طباعة

 توثيق النص

 

 

 

حول نظرية الالتزام

000 والعيب ما عابه الشرع

دراسات أخلاقية لمجتمع السلفي

بقلم : فضية الشيخ السعيد الشربيني الشرباصي

المدرس بدار الحديث المكية التابع للجامعة

ولأن الالتزام مع الملتزم الصادق يدعوه إلى التطبيق الدائم للشرع، والتنفيذ المتتابع للسنة فيتحول من نطاق العبادة إلى نطاق العادة، ويصبح نهجاً له وخطة، ويصير على الدوام متطلعاً إلى الحق، متطلباً لحكم الشرع، ممسكاً بحبل الله المتين، عاضاً بنواجذه على السنة، فيمضي في طريق مستقيم،وسبيل سوي لا ينحرف ولا يميل، فلا يعول على رأي فلان، ولا ينعطف مع هوى بيان.

ولهذا يتوقف على كل ناصية وعند كل منعطف يسأل:

أين النص؟ وأين الدليل؟

وهل هناك خطة أهدى إلى الحق من تلك؟ فهي لا تعطي الفرصة للاختراع أو الابتداع، ولا تلجئ إلى الابتكار أو الاصطناع، ولا تستخدم الفلسفة ولا الخيال. . ولا مجال لذلك كله _ عند العاقل المنصف أمام شريعة الحكيم الرحمن، وتوجيه الخبير المنان. . الذي خلق فسوى ، والذي قدر فهدى، والذي علم طوايا النفس وخفاياها، وألهمها فجورها وتقواها. وهو أعلم بالبشر وما يوعون وكيف يهتدون، وماذا يريدون، وإلى أين هم سائرون؟

ويمضي الملتزم في خطته فينقل الالتزام من المسجد والجامع إلى البيت والشارع، فهو ديدنه ومنهجه في إقباله وإدباره، وفي منشطه ومكرهه، وتتبلور التصرفات الفردية  لتصنع أخلاق المجتمع السلفي، ولا أدخل الآن في حقائق الالتزام ومبادئه، ولكني أسجل فقط بعض الظواهر الأخلاقية كدارس متأمل لما يعكسه الالتزام من أخلاق ومبادئ وتصرفات.

ولأكون منصفاً لا أريد بكلامي مجتمعاً معيناً محدوداً بالزمان أو بالمكان ولا بالذوات أو بالأسماء كمجتمع المدينة المنورة مثلاً أو مكة المكرمة أو الرياض أو غيرها. وإنما أقصد أي مجتمع يأخذ نفسه بنهج الالتزام للشريعة الغراء، وأسلوب التمسك بالنصوص السمحة، سواء كان هذا المجتمع في مصر أو باكستان أو في سوريا أو في السودان. وإن كان يتعين في مجال الإنصاف أيضاً أن أرد الفضل إلى ذويه، فقد كان لهذه البلاد فضل إمدادي بهذه الملاحظات، وخاصة وقد أتيحت لي الفرصة للانتقال من المدينة إلى الرياض، ومن المدينة إلى مكة. . .

وفي مقالي السابق (يا ولد . . .) هي إحدى الكلمات الشائعة في هذا المجتمع انتهيت منها إلى ما يسوده من نزعة المساواة الحقة التي تولدت من خطة الالتزام بالشريعة السمحة، وإنا لنراها حقيقة مطبقة لا مجرد ادعاء كاذب كما نراه في بعض المجتمعات التي تصيح بالمساواة ولكن لا واقع لها إلا في الهواء على الألسنة والأبواق، وفي الصحف والإذاعات، وحتى عندما تطبق فإنها تعني المساواة في الحقوق لا المساواة في الحب والود والإخاء.

وفي هذا المقال أعرض لظاهرة أخرى وهي ما أسميها (بالواقعية الشرعية) وهي تواجه (الواقعية المادية) وتصادمها؛ لأن الواقعية المادية تستمد مسيرتها من الواقع المادي ومن الظروف حُسنت أو ساءت، طابت أو قبحت، وغالباً ما تقوم على النفاق والتظاهر الكاذب والمباهاة التي لا أساس لها.

أما (الواقعية الشرعية) فهي تستمد وجودها من الشرع حيث يرتفع المبدأ الأصيل الخالد وهو (القبيح ما قبحه الشرع، والحسن ما حسنه الشرع). ولنشرع في عرض صور لهذه (الواقعية الشرعية). ولنأخذ صناعة الفرد في المجتمع فإننا نشاهد أن معظم المجتمعات تنظر إلى هذه الصناعة على مقياس التقويم والتكريم للرجل حسب المكانة الاجتماعية أو ما تدره من أرباح، وقد نرى نزعات مثالية داخل هذه المجتمعات تعارض هذه المقاييس. ولكن الأمر في المجتمع السلفي ليس أمر نزعة مثالية وإنما هو أمر واقع عام يشترك فيه الصغير والكبير والمتعلم والجاهل. واسمع لهذه القصة:

التقت سيدة سلفية بأتراب لها من جنسيات مختلفة والمقام حتماً يدعو إلى الفخر والمباهاة, ولكن السيدة السلفية بما تعودت في مجتمعها تميل إلى الصدق ولا ترى أي غضاضة في الحديث عن حالها بصراحة، فتحدثت على نهجها ذاكرة كيف جاء أبوها زائراً لها في العيد الأكبر وقالت من غير حرج: إن أبي يعمل في مقهى بأحد الثغور السعودية ويقوم بتقديم الشاي والقهوة لرواد المقهى، وعندما جاء لزيارتي جاء ومعه حقيبة جمع فيها ما تجمع له من قروش أثناء الموسم.

وتعتبر مثل هذه الصراحة في نظر أترابها غير السلفيات جنوناً وخيبة أمل؛ لأنه لو كانت واحدة منهن في موضعها لقالت عن أبيها: إنه يعمل مديراً لكازينو الشمس والهواء العالمي. . وزبائنه الأمجاد لا يدفعون له الثمن بالقروش ولا بالجنيهات وإنما بالدولارات والشيكات. . .

والتفسير الصحيح للسيدة السلفية قائم على أساس منطق الحلال والحرام فما دام الأمر لا يصل إلى منطقة الحرام فهو عمل شريف وكريم ونبيل، أما عند غيرها فهناك منطق غير الحلال والحرام، فالحلال والحرام قد لا يكون مدار الاهتمام، وإنما مدار الاهتمام هو مقدار ما تعكس الصفة من دخل أو مكانة كاذبة.

وتتابع الصور داخل المجتمع السلفي على هذا النسق. هذا أخي عميد إحدى الكليات يجلس في قاعة مكتبه الشاسع المجهز بأحدث المظاهر الحديثة فعن يمينه جهاز تكييف، ومن أمامه عدة آلات تلفزيونية وإنه لحريص على العناية بعزته وكرامته، ولكن هذا لا يجعله ينظر إلى غيره نظرة مختلفة، بل إن عامل المكتب وساقي الشاي يجلس معه في نفس الغرفة وعلى مكتب أنيق يشبه مكتبه، وفي مواجهته يضع ساقاً على ساق إن أراد، وإنه لينهض عنه ليدور بإبريقه على الضيوف ثم يعود إلى مكتبه والإبريق معه.

وصورة ثالثة في هذا النطاق حيث نرى شيخاً ينتهي من تضرعه أمام الكعبة وقد انصرف الكثيرون لحالهم، ثم يلتفت الشيخ عن يساره فيلحظ شبحاً يتأمله فإذا به يعرف فيه تلميذه المهذب الحريص على العلم. ويحد البصر إليه فإذا به يراه قد حمل مكنسة هائلة يدفع بها الأتربة عن رخام البيت العتيق في إخلاص وبراعة. ويحول الشيخ نظره عن تلميذه حتى لا يضايقه أو لا يحرجه.

ولكن التلميذ طالب العلم ما يكاد يلحظ أستاذه حتى يعرج عليه لتحيته ويقدم نفسه إليه أنه يعمل هنا بمكنسته, والمكنسة العظيمة قائمة بين يديه, ولا يشعر الطالب بالحرج لأن العيب ما عابه الشرع, ويقدر الشيخ لتلميذه مشاعره ويزداد احترامه له.

ونترك هذه الصفحة إلى صفحة أخرى لمتابعة البحث والاستنتاج ولتكن في هذه المرة قضية الغيرة التي يتفرد بها المجتمع العربي بالتشدد فيها أكثر من غيره من المجتمعات ونرى خط السير لهذه العاطفة وكيف يتوجه بفضل الإسلام، وبفضل الالتزام لنصوصه. ونرى النتائج في هذه القضية أيضاً يحكمها المبدأ السابق وهو: أن القبيح ما قبحه الشرع والحسن ما حسنه الشرع وكيف كان ذلك؟

هذا سلفي من الصفوف الأولى يعطي أعظم مثال على ذلك، انظر إلى عمر ابن الخطاب رضي الله عنه وهو يتسوق لابنته زوجاً_ واسمحوا لي في هذا التعبير الكاشف _ وهو في عمله النبيل يضع الحدود للفرق بين الحلال والحرام وبين الحق والباطل في شجاعة واعتزاز والتزام بالحق وحده دون النظر إلى أي اعتبار آخر. والغريب أن راوي القصة هو ابن عمر نفسه ناقلاً عن أبيه في شأن أخته وتقول الرواية كما رواها البخاري:

عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: "أن عمر رضي الله عنه حين تأيمت بنته حفصة قال: لقيت عثمان ابن عفان رضي الله عنه فعرضت عليه حفصة, فقلت : إن شئت أنكحتك حفصة بنت عمر. فقال: سأنظر في أمري, فلبثت ليالي ثم لقيني فقال: قد بدا لي ألا أتزوج يومي هذا, فلقيت أبا بكر رضي الله عنه فقلت له: إن شئت أنكحتك حفصة بنت عمر, فصمت أبو بكر ولم يرجع إلي شيئا, فكنت عليه أوجد مني على عثمان, فلبثت ليالي ثم خطبها النبي صلى الله عليه وسلم فأنكحتها إياه, فلقيني أبو بكر فقال: لعلك وجدت علي حين عرضت علي حفصة فلم أرجع إليك شيئاً, فقلت: نعم, قال: فإنه لم يمنعني أن أرجع إليك فيما عرضت عليّ إلا أنني كنت علمت أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكرها، فلم أكن لأفشي سر رسول الله صلى الله عليه وسلم, ولو تركها النبي صلى الله عليه وسلم لقبلتها". رواه البخاري.

ولو أن هذه البنت لرجل متأنق لا يعنيه أمر الحلال والحرام، وإنما تأخذه العزة بالإثم، والغيرة الحمقاء لفضل لها أن تجري في الشوارع والطرقات، وتتحول إلى فتاة أندية ومجتمعات، ولا يحاول أن يأخذ بيدها إلى طريق الصون والعفاف.

فالزواج عند أهل الشريعة عصمة لا متعة مجردة، وحماية لا استعلاء أو استيلاء. ولا غرابة أن نجد بعض الأئمة حينما يخطب إليهم الولاة الذين لا يثقون في عدلهم يرفضون زواج بناتهم لهم، ويقبلون زواجها من فقير داخل تحت عموم قوله: "ترضون دينه".

وفي هذا النطاق أيضاً نجد أن الشريعة لا ترى بأسا في الحديث عن المرأة في مجال الإرشاد والتعليم والتعلم وكتب السنة ممتلئة بذكر أمهات المؤمنين وما نقلن من معارف وحقائق، وهذا لا يخل بالرعاية والصون اللازم للمرأة.

بينما قد نرى العكس في بعض المجتمعات حيث نرى الرجل يشعر بالحرج في الحديث عن المرأة التي يرتبط بها، في الوقت الذي يسمح لها بلاحرج في السير خارج المنزل عارية الساعدين مكشوفة الساقين في ثياب تحدد تقاطيع جسمها. .

فماذا يعني هذا ؟ إنه يعني عدم الالتزام بالصحيح، وعدم التمسك بالصواب وإنما هو الانسياب مع التيار، والانحلال مع المتحللين. .

سألت صديقاً لي من علماء باكستان لأتبين منه اتحاد طبائع العامة هناك مع طبائعنا هنا فيما يتعلق بقيام الرجل بعرض ابنة له على بعض معارفه محبذاً زواجهم منها, وما كدت أتم الحديث حتى صدرت منه كلمة تعجب واستغراب في سرعة وقوة وقال: لا يمكن أن يحدث هذا, فقلت له: وما رأيك فيما فعل عمر؟ فأجاب بنفس السرعة: ومن مثل عمر؟!

وقد يوجد الملتزمون فرادى في مجتمع غير ملتزم وهؤلاء يعيشون داخل هذه المجتمعات غرباء، ويضيق بهم ويطلق عليهم صفات ظالمة نتيجة لتمسكهم بالحق، والتزامهم بالشرع, فأحياناً يصفهم بالجمود أو التزمت وأحياناً يصفهم بالحنبلة أو التشدد. ...الخ.

والفرق كبير وخطير بين المتشدد والملتزم لأن التشدد قد يجره الأمر إلى الخروج عن نهج السنة طلباً للعسير من الأمور، وحرصاً على التعالي والثقة الكاذبة بالنفس، ولكن الملتزم يمضي وراء السنة فإن كانت عزيمة استجاب لها وصبر عليها، وإن كانت رخصة فرح بها وحمد الله عليها، ودعا إليها. وما خيّر رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن خروجا عن الشريعة والسنة. والله يصلح منا ما فسد، ويجعل هوانا تبعاً لما جاء به الإسلام من آداب وأخلاق..