمر، وإن كان في الخمر
مفسدة ليست فيها وهي الحدة، فهي بالتحريم أولى من الخمر لأن ضرر آكل الحشيشة على
نفسه أشد من ضرر الخمر، وضرر شارب الخمر على الناس أشد إلا أنه في هذه الأزمان
لكثرة أكل الحشيشة صار الضرر الذي منها على الناس أعظم من الخمر، وإنما حرم الله
المحارم لأنها تضر أصحابها، هذا وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كل مسكر خمر وكل مسكر حرام", وهذه مسكرة،
ولو لم يشملها لفظ تعينها لكان فيها من المفاسد ما حرمت الخمر لأجلها، مع إن
فيها مفاسد أخر غير مفاسد الخمر توجب تحريمها. والله أعلم". اهـ. |
|
|
هذا وأسأل الله عز وجل أن يوفق المسؤولين عن
الأمم والشعوب في حمايتها من المخدرات المعنوية المتمثلة في المذاهب الهدامة
والنظريات المنحرفة فإنها لا تقل في هدم الشعوب والأمم والأفراد عن أختها المخدرات الحسية. |
|
|
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. . . |
|