طباعة

 توثيق النص

 

 

 

 

نداءٌ واحتكامٌ إلى ضمير العالم الإسلامي

بقلم: السردار محمد عبد القيوم خان

رئيس دولة كشمير المحرر

 

 

الحج مؤسسة إسلامية اجتماعية هامة وهو _ كأي معتقد إسلامي آخر _ ذو مغزى خاص يشكل أساساً دولياً لفلسفة الحياة _ وإنما أدركت الحكمة الإلهية السرمدية ما يكون من إخضاع المسلمين لضروب من الإمتحان الخطر المؤلم في القرون الآتية_ ومن أجل ذلك زود الله لهم في صورة الحج فرصة ملائمة لاحتفال سنوي يأتيه المسلمون من أنحاء العالم كلها عند بيته الحرام. .

وبهذا يسمو اجتماع الحج فوق كل حاجز جغرافي أو فارق طبقي أو تفوق لساني ويجهز للمسلمين كافة منبراً عالمياً ومنتدى عاماً يمكن لهم تبادل أفكارهم ودراسة مشاكلهم ليشاركوا في أحزانهم ويسارعوا إلى إنقاذ المكروبين منهم _ في أي مكان كانوا _ بكل وسيلة وحيلة لهم عليها تسلط.

والآن يوجد مثل هذا الوضع من كرب المسلمين في ناحية نائية من أنحاء الكرة الأرضية_ وهو في الواقع تحدٍ يدعو الملة الإسلامية إلى النزال.

اليوم خمسة ملايين من مسلمي كشمير، المخلصين في وفائهم للدين الإسلامي القاطنين في منطقة تبلغ مساحتها 212.000كم2 وهي تقع في شمال شبه القارة الهندية، هؤلاء الكشميريون المسلمون يقاسون ألماً مبرحاً ويكابدون ترقباً قلقاً ويعانون خيبة وفشلاً، وكل ذلك بسبب مؤامرة سيئة خبيثة دبرها الاستعمار الهندوسي الجديد بمساعدة من البريطانيين المستعمرين الراحلين.

وعلى الرغم من المبدأ المسلم لتقسيم القارة الهندية إلى الدولتين على أساس الدين واستخفافاً لهذا المبدأ حاولت الهند أن اغتصبت واحتلت كشمير خداعاًضد رغبة الأكثرية الساحقة من القاطنين المسلمين وقد أدى هذا الخداع المشئوم إلى تمزيق الشعب الكشميري إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول منهم هم سكان منطقة محررة وهي تحتوي على دولة كشمير المستقلة وإقليمي جلجت وبلتستان. والقسم الثاني هم الذين أخرجهم الهندوس من ديارهم وأموالهم وأكثرهم الآن لاجئون في باكستان يترقبون عودتهم إلى ديارهم في يوم ما. وأما القسم الثالث من الشعب الكشميري - وهو معظمهم - فهم يقاسون الحكم الكبتي الأجنبي في كشمير المحتلة تحت احتلال الهندوس.

هذا التفريق الاستبدادي بين أبناء جنس واحد يطرح قضية بشرية جدير أن يرثى لها - العائلات والأسرات مزقوا كل ممزق فانفصل الرجل من أخيه وزوجته وبنيه - والخلاصة أنها حكاية طويلة فاجعة مثيرة للشفقة لأنها حكاية الشقاء والبؤس والحرمان.

 

ادعاء الهند:

كل ادعاء الهند بكشمير باطل إلا أنها قد احتلها غصباً وخداعاً، أما سكان كشمير فمعظمهم أي أكثر من 85 % مسلمون وهؤلاء المسلمون كلهم يتمنون أمنية لا لبس فيه أن يلحقوا بإخوانهم في باكستان، لم يتزحزح الكشميريون عن موقفهم الحق رغم كل محاولة الهند من الإقناع والحث أو القسر والإجبار أو استخدام القوة.

وبالإضافة إلى أن الكشميريين والباكستانيين كلهم مولون وجودهم شطراً واحداً في صلواتهم، كلا الشعبين يشترك مع الآخر من جهة التاريخ والثقافة أيضاً، لسانهما واحد، وزيهما واحد، طعامهما واحد وبينهما قرابة نسباً ورحماً وصهراً.

وليس للهند اتصال جغرافي بكشمير إلا قطعة ضيقة من الأرض وحصلت الهند عليها بتشجيع سري من بريطانيا، أما باكستان فتتلاصق حدود كشمير بها من جميع الجهات ويبلغ طولها أكثر من ألف كيلومتر _ وكل نهر في كشمير يسيل إلى باكستان، والسوق المفيد الوحيد لإنتاج كشمير الزراعي والصناعي هي في باكستان، وكان من سبب توقف كشمير التجاري صلتها بالهند عن طريق غير سوي بعيد متكلف، فإذاً كشمير قطعة متعذر فصلها من باكستان جغرافياً وثقافياً واقتصادياً وديناً.

 

حرب التحرير:

في أواخر أيام بريطانيا في الهند حدس (دوجار) وهي عصبة هندوسية مسيطرة عل حكومة كشمير آنذاك، إنه لا بد من تقسيم شبه القارة الهندية وإقامة باكستان كدولة إسلامية ذات استقلال، فأدوا إعداداً محكماً شاملاً لحدوث وضع يسهل توحيد كشمير مع الهند.

فنظراً إلى هذا الهدف اقتحموا في تنفيذ خطتهم الوحشية لإبادة المسلمين الجماعية في كشمير. إن الفظائع الوحشية التي اقترفتها حكومة (دوجار) في كشمير ضد السكان المسلمين أثارت الغيظ في قلوب طائفة كبيرة من سكان مقاطعة (بنش) في غربي كشمير، وأكثر أهلها رجال حرب،  فاستهلوا حرباً للتحرير من ذلك الحكم المستبد الغاشم. ثم أتبعهم في هذه الحرب سكان قرى أخرى وهذه القرى اليوم تكون دولة كشمير المستقلة. وأنا - كاتب هذه الرسالة - كنت بفضل الله تعالى نفسي مساعداً بل قائداً للجهاد في (بنش) وبالتالي انتشرت الحرب في مقاطعات مظفر آباد وميربور ومقاطعات (جامو) الغربية الأخرى.

وكان جيوش المجاهدين غير مجهز من جهة الأسلحة والطعام والنظام لكن روح الجهاد الإسلامي كان معهم فقاتلوا العدو بالبسالة ولو بفارق كبير، حتى انهزمت جيوش (دوجار) المسلحة بالسلاح الفائقة المتكلفة. {وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْراً وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ}، فأخرج المجاهدون أعداءهم من حصونهم وقلاعهم، ونتيجة لذلك الجهاد تحررت المناطق التي تنضم الآن في دولة كشمير المستقلة.

وأوشكنا على الانتصار الكامل وتحرير جميع الأراضي وقد أحست الجيوش الهندوسية أن لا عون لها تجاه المجاهدين الذين قهروها في جبال كشمير وسهولها، فحينئذ ألجئت الحكومة الهندية إلى منظمة الأمم المتحدة وما أسرع الدول الاستعمارية لإنقاذ الهندوس، فهي دبرت هدنة تحت العهد بأن يجري في كشمير استفتاء عام واضح محايد في أقل وقد معقول، ولكن ذلك (العهد الوثيق) تكشف كاذباً مضللاً فيما بعد وإنما كان إعداده لمنح فترة راحة للجيوش الهندوسية فحسب.

 

الهند تغير المبدأ:

ومنذ وقف إطلاق النار تكررت المحاولات مرة بعد أخرى في الأمم المتحدة وفي مكان آخر لإذعان الهند لمواثيقها ومن مقتضاها انسحاب القوات العسكرية الهندوسية من كشمير، وكم من رجال الدول اقترحوا بطريقة مرضية مقترحات مواجهة لرفض الهند انسحاب قواتها من كشمير المحتلة استعداداً للمسرح كما يقولون لإجراء استفتاء عام غير متحيز، ومن المعلوم أن كل هذه الاقتراحات قبلتها باكستان ورفضتها الهند، وهنا شواهد عديدة مسجلة تظهر إنما هي الهند وحدها من نكثت مواثيقها الدولية وأنها لا تستحي من انتهاك اتفاقيات تعهدتها في وقت أو آخر.

ثم مشكلة كشمير إنما أحدثها الاستعمار البريطاني حينما سلم للهندوس قطعة أرضية ضيقة من منطقة تلى كشمير غدرا بمبدأ التقسيم على أساس الدين، وكان أكثر سكان تلك المنطقة مسلمين، فبذلك نفذت الهند إلى كشمير، ولو لم يكن هذا الأمر لم يكن للهند أي اتصال جغرافيا ببلادنا كشمير ولم تحدث مشكلة نحن فيها اليوم، وكان الاستعمار يهدف بهذا هدفاً دقيقاً محدداً لا لبس فيه وهو طعن باكستان في ظهرها _ والدراسة الموضوعية لدهائه السياسي في الماضي والحال يقنعك بصدق ما ذكرناه آنفاً.

الهند أيضاً كدولة هندوسية لم تسترض إقامة باكستان كدولة إسلامية ذات سيادة مستقلة وقد قاوم الزعماء الهندوس مقاومة عنيفة وصدوا بضراوة لكن خابت آمالهم ضد كفاح المسلمين وانقسم شبه قارة الهندية إلى الدولتين إحداهما دولة إسلامية، وبما أصبحت فكرة باكستان حقيقة واقعة رغماً عن أنف الهندوس وضد رضاهم فما زالوا يدبرون مكيدات عديدة ليصيبوها بكارثة، ولم يرضوا عن أن تكون باكستان قابلة للحياة والنمو كدولة إسلامية كما تصورها مفكروها المسلمون فكرة إسلامية نقية، وقد أحست الزعامة الهندوسية في إقامة باكستان ووجودها، حسب مقتضاها الفكري، تهديداً كامناً لإنجاز ما كان يبقى في أذهانهم منذ أعصر من إقامة إمبراطورية هندوسية ممتدة من إندونيسيا إلى إيران.

 

ستار الدعاية الهندوسية الدخاني:

من أجل بقائها بدون حل لمدة طويلة، اكتسبت مشكلة كشمير طبيعة شريرة مؤذية حتى صارت آفة مهلكة مثل السرطان لشبه القارة الهندية ودورها السياسي، وإنها سبب وحيد لفساد العلاقات ومرارة الصلات بين الهند وباكستان منذ أكثر من ربع القرن وإنها أوقدت نار الحرب الغير الحاسمة بين الدولتين ثلاث مرات سابقاً ولعل أخرى على وشك الظهور إلا أن تكره الهند على أن تعيد إلى جادة الصواب حتى تخلو الشعب الكشميري حقه في تقرير المصير وهو عليها واجب كالتعهد الدولي، هذه القضية أي مشكلة كشمير هي السبب الأول لتخفيض الاقتصاد وتثبيط التنمية في الدولتين باكستان والهند كليهما.

وجدير بالذكر أن الهند تستورد على نطاق واسع السلاح الناري العصري المعقد من الخارج ومع ذلك مصانعها الخاصة تصنع الأسلحة بسرعة وحديثاً فجرت الهند أداة نووية أيضا، لكن على الرغم من مثل هذه المسابقة إلى السلاح حكومة الهند تحافظ على مظهرها الكاذب مظهر المسالم والمحايد.

إن للهند براعة فائقة في أساليب التضليل والخداع والتظاهر الكاذب والنفاق، وهذا كله من مميزات الهندوس القومية، فهم يعتبرون مثل هذه الأعمال إجلالاً واحتراماً، الكتب المقدسة الدينية للهندوس تحذرهم أن لا يفشوا سراً ولا يظهروا ما يكشف عن خططهم الحقيقية، وعليهم أن يفضلوا البراعة في التخطيط على الصراحة والاستقامة، وأن يحجبوا ضغائنهم حين تعاملهم مع العدو بزي الحنان والشفقة وأن يعانقوا من يريدون قتله ثم ليبكوا على ميته، وعملاً بمثل هذه النصائح نجحت الهندوس في انخداع الرأي العالمي عن ما لهم من الأهداف العدوانية ضد الدوليات الصغيرة في المناطق المجاورة وضد باكستان خاصة، وبالإضافة إلى احتلالهم كشمير ظلماً وعدواناً فإنهم قد استولوا على دولتي حيدر آباد و (جوناجر) كما ابتلعوا حديثاً دويلة (سكم) أيضاً، ولكنهم يتوضعون أنفسهم كمحي السلام والمشغولين بالهم بمشكلة اقتصادهم فقط.

وللهند نفسها جهاز الدعائية للضخم الفعال وفوق هذا لها نفوذ واسع مؤثر في الصحافة العالمية وهذه الصحافة كما هو معلوم تسيطر عليها الوكالات الغير المسلمة المعاديات لخير المسلمين، بمساعدة هذه الوكالات تمكن للهند أن تنتقص من أهمية مشكلة كشمير شيئاً بالأكاذيب والزور.

هذه القضية الهامة المتفجرة هي في أصلها قضية حرية الإرادة وحق الممارسة لتقرير المصير للشعب الكشميري عدده خمسة ملايين، وهذا حقهم المسلم حسب القرارات الدولية ولكن الهند تستطيع أن تموهها بنسيج من الأكاذيب وراء ستار الدعاية الدخاني فتظهر كأنها نزاع إقليمي فحسب.

 

الهند وإسرائيل:

ومما يوقع الكآبة في نفوسنا ويثبط العزيمة إلى حد ما هو أن الدولة الهندية استطاعت بدهائها ووفقت بالمخادعة إلى أن تخمد شيئاً فشيئاً أهمية القضية في العالم الإسلامي أيضاً _ لأن الهند تصطف مع البلاد العربية ظاهرياً ضد إسرائيل _ وهي برغم ذلك ووراء ستار المسرح تتحد كل اتحاد في الحلف مع إسرائيل، فبهذا الاصطفاف الظاهري دبرت الهند أن تحايد بعض البلاد العربية من المساعدة لمشكلة كشمير إلى حد ما، ولعل من أجل ذلك لم يبرز هذه القضية في برنامج مؤتمر القمة الإسلامي.

العالم الإسلامي اليوم مشغول البال تماماً بالخطر الإسرائيلي وقضية فلسطين، ولا ريب أنها قضية ذات شأن كبير ويتوقف بقاء المسلمين عامة والدول العربية خاصة على حل هذه القضية على نحو مرض ومع هذا ليس من الصواب أن نرى مشكلة كشمير بتقدير بخس، سياسة الهند للتوسع الإقليمي ليست أقل من الاستعمار الصيهوني تهديداً وقساوة وإتلافاً، والواقع أن كليهما، الهند وإسرائيل، من وكلاء الاستعمار وهما يطمحان إلى التخلص من العالم الإسلامي والتغلب عليه، فإسرائيل تحلم باغتصاب البلاد العربية والهند تحلم لتجديد الإمبراطورية الهندوسية التي يعتقد الهندوس أنها كانت تتسع ما بين إندونيسيا وإيران قبل بضعة آلاف من السنين، ثم من مميزات دبلوماسية الهند وهي تلتقي مع مزايا دبلوماسية الصهيونية، هي الدعوة إلى السلام كذباً وزوراً ثم اللجوء إلى العدوان المسلح.

وكذلك من أبرز وجوه التشابه بين هاتين العميلتين للاستعمار الغربي، هو عدولهما عن الإيفاء بالمواثيق، وكم من عهود واتفاقيات نكثتها الهند أن إسرائيل لا تزال تنكث مواثيقها فليس عند الهندوس واليهود أي إجلال واحترام للعهود، فهم كلما عاهدوا عهداً نبذوه وراء ظهورهم.

والهند تنتفع بفترة راحة فازت بها من وقف إطلاق النار انتفاعاً تاماً، فهي من ناحية تشيد قوتها العسكرية لتأبيد احتلالها في كشمير المحتلة ومن ناحية أخرى هي تعمل لتصيير الأكثرية المسلمة إلى أقلية وهذه تارة بالاعتناق وتارة بالطرد.

الهند بدأت عملاً نظامياً وحملة عنيفة لتحقيق هذا الهدف المشؤوم فمئات من الأسرات تقصى وتشتت من حين إلى حين بمن وطنهم كشمير المحتلة إلى جانب آخر من التختم أي إلى المنطقة المحررة من كشمير.

ومعاً باشرت الهند عملاً في تنفيذ مغامرة شنيعة وهي تنفير الجيل الجديد وتجهيله من التراث الثقافي الإسلامي للتحول الفكري إلى ثقافة الهندوس ومنوال حياتهم، ولتحقيق هذا المرام بدلوا المناهج الدراسية والكتب المدرسية كأنهم عزموا على تدمير كينونة المسلمين المستقلة في الأرض المحتلة.

وكفاحنا لتحرير كشمير سيستمر إن شاء الله تعالى إلى إنجاز الغاية وبالنظر إلى التوتر السائد في العالم وخطورة الوضع المحدث من أجل صراعنا مع إسرائيل، نحن الكشميريون لا نترقب في هذا الطور ولا نطلب من البلاد الإسلامية أن يستعجلوا فجاءة لإنقاذنا من الاستعمار الهندوسي.

فكل ما نرجوه، وأقل ما يكون من قراءة هذه الكراسة، أن تساعدونا مساعدة مادية وأخلاقية ، كما نرجو ونطلب منكم أيها الأخوة فضح الخداع الهندوسي وأن تكون الهند عرضة الإلحاح والإكراه الأخلاقي والسياسي والاقتصادي لإيفاء العهود والمواثيق التي هي تعهدتها وأبرمتها على رؤوس الأشهاد أمام دول العالم.