|
|
حول ترجمة القرآن بالإنجليزية المطبوعة في اليابان
|
|
لفضيلة الشيخ حسنين
محمد مخلوف |
|
مفتي الديار المصرية سابقا |
|
وعضو جماعة كبار
العلماء والمجلس التأسيسي بمكة المكرمة |
|
|
|
إن مما دبره أعداء الإسلام وتوصوا به جميعا الطعن في القرآن
كراهة له وحقدا بالغا على هدم قواعده ومبادئه، والقضاء على تعاليمه وتبديل
معانيه وصرفا عنه للراغبين في الإسلام، وذلك بترجمته ترجمة تغير أحكامه ومعانيه،
وتخل بمقاصده ومراميه، وتحرف كلماته وآياته أفحش التحريف، وتضل الناس عما فيه من
العلم والهدى والخير الدنيوي والأخروي، وسبل السعادة الدائمة. |
|
ذلك دأبهم حيال القرآن الكريم الذي أنزله الله رحمة
للعالمين وبينات من الهدى والفرقان، ونورا وضياء
للسائرين، وهدي به بعد الضلالة وبصر به بعد الغواية، ومنهم "طائفة القاديانية" المارقة عن الإسلام بالباكستان
التي عمدت إلى كتاب الله المبين فترجمته ترجمة ضالة غاوية، ونشرتها في الأقطار
الإسلامية عامة منذ سنين. |
|
وقد حذرت جميع المسلمين، منها رابطة العالم الإسلامي بمكة
المكرمة منذ سنتين لشدة خطرها وافترائها على الله الذي أنزل القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان، وممن سار على دربهم ودرج على
مخططهم "هاشم أمير علي" في ترجمته التي سماها "رسالة
القرآن" وطبعها ونشرها بالإنجليزية في اليابان، مغيرا فيها ترتيب سور
القرآن، ذلك الترتيب التوقيفي الذي نزل به القرآن
وأوحى به الرحمن إلى رسوله المصطفى صلى الله عليه وسلم، ومحرفا فيها الآيات عن
معانيها، ومعبرا عنها أسوا التعبير، مما يدل على عقيدة فاسدة وضلال مبين، وكره
للإسلام شديد دفين. |
|
ولذلك يجب على دعاة الحق من المسلمين وخاصة العلماء والقادة
أن ينبهوا العامة إلى أخطار هذه الترجمات الضالة، وإلى أنها وسيلة الأعداء للكيد
للإسلام ولرسوله ولكتابه ولدعوته ولأمته، وإلى أنها فتنة وضلال مبين، وأن يحثوهم
على نبذها وتطهير البلاد منها قياما بحق الإسلام ودفعا للأعداء عنه. |
|
وواجب على المسلمين أن
يعلموا يقينا ما يأتي: |
|
أولا: أن ترجمة القرآن المقدورة
للبشر هي الترجمة المعنوية لا غير، أما الترجمة الحرفية فغير مقدورة لهم وهم عنها عاجزون، لقوله تعالى: {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ
يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ
بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً} (الاسراء:88)
فلا قدرة لهم على
الإتيان بمثله عربيا أو غير عربي، بأية لغة وفصاحته وبلاغته وأسلوبه وأحكامه
وحكمه ومعانيه ومقاصده وعلومه الكفيلة بخيري الدنيا والآخرة. |
|
فمن زعم لأية ترجمة حرفية للقرآن أنها تحاكيه وتعادله فيما
جاء به ودل عليه فهو مفتر أثيم. |
|
ثانيا: إن القرآن الكريم أنزل على الرسول صلى الله عليه وسلم آيات
على حسب الحاجة والوقائع لحكمة سابقة، فكان أمين الوحي "جبريل عليه
السلام" ينزل بالآيات على الرسول ويعلمه أنها تكتب عقب آية كذا في سورة
كذا، وكان صلى الله عليه وسلم يبلغ كل ما ينزل عليه تباعا للناس كافة، لقوله
تعالى: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا
أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ
رِسَالَتَهُ} (المائدة: من الآية67) وقوله تعالى: {مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ}
(المائدة: من الآية99). فكان ترتيب الآيات في سورها ترتيبا توقيفيا
من جبريل عليه السلام عن رب العالمين، وكان صلى الله عليه وسلم يقرأ القرآن في
الصلاة وغيرها بالترتيب التوقيفي ويعلمه الناس حتى
يقرءوا القرآن به، وكانت الآيات تكتب بأمره صلى الله عليه وسلم على هذا الترتيب التوقيفي، وقد جمع الصحابة القرآن بعده صلى الله عليه وسلم
مرتبا هذا الترتيب لم يقدم فيه مؤخر ولم يؤخر فيه مقدم، ودلت الأحاديث على أن
القرآن في اللوح المحفوظ ثابت على هذا الترتيب، وهو ترتيب إلهي لا يجوز مخالفته
إجماعا. |
|
وكذلك ترتيب السور توقيفي على ما رجحه الأئمة الأعلام، لا
يجوز تأخير مقدم ولا تقديم مؤخر في سور القرآن، وهو على هذا الترتيب في اللوح
المحفوظ كما نصوا عليه. |
|
وممن نص على أن ترتيب الآيات في سورها توقيفي لا يجوز
مخالفته بحال الإمام الزركشي في البرهان، والإمام أبو
جعفر بن الزبير في مناسباته فقالا: "إن ترتيب
الآيات في سورها واقع بتوقيفه صلى الله عليه وسلم وأمره به من غير خلاف بين
المسلمين فيه". |
|
وقال الإمام أبوبكر في الانتصار:
"ترتيب الآيات أمر واجب وحكم لازم، لقد كان جبريل يقول: ضع آية كذا في موضع
كذا؛ والذي نذهب إليه أن جميع القرآن الذي أنزله الله وأمر بإثبات رسمه هو هذا
الذي بين الدفتين الذي حواه مصحف "عثمان رضي الله عنه" وأنه لم ينقص
منه شيء ولا زيد فيه شيء، وأن ترتيبه ونظمه ثابت على ما نظمه الله تعالى ورتبه
عليه رسول الله في آي السور لم يقدم في ذلك مؤخر ولا أخر مقدم، وأن الأمة ضبطت
عن النبي صلى الله عليه وسلم ترتيب آي كل السور ومواضعها وعرفت مواقعها، كما
ضبطت عنه نفس القراءات وذات التلاوة". |
|
وقال البغوي في شرح السنة: "إن
الصحابة رضي الله عنهم قد أجمعوا بين الدفتين القرآن دون أن يزيدوا فيه شيئا أو
ينقصوا منه شيئا كما سمعوه من الرسول صلى الله عليه وسلم دون أن يقدموا شيئا أو
يؤخروا شيئا أو يضعوا له ترتيبا غير ما أخذوه عن الرسول صلى الله عليه
وسلم". |
|
وكان عليه الصلاة والسلام يلقن أصحابه ويعلمهم ما نزل عليه
من القرآن على الترتيب الذي هو في مصاحفنا بتوقيف جبريل عليه السلام إياه على
ذلك وإعلانه عند نزول كل آية أن هذه الآية تكتب عقب آية كذا في سورة كذا، وهو
على هذا الترتيب مكتوب كله في اللوح المحفوظ، وقد أنزله الله مفرقا على رسوله
على حسب الحاجة. |
|
وقال العلامة الألوسي في مقدمة
تفسيره: "كان صلى الله عليه وسلم يأمر كتاب الوحي بكتابة ما نزل، وكان
القرآن على عهده صلى الله عليه وسلم مجموعا مؤلفا على ما هو عليه الآن في
مصاحفنا، وقد حفظه على هذا الترتيب جماعة من الصحابة منهم "عبد الله بن
مسعود" وأبي بن كعب وغيرهما، وختموا القرآن عدة ختمات بهذا
الترتيب، ومن خالف ذلك لا يعتد به، وأن ترتيب آياته وسوره بتوقيف من الرسول صلى
الله عليه وسلم عن جبريل عن رب العالمين، وقد أجمعت الأئمة على أن ترتيب الآيات
توقيفي، وهذا لا شبهة فيه ولا خلاف…" |
|
وأما ترتيب السور فالراجح عند الأئمة الأعلام أنه توقيفي
أيضا، وهو هكذا عند الله في اللوح المحفوظ وفي عرض الرسول القرآن على جبريل كل
سنة في شهر رمضان مرة وفي السنة التي توفي فيها مرتين… |
|
وقد خالف هذا المترجم هذا الترتيب التوقيفي
للسور في ترجمته، فأخر المقدم وقدم المؤخر، فباء بشؤم مخالفته الرسول صلى الله
عليه وسلم واستحسان ذلك في ترجمته. |
|
ولا ندري كيف استباح مشاقة الرسول بل مشاقة الله في ترتيب
نظم كتابه ولأي سبب آثر ترتيبه على ترتيب الله ورسوله… اللهم إنه ضلال وعمى يبلغ
الكفر إذا اعتقد أن ترتيبه أولى وأصح وأجدر… |
|
ثالثا: أن من كبائر الذنوب والآثام القول في القرآن بغير علم ولا
هدى في التفسير والترجمة؛ ففي الحديث: "من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ
مقعده من النار" وفي رواية "من قال في القرآن برأيه" وذلك بأن
يتأول آيات القرآن على مراده وهواه؛ كتأويلات الفرق
الضالة من القاديانية والبهائية والإسماعلية
وغيرها في تفاسيرهم وترجماتهم للقرآن تأييدا لمزاعمهم الفاسدة ومقاصدهم الضالة، كتأويلات الجهال الحمقى بالتفسير
الصحيح والرأي الرجيح كما اجترأ على ذلك هؤلاء
المترجمون في آيات الكتاب العظيم. |
|
رابعا: إن ترجمة معاني القرآن إنما تتم على الوجه الصحيح السائغ
إذا توفر للمترجم فهم معاني القرآن فهما صحيحا كما فهمه الصحابة والأئمة الأعلام
في الإسلام، ثم ترجم مفاهمه من معاني آياته ترجمة
صحيحة… |
|
أما الفهم الصحيح لمعاني الآيات فإنما يتم له إذا توفرت فيه
الشروط التي لابد منها لمن تصدى لتفسيره، ومنها على ما ذكره الأئمة: "علمه
باللغة العربية علما تاما وافيا مفرداتها وأساليبها وحقائقها ومجازاتها
وكتاباتها، وعلمه بسائر علوم العربية، وعلمه بما يجوز في حق الله تعالى وما يجب
وما يستحيل، وعلمه بالنبوات ونشؤها وبالرسالات
السماوية وما يتعلق بذلك ثم مع ذلك كله إخلاصه لله تعالى في تفسير كلامه والبيان
عن مراده حتى لا يدخل في مداخل السوء ولا يصده الهوى عن الحق والهدى". |
|
والترجمة الصحيحة إنما تتم إذا
توفر للمترجم العلم بكل ذلك والتزم الصدق والإخلاص والأمانة والحق في الترجمة… |
|
وكل ذلك مفقود فيمن تصدى لترجمة القرآن الكريم من الفرق
الضالة وأمثالهم، فإن أكثرهم لا يقيمون وزنا للعلوم الدينية ولا للسنن الصحيحة
التي وردت في الآيات تفسيرا لها وبيانا لأسباب نزولها، ولا لأقوال الصحابة
والأئمة في معاني الآيات؛ ثم إنهم جميعا لا يؤمنون بقداسة كلام الله وجلالة قدره العظيم، بل لا يؤمنون بالله وبصفاته وكلامه
وكتابه ولا برسوله الذي أنزل عليه كتابه الكريم ولا بأقواله وأفعاله، وأنها سنن
هدى للمؤمنين، فمن الذي يقيم وزنا لهذه الترجمات الضالة بعد ذلك من المسلمين. |
|
خامسا: أنه يرحم شرعا على من لم يكن راسخا في العلوم الشرعية،
عليما بما جاء بها من الأحكام، قديرا على دفع الشبه ورد المزاعم الباطلة، أن ينظر
في التراجم الضالة خشية أن تفتنه وتغويه ويضل السبيل؛ قال تعالى: {وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ
النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ}
(هود:113) … |
|
وقال تعالى: { فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ
تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} (النور: من
الآية63) … |
|
أما الراسخون في العلم
فعليهم أن يبينوا للناس ما فيها من ضلال وافتراء وبطلان، وينصحوهم باجتنابها
لمزيد أخطارها ومضارها وأخطائها. |
|
سادسا: يجب على العلماء وولاة الأمر في الأقطار الإسلامية تحذير
عامة المسلمين من هذه التراجم مطالعة واقتناء، ويجب منع تداولها في البلاد
الإسلامية عامة، ويجب بيان ما فيها من ضلالات وآراء زائفة، وأفكار سامة صيانة للمسلمين
من أخطارها كما قررت رابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة بالنسبة لترجمة القاديانية المارقة من الإسلام ولما ماثلها من الترجمات
الضالة الفاتنة، وذلك من النصيحة في الدين ومن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
الواجب على القادرين من المسلمين، وفي القيام بحق الإسلام على أهله وبحق الأمة
ووجوب دفع المضار عنها. |
|
أما الترجمات الأخرى لمعاني القرآن التي توافرت فيها الشروط
المشار إليها سابقا وليست من هذا القبيل، فلا مانع من نشرها في البلاد الإسلامية
ودراستها، بل قد يكون ذلك ضروريا بالنسبة للمسلمين الذين لا يعرفون اللغة
العربية ويريدون معرفة معاني القرآن الكريم وما فيه من عقائد وأحكام وحكم وعلوم
وآداب وقصص وأمثال وأحوال الآخرة وما أعده الله فيها للمؤمنين من نعيم مقيم،
وللكافرين من عذاب أليم، وجزى الله خير الجزاء من ترجم معاني القرآن من علماء
الإسلام ترجمة صحيحة سائغة ونشرها سدا لحاجة هؤلاء المسلمين في أقطارهم النائية،
وتنويرا لبصائرهم وحماية لهم من أولئك الضالين المضللين. |
|
وقبل أن نختم الحديث ندعو جميع الأمم الإسلامية إلى وجوب
مراقبة ما يرد إليها من الترجمات للقرآن وعدم السماح بنشرها في
البلاد إلا بعد التثبت من صحتها بواسطة لجان علمية إسلامية دقيقة البحث،
وصدور قرار بإجازتها كما قررت الرابطة ذلك في مجلسها التأسيسي بمكة المكرمة. |
|
والله خير حافظا وهو أرحم الراحمين. |