طباعة

 توثيق النص

 

 

 

عرض ونقد لما كتبه الدكتور محمد علوي المالكي

حول الكوثري والدحلان

بقلم الشيخ عبد القادر بن حبيب الله السندي

خريج كلية الشريعة بالجامعة

 

 

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده أما بعد؛ فقد وقعت في يدي رسالة صغيرة بعنوان "إتحاف ذوي الهمم العلية برفع أسانيد والدي السنية" (للأستاذ الدكتور محمد حسن بن السيد علوي المالكي الحسني) المدرس بالمسجد الحرام، وبكلية الشريعة والدراسات الإسلامية بجامعة الملك عبد العزيز بمكة المكرمة، وقد طبعت في عام 1387هـ 1967م بدمشق الشام، وهي عبارة عن تراجم الرجال الذين تتلمذ عليهم والده السيد علوي بن عباس رحمه الله تعالى، أو كانت له بهم صلة علمية، وقد بلغ عددهم أربعة وستين رجلا، ولم أعرف منهم إلا الاثنين وهما:

الشيخ محمد زاهد الكوثري.

 الشيخ أحمد زيني دحلان.

وقد أثنى عليهما الدكتور محمد ثناء جميلا، ووصفهما بالأمانة في العلم والبصيرة، والنقد والتحرير والسعي المشكور في نشر العلم وغير ذلك من الأمور الطيبة، والواقع هو بالعكس كما سيأتي إن شاء الله تعالى، فحررت هذه الملاحظات حول كتابته بيانا للحق، وأداء للأمانة العلمية، وتبرئة للذمة أمام الله جل وعلا مع احترامي للأخ الأستاذ محمد المالكي.

قال الأستاذ الدكتور محمد في حق الأستاذ الكوثري: "العلامة السيد محمد بن زاهد بن العلامة حسن الحلمي بن علي الكوثري المتوفى بمصر سنة 1371هـ  المولود سنة1296هـ. المحدث الشهير، الإمام، الناقد، البصير، حجة لا يبارى في علم الرجال، بارع في الحديث ورجاله، ماهر في علم الكلام، أديب في النقاش والجدال، مجاهد بقلمه ولسانه في بلاده تركيا وفي مصر. مؤلفاته التي سار بها الركبان، وتحدث عنها الأعيان دليل عظيم واضح على علو كتب هذا الإمام، ورسوخ قدميه، وطول باعه في العلوم مع تحقيق وتدقيق وتحبير وتحرير، وله المقالات الكبرى، والمؤلفات العديدة رحمه الله رحمة واسعة"[1]انتهى.

قلت: قال الله في كتابه الكريم في سورة البقرة مخاطبا اليهود عليهم لعائن الله تعالى: {وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ}[2] وقال أيضا جل وعلا في سورة آل عمران: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ}[3] والآيتان الأخريان أشار إليها الصحابي الجليل أبو هريرة رضي الله تعالى عنه في حديث أخرجه الإمام أحمد في مسنده بإسناد حسن فقال: "إن الناس يقولون: أكثر أبوهريرة، والله لولا آيتان في كتاب الله ما حدثت حديثا، ثم تلا هاتين الآيتين"[4].

قال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ}[5](البقرة:159) .

فأقول أنا أيضا: والله لولا هذه الآيات الكريمات والأخرى في معناها، وكذا الأحاديث النبوية في هذا المعنى لما تعرضت لما كتبه الدكتور محمد العلوي في رسالته آنفة الذكر. وهذه الآيات نص صريح في وجوب بيان العلم، وعدم كتمانه عن الناس، خصوصا في هذه الأمور التي يلتبس فيها الحق بالباطل. ولقد ترك الرجلان - أعني الكوثري والدحلان - من المؤلفات التي أشرتم إليها بقولكم "سار بها الركبان وتحدث عنها الأعيان" وفيها من الكفر والإلحاد والشر والطعن في أئمة السنة النبوية ما لا يعلم ضررها إلا الله جل وعلا على الأمة الإسلامية وعلى جميع الناس. أردت أن أقول كلمة الحق التي أعلمها في حق هذين الرجلين اللذين أطلقت عليهما من الأوصاف البراقة، وهما في بعد بمكان وأنت على كل حال مأجور إن شاء الله تعالى إن كنت لا تعلم عن حالهما وحقيقتهما، وأنا سوف أضع أمامك وأمام من لا يعلم حالهما هذه الحقائق العلمية الثابتة ناقلا عن كتبهما ومؤلفاتهما التي مجدتموها ثم الرد عليها بما يناسب. ثم أنت حري أخي الفاضل الكريم بما أنعم الله تعالى عليك من مكانة علمية في حرمة المقدس في الظاهر بالرجوع إلى الحق، أو تثبت لنا أنهما رجعا عن تلك العقيدة الفاسدة التي كانا عليها، ودعيا لها.

قال الشيخ محمد زاهد الكوثري في المقالات الكبرى التي أشرتم إليها في ترجمته قال: تحت عنوان "بدعة الصوتية حول القرآن" ثم قال: "والواقع أن القرآن في اللوح، وفي لسان جبريل عليه الصلاة والسلام، وفي لسان النبي صلى الله عليه وسلم وألسنة سائر التالين، وقلوبهم، وألواحهم، مخلوق حادث محدث ضرورة، ومن ينكر ذلك يكون مسفسطا ساقطا من مرتبة الخطاب"[6] ثم قال بعد كلام طويل: "وبهذا نتبين شهادة ابن تيمية في حق العلماء، وليس عنده سوى ألفاظ مرصوصة، لا إفادة تحتها في بحوثه الشاذة كلها. وغير المفيد لا يعد كلاما ولم يصح في نسبة الصوت إلى الله حديث"[7].

قلت: حاصل كلام الكوثري أن هذا القرآن الكريم الذي بين أيدي المسلمين مهما كانت صفته فهو مخلوق عنده، وأنه لا يثق ببحوث شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى. 

فإذا كانت بحوث شيخ الإسلام عليه رحمة الله شاذة في نظره ولذا لا أحب أن أنقل له من كلامه شيئا من كتبه ومؤلفاته التي سوف يأتي الوصف الدقيق عنها فيما بعد إن شاء الله تعالى، وإنما سأنقل له شفاء لمرضه ومرض أتباعه عن مؤلفات الأئمة من السلف الذين مضت بينهم وبين شيخ الإسلام ابن تيمية رحمهم الله تعالى جميعا مئات السنين.

فمثلا هذا الإمام العلامة أبو سعيد عثمان بن سعيد الدارمي المتوفى 280هـ والذي لا تخفى منزلته العلمية على أحد ممن ينتسب إلى العلم قال عنه الذهبي في تذكرة الحفاظ: "الحافظ، الإمام الحجة محدث هراة أو تلك البلاد، أخذ الحديث عن المديني ويحيى بن معين وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهوية، وأكثر الترحال في طلب الحديث"[8] يقول في كتابه البارع الفذ الرد على الجهمية باب الاحتجاج للقرآن أنه غير مخلوق ثم قال رحمه الله تعالى: "فمن ذلك ما أخبر الله تعالى في كتابه عن زعيم هؤلاء الأكبر وإمامهم الأكفر الذي ادعى أولا أنه مخلوق وهو الوحيد، واسمه الوليد بن المغيرة، فأخبر الله تعالى عن الكافر ودعواه، وردها ووعده بالنار أن ادعى أن قول الله قول البشر وقوله {إِنْ هَذَا إِلاَّ قَوْلُ الْبَشَرِ} (المدثر:25) وقول الجهمية هو مخلوق واحد لا فرق بينهما فبئس التابع وبئس المتبوع، وقال تعالى: {ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً} (المدثر:11) إلى قوله: {ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ إِنْ هَذَا إِلاَّ قَوْلُ الْبَشَرِ سَأُصْلِيهِ سَقَرَ} (المدثر:22-26)"

يعني أنه ليس بقول البشر كما ادعى الوليد، ولكنه قول الله تعالى، ثم ساق الأحاديث بأسانيدها، وهي نص صريح على أن القرآن هو كلام الله تعالى تكلم به جل وعلا حقا وحقيقة، ثم قال رحمه الله تعالى: "فهذا ينبئك أنه نفس كلام الله تعالى، وأنه غير مخلوق، لأن الله لم يخلق كلاما إلا على لسان مخلوق، فلو كان القرآن مخلوقا كما يزعم هؤلاء المعطلون لكان إذا من كلام المخلوقين"[9].

وقال الحافظ الإمام أبو القاسم هبة الله بن الحسن بن منصور الطبري الرازي اللالكائي في كتابه البارع العظيم شرح السنن المتوفى في بدينور سنة 418هـ تحت عنوان سياق ما روي من المأثور عن السلف في جمل اعتقاد أهل السنة والتمسك بها والوصية لحفظها قرنا بعد قرن، ثم قال: "اعتقاد أبي عبد الله سفيان بن سعيد الثوري رضي الله تعالى عنه"، ثم قال رحمه الله تعالى: "أخبرنا محمد بن عبد الرحمن بن العباس[10] قال حدثنا أبو الفضل شعيب بن محمد بن الراجيان[11]. قال حدثنا علي بن حرب الموصلي[12] بسر من رأى سنة سبع وخمسين ومائتين، قال: سمعت شعيب بن حرب[13] يقول: "قلت لأبي عبد الله سفيان بن سعيد الثوري[14] حدثني بحديث من السنة ينفعني الله عز وجل، فإذا وقفت بين يدي الله تبارك وتعالى، وسألني عنه فقال لي من أين أخذت هذا؟ قلت: يا رب حدثني بهذا الحديث سفيان الثوري وأخذته عنه، فأنجو أنا وتؤخذ أنت. فقال لي: يا شعيب هذا توكيد وأي توكيد؟ اكتب بسم الله الرحمن الرحيم، القرآن كلام الله غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود، من قال غير هذا فهو كافر، والإيمان قول وعمل ونية، يزيد وينقص، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية"؛ ثم ذكر بقية العقيد بتمامها[15]. نقل الإمام العلامة الذهبي في تذكرة الحفاظ هذا الكلام بنصه في ترجمة سفيان بن سعيد الثوري ثم قال: "وهذا ثابت عن سفيان كما قال الحافظ اللالكائي في كتاب السنة"[16]. وقال الإمام العلامة بقية السلف الصالح، إمام المحدثين في عصره الحافظ الجليل أبوبكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي المتوفى سنة ثمان وخمسين وأربعمائة في كتابه الأسماء والصفات،: "باب ما روي عن الصحابة والتابعين، وأئمة المسلمين رضي الله تعالى عنهم أن القرآن كلام لله غير مخلوق، ثم ساق إسناده إلى أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه الله  قال: "إن أبابكر رضي الله تعالى عنه قادل قوما من أهل مكة على أن الروم تغلب فارس، فغلبت الروم فارس فقرأها عليهم، فقالوا: كلامك هذا! أم كلام صاحبك، فقال:ليس بكلامي ولا كلام صاحبي ولكنه كلام الله عز وجل"، ثم قال الإمام البيهقي: "تابعه محمد بن يحيى الذهلي عن شريح ابن النعمان، إلا أنه قال: فقال رؤساء مشركي مكة: يا ابن أبي قحافة: هذا مما أتى به صاحبك؟ قال لا: ولكنه كلام الله وقوله"، ثم قال: "وهذا إسناد صحيح". وهكذا نقل الإمام البيهقي هذا المعنى بأسانيده عن جملة كبيرة من الصحابة والتابعين رحمهم الله تعالى، ثم قال: "وعن عامر بن شهر قال: كنت عند النجاشي فقرأ ابن له آية من الإنجيل فضحكت، فقال النجاشي: أتضحك من كلام الله عز وجل؟" وهكذا نقل بمثل هذه القصة عن خباب الأرث رضي الله تعالى عنه. وعن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: "إن القرآن كلام الله تعالى، فمن كذب على القرآن فإنما كذب على الله عز وجل". وعن عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: "قرآنا عربيا غير ذي عوج: قال: غير مخلوق"[17] وقد أطال الإمام البيهقي رحمه الله تعالى الكلام، وانتقل في هذا الباب عن أئمة السلف من الصحابة والتابعين، ومن تبعهم رحمهم الله تعالى جميعا. وقال الإمام العلامة أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة المصري الحنفي المتوفى سنة320هـ في عقيدته "إن القرآن كلام الله منه بدأ بلا كيفية قولا، وأنزله على رسوله وحيا، وصدقه المؤمنون على ذلك حقا، وأيقنوا أنه كلام الله تعالى بالحقيقة، ليس بمخلوق ككلام البرية، فمن سمعه فزعم أنه كلام البشر فقد كفر، وقد ذمه الله تعالى وعابه، وواعده بالسقر، حيث قال جل وعلا: {سَأُصْلِيهِ سَقَرَ}(المدثر:26) فلما أوعد بسقر لمن قال {إِنْ هَذَا إِلاَّ قَوْلُ الْبَشَرِ}(المدثر:25) علمنا وأيقنا أنه قول خالق البشر، ولا يشبهه قول البشر"[18] وعقد الإمام أبو داوود السجستاني في كتابه السنن بابا مهما عظيما فقال: "باب في القرآن"، ثم ساق بأسانيده ستة أحاديث وهي نص صريح على أن القرآن غير مخلوق ثم قال الإمام أبو داوود في نهاية هذه الأحاديث: "وهذا دليل على أن القرآن ليس بمخلوق"[19].

ولقد جاد وأفاد العلامة الشيخ شرف الحق شارح السنن في الكلام على هذه الأحاديث، وفند دعوى الجهمية وأبطلها. وهكذا صنع الإمام العلامة ناصر السنة، وقامع البدعة الشيخ أبو محمد حسين بن مسعود البغوي في كتابه العظيم النافع شرح السنة، فوضع بابا مهما بعنوان باب الرد على من قال بخلق القرآن، ثم ساق تحته الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، والآثار الموقوفة والمقطوعة، ثم قال رحمه الله تعالى: "وقد مضى سلف هذه الأمة وعلماء السنة على أن القرآن كلام الله ووحيه ليس بخالق ولا مخلوق، والقول بخلق القرآن ضلالة، وبدعة لم يتكلم بها أحد في عهد الصحابة والتابعين رحمهم الله تعالى، وخالف الجماعة الجعد بن درهم فقتله خالد بن عبد الله القسري، قال سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار قال: "سمعت مشائخنا منذ سبعين سنة يقولون: إن القرآن كلام الله ليس بمخلوق". وعن جعفر بن محمد الصادق أنه سئل عن القرآن فقال: "أقول فيه ما يقول أبي وجدي: ليس بخالق ولا مخلوق، ولكنه كلام الله". قال يحيى بن خلف المقرئ: "كنت جالسا عند مالك بن أنس فجاء رجل فقال: ما تقول فيمن يقول القرآن مخلوق فقال: عندي كافر فاقتلوه". وعن ابن المبارك وليث بن سعد وسفيان بن عيينة، وهشيم بن بشير، وعلي بن عاصم، وحفص بن غياث ووكيع بن الجراح مثله. قيل لعبد الرحمن بن مهدي: "إن الجهمية يقولون إن القرآن مخلوق فقال: إن الجهمية أرادوا أن ينفوا أن يكون الرحمن على العرش استوى، وأرادوا أن ينفوا أن يكون الله كلم موسى. وأرادوا أن ينفوا أن يكون القرآن كلام الله، أرى أن يستتابوا فإن تابوا وإلا ضربت أعناقهم"[20]. وقال الإمام العلامة الشيخ أبوبكر محمد بن حسين الآجري التلميذ الرشيد للإمام أبي داوود السجستاني في كتابه العظيم "الشريعة": "القرآن كلام الله عز وجل، وأن كلامه جل وعلا ليس بمخلوق، ومن زعم أن القرآن مخلوق فقد كفر"، ثم قال رحمه الله تعالى: "اعلموا رحمنا الله تعالى وإياكم أن قول المسلمين الذين لم تزغ قلوبهم عن الحق، ووفقوا للرشاد قديما وحديثا، أن القرآن كلام الله عز وجل ليس بمخلوق، لأن القرآن من علم الله تعالى عز وجل، وعلمه لا يكون مخلوقا تعالى عز وجل عن ذلك، دل على ذلك الكتاب والسنة، وقول الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وقول أئمة المسلمين رحمة الله عليهم، ولا ينكر هذا إلا جهمي خبيث، والجهمية عند العلماء كفرة".

ثم بدأ بإيراد الأدلة على ذلك من الكتاب والسنة فأجاد وأفاد رحمه الله رحمة واسعة[21]. وقال الإمام أبو داوود السجستاني صاحب السنن في كتابه الفذ المبارك "مسائل الإمام أحمد" تحت باب في الجهمية: "أخبرنا أبوبكر قال أبو داوود: سمعت أحمد قال: "سمعت عبد الرحمن بن مهدي أيام صنع بشر المريس ما صنع يقول: من زعم أن الله لم يكلم موسى يستتاب فإن تاب وإلا ضربت عنقه"[22]. وقال الإمام الحافظ الكبير محمد بن إسحاق بن خزيمة صاحب الصحيح في كتابه العظيم كتاب التوحيد وإثبات صفات الرب… باب ذكر البيان من كتاب ربنا المنزل على نبيه المصطفى صلى الله عليه وسلم، ومن سنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم على الفرق بين كلام الله عز وجل الذي به يكون خلقه، وبين خلقه الذي يكون بكلامه وقوله، والدليل على نبذ قول الجهمية الذين يزعمون أن كلام الله مخلوق، جل ربنا وعز عن ذلك؛ ثم ساق الآيات القرآنية والأحاديث النبوية على ذلك، ثم قال رحمه الله تعالى: "فاسمع الآن الأخبار الثابتة الصحيحة بنقل العدل عن العدل موصولا إلى النبي صلى الله عليه وسلم الدالة على أن كلمات ربنا ليست بمخلوقة على ما زعمت المعطلة الجهمية، عليهم لعائن الله". وبعد سياقه الروايات الكثيرة قال: "أفليس العلم محيطا - يا ذوي الحجا - أنه غير جائز أن يأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتعوذ بخلق الله من شر خلقه، هل سمعت عالما يجيز أن يقول: أعوذ بالكعبة من شر خلق الله، أو يجيز أن يقول: أعوذ بالصفا والمروة، أو أعوذ بعرفات ومنى من شر ما خلق الله، هذا لا يقوله ولا يجيز القول به مسلم يعرف دين الله محال أن يستعيذ مسلم بخلق الله من شر خلقه" ثم قال: "ولذكر القرآن أنه غير مخلوق مسألة طويلة تأتي في موضعها من هذا الكتاب إن وفق الله ذلك لإملائها"[23]. قلت: وقد ألف الإمام أبو عبد الرحمن عبد الله بن الإمام أحمد بن محمد بن حنبل كتابا عظيما جليلا وسماه السنة، وقد طبع لأول مرة على نفقة جلالة الإمام المغفور له - إن شاء الله - عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود المعظم، وهو جدير بهذا الشأن الخطير. فهذه بعض النقول عن أئمة السلف رحمهم الله تعالى نصت على أن القرآن كلام الله تعالى حقيقة وليس بمخلوق، ومن يذهب خلاف هذا المذهب فهو كافر عندهم كما جاء عن الإمام مالك بن أنس رحمه الله تعالى، وعن غيره من أئمة الإسلام السابقين، ولا أزيد على هذه النقول إلا كلمة واحدة وهي: أشهد الله تعالى على أنها حق وصدق ودين أدين الله بها فأقول- وإن كنت لست ممن يعتمد على كلامه -: إن القائل بخلق القرآن كافر مرتد حلال الدم والمال، يفرق بينه وبين زوجته المسلمة.

وأما قول الشيخ الكوثري في شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى وفي بحوثه كما مر بكم آنفا من كلامه فأقول: ليس هذا أول سهام مسمومة توجه إلى حامل لواء السنة النبوية، وقد سبق الكوثري في هذا الشيخ الهيتمي المكي في كتبه ورسائله التي وصفها العلامة الإمام أبي المعالي محمود شكري الألوسي في كتابه غاية الأماني في الرد على النبهاني بقوله: "وأما كتب ابن حجر "المكي" التي فرح بها الزائغ، فإنها لا تصلح عند من له بصيرة ونظر لغير العطار والإسكاف، فهي إما مزاود للعقاقير، وإما بطائن للخفاف، حيث إنها قشور لا لب فيها، وهكذا كتب السبكي وابنه"[24]. قلت: وهكذا بعض كتب أحمد زيني دحلان ومحمد زاهد الكوثري.

وقال عن كتب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "إن كتب الشيخ بحمد الله محفوظة عند أهلها من أهل الحديث، وناصري السنة، وأتباع الإمام أحمد نضر الله وجهه في الهند وبلاد نجد ومصر والشام والعراق، وهذه هي الكتب التي لا نظير لها، وإنها مما يتنافس بها المتنافسون، فليت شعري أي كتاب فقد منها ولم يوجد منه نسخ كثيرة، وليت هذا الزائغ راجع دفاتر خزائن دار السلطنة المحروسة، ودفاتر خزائن كتب مصر الخديوية وغيرها، وخزائن كتب الشام والعراق والهند وغير ذلك[25]. قلت: إن كلام الشيخ الكوثري في حق شيخ الإسلام ابن تيمية وفي حق بحوثه لا وجه له، بل هو دليل على جهله ويعقبه للباطل، واتباعه لهواه، وإن قوله هذا لا يصدر عن طفل مبتدئ في العلم، ولكن الله تعالى فضحه بسبب تطاوله على خير عالم في الزمان الأخير، ولم يلتفت إلى ما هو فيه من المسلك والحال الذي ينبغي أن يرثى له، وقد سبقه رجل آخر وهو زنديق واسمه محمد بن محمد العلاء البخاري، فقد ألف كتابا خبيثا وسماه "من سمى ابن تيمية شيخ الإسلام كان كافرا" فرد عليه الإمام الحافظ محمد بن أبي بكر ابن ناصر الدين الدمشقي الشافعي ردا جليلا علميا سماه "الرد الوافر" وقد حققه الأستاذ الشيخ محمد زهير الشاويش، صاحب المكتب الإسلامي ببيروت ودمشق، وطبعه في عام 1393هـ وهو كتاب فريد في بابه، سلك فيه مؤلفه العلامة ابن ناصر الدين الدمشقي رحمه الله تعالى مسلكا فريدا دافع فيه عن شيخ الإسلام "ابن تيمية" بطريقة بلغت الغاية في بيان فضل شيخ الإسلام، إذ جمع أسماء جمهرة كبيرة من العلماء الذين عاصروا "ابن تيمية" أو جاءوا بعده ولقبوه بـ "شيخ الإسلام" وترجم لكل واحد منهم ترجمة وافية جمع فيها فضائله، ومؤلفاته، وشيئا من سيرته، بحيث أصبحت تراجم هؤلاء الأعلام في هذا الكتاب من أفضل ما ترجم لهم به، ولقد شاهدت عرضا لهذا الكتاب المبارك في بعض أعداد جريدة الدعوة الإسلامية التي تصدر بمدينة الرياض، ويقول العلامة ابن ناصر الدين في كتابه هذا تحت عنوان وسبب تأليف الكتاب: "وجمهور النقاد، وأئمة السنة أهل الإسناد، كلامهم منقسم في الجرح والتعديل إلى قوي ومتوسط، وكلام فيه تسهيل وفي عصرنا هذا الذي قل فيه من يدري هذا الفن، أو يرويه، أو يحقق تراجم من رأى من أهل مصره، فضلا عمن لم يره، أو مات قبل عصره، قد نطق فيه من لا خبرة له بتراجم الرجال، ولا عبرة له فيما تقلده من سوء المقال، ولا فكرة له فيما تطرق به إلى تكفير خلق من الأعلام بأن قال: من سمى ابن تيمية شيخ الإسلام كان كافرا لا تصح الصلاة وراءه" وهذا القول الشنيع الذي نرجو من الله العظيم أن يعجل لقائله جزاءه، قد أبان قدر قائله في الفهم، وأفصح عن مبلغه من العلم، وكشف عن حمله من الهوى، ووصف كيف اتباعه لسبيل الهدى ولا يرد بأكثر من روايته عنه ونسبته إليه، فكلام الإنسان عنوان عقله، يدل عليه، أما علم هذا القائل أن لفظة "شيخ الإسلام" تحتمل وجوها من معاني الكلام"[26] وقال الإمام العلامة الذهبي في حق شيخ الإسلام ابن تيمية: "الشيخ الإمام العلامة الحافظ الناقد الفقيه المجتهد، المفسر البارع شيخ الإسلام، علم الزهاد، نادرة العصر، تقي الدين أبو العباس أحمد ابن مفتي شهاب الدين عبد الحليم ابن الإمام المجتهد شيخ الإسلام مجد الدين عبد السلام بن عبد الله بن القاسم الحراني، أحد الأعلام، ولد في ربيع الأول سنة إحدى وستين وستمائة، ثم ذكر عمن أخذ ثم قال: "وعني بالحديث، ونسخ الأجزاء، ودار على الشيوخ وخرج، وانتقى وبرع في الرجال وعلل الحديث وفقهه، وفي علوم الإسلام وعلم الكلام وغير ذلك. وكان من بحور العلم من الأذكياء المعدودين والزهاد الأفراد، والشجعان الكبار، والكرماء الأجواد، أثنى عليه الموافق والمخالف، وسارت بتصانيفه الركبان، لعلها ثلاث مائة مجلد"[27]. قلت: اللهم إلا الكوثري والسبكي وابنه، والدحلان تكلموا فيه حسدا وعدوانا، وبغضا فأنت حسيبهم.

وأما الحديث الذي زعم الكوثري عدم صحته، وهو حديث نسبة الصوت إلى الله تعالى، فإذا كان الرجل ينكر أن يكون هذا القرآن هو كلام الله تعالى ووحيه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وزعم أنه مخلوق، فكيف بهذا الحديث المبارك الذي صح عند جماهير أهل الحديث؛ منهم الحافظ الإمام أبو عبد الله البخاري رحمه الله تعالى وإن كان ليس على شرطه في الجامع الصحيح، فقد أورده رحمه الله في جامعه معلقا في موضعين في كتاب العلم، وفي كتاب التوحيد، وأخرجه بإسناده في كتاب الأدب المفرد، وأخرجه أيضا الإمامان الجليلان أحمد بن حنبل، وأبو يعلى الموصلي في مسنديهما، وأخرجه أيضا الحافظ تمام الرازي في فوائده، وأخرجه أيضا الإمام ابن أبي عاصم النبيل "أحمد بن عمرو" في كتاب العلم، والحافظ الإمام الحارث بن أبي أسامة في مسنده، وأخرجه أيضا الإمام نصر المقدس في كتابه الحجة، والخطيب البغدادي في رسالته الرحلة في طلب الحديث؛ كلهم من طريق عبد الله بن محمد بن عقيل بن جابر رضي الله تعالى عنه، وهذا نصه: عن جابر عن عبد الله بن أنس رضي الله تعالى عنهما قال: "سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "يحشر العباد يوم القيامة عراة، غرلا، بُهْمًا" قال قلنا: وما بهما؟ قال: "ليس معهم شيء، ثم يناديهم بصوت يسمعه من قرب ومن بعد، أنا الملك، أنا الديان." ثم ذكر الحديث بطوله، وتكلم عليه الحافظ في الفتح في الموضعين[28]، وعبد الله بن محمد بن عقيل وإن كان اختلف في الاحتجاج بأحاديثه كما حكى ذلك الحافظ في الفتح، إلا أنه توبع بمتابعة تامة، تابعه محمد بن المنكدر، عن جابر وهو في مسند الشاميين للإمام أبي القاسم الطبراني[29].

وله طريق ثالث أخرجها الخطيب البغدادي في طلب الحديث من طريق أبي الجارود العبسي، وصحح الحافظ ابن حجر هذا الحديث بقوله في الفتح بعد أن قال: "وأصل الاحتجاج للنفي الرجوع إلى القياس على أصوات المخلوقين، لأنها التي عهد أنها ذات مخارج، ولا يخفى ما فيه، إذ الصوت قد يكون من غير مخارج كما أن الرؤية قد تكون من غير اتصال أشعة كما سبق، ولكن تمنع القياس المذكور، صفات الخالق لا تقاس على صفة المخلوقين، وإذا ثبت الصوت بهذه الأحاديث الصحيحة وجب الإيمان به". قلت: ومن هنا كانت دعوى الشيخ الكوثري كاذبة المائة في المائة، أو مجازفة قبيحة، وقد جمع العلامة أبو الحسن بن الفضل جزءا مهما في أحاديث الصوت، أشار إليها الحافظ في الفتح، فلو وجدت لكانت قاصمة الظهر للمنكر؛ وأما قول الحافظ: "إذ الصوت قد يكون من غير مخارج" فنعم فهو صحيح. قال الله تعالى في محكم كتابه في حق السماء والأرض: {فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ}[30] فهذا خطابه جل وعلا للسماء والأرض، وأمره لهما وهما مخلوقان جامدان لا مخارج لها في الحس، مع أنهما أجابا ربهما بقولهما { قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ} فإذا كان المخلوق الجامد يسمع منه الصوت بدون مخارج معهودة، فكيف الخالق جل جلاله، وبهذا المعنى ثبت عن المصطفى صلى الله عليه وسلم أنه سمع صوت الجذع، أي جذع النخلة عندما فارقها إلى المنبر الخشبي الذي صنع له صلى الله عليه وسلم. قال الإمام أحمد في مسنده بإسناد صحيح عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخطب إلى جذع قبل أن يتخذ المنبر، فلما اتخذ المنبر، وتحول إليه حن عليه، فأتاه فاحتضنه فسكن. قال: "ولو لم أحتضنه لحن إلي يوم القيامة." والحديث أخرجه البخاري والترمذي، والنسائي، وابن ماجة بألفاظ متغايرة[31]. وقال الحافظ في الفتح: "وقد نقل ابن أبي حاتم في مناقب الشافعي، عن أبيه، عن عمرو ابن سواد، عن الشافعي قال: ما أعطى الله نبيا ما أعطى محمدا، فقلت: أعطى عيسى إحياء الموتى، قال: أعطى محمدا حنين الجذع حتى سمع صوته، فهذا أكبر من ذلك"[32]. قلت: وبهذا عرف أن المخلوق الجامد قد يصدر منه الصوت بدون مخارج معهودة، فكيف الإنكار في حق الخالق! وللشيخ محمد العربي التباني المالكي رسالة قيمة سماها تبنية الباحث السري عما في مقالات الكوثري، فعليك أن تطالع هذه الرسالة حتى تقف على حقيقة ناصعة من أمر هذا الرجل الذي وصفته بالبراعة في فن الحديث ورجاله.

وأما ما قام به الشيخ الكوثري كتابه في "التأنيب" من مغالطات فاحشة قبيحة، وخيانة علمية كبرى لم يسبق لها مثيل في تاريخ العلم، فانظر بدقة فائقة، ونظرة فاحصة فيما رد عليه العلامة الشيخ عبد الرحمن بن يحيى المعلمي في كتابه الفذ البارع "التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل" وأنا سوف أنقل لك من الكتاب المذكور مثالا واحدا حتى تكون على بصيرة تامة مما أطلقت في حقه من عبارات طويلة عريضة من إمامة في العلم، وبصارة في النقد والتحرير، وبراعة في الحديث ورجاله وهو لا يستحق شيئا من ذلك إلا إذا قلنا: "إنه كان مع سعة اطلاعه وعلمه كذوبا خائنا متعصبا لما يذهب إليه من إنكار صفات الباري جل وعلا، وطاعنا في أئمة السنة وحماتها وحفاظها - كما سوف يأت - فقد أضله الله على علم" فهذا لا بأس به. وقد كشفه العلامة عبد الرحمن بن يحيى المعلمي في "التنكيل" إذ قال رحمه الله تعالى في مقدمة التنكيل: "فرأيت الأستاذ قد تعدى ما لا يوافقه أهل العلم من توقير أبي حنيفة، وحسن الذب عنه إلى ما لا يرضاه عالم متثبت من المغالطات المضادة للأمانة العلمية، ومن التخليط في القواعد، والطعن في أئمة السنة ونقلتها، حتى تناول بعض أفاضل الصحابة والتابعين، والأئمة الثلاثة ,مالكا والشافعي وأحمد وأضرابهم، وكبار أئمة الحديث وثقات نقلته، ورد الأحاديث الصحيحة الثابتة، والعيب للعقيدة السلفية، فأساء في ذلك جدا حتى إلى الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى"[33]. ثم قال العلامة المعلمي: "وطعن الكوثري في الأئمة الرواة وهم نحو ثلاثمائة، وفيهم أنس بن مالك رضي الله عنه، فمن أوابده تبديل الرواة، يتكلم في الأسانيد التي يسوقها الخطيب طاعنا في رجالها واحدا واحدا، فيمر به الرجل الثقة الذي لا يجد فيه طعنا مقبولا، فيفتش الأستاذ عن رجل آخر يوافق ذلك الثقة في الاسم واسم الأب ويكون مقدوحا فيه، فإذا ظفر به زعم أنه هو الذي في السند". ثم أورد العلامة المعلمي على ذلك أمثلة كثيرة جدا، وبذلك ظهرت براعة الكوثري في الحديث ورجاله بالمعنى الذي ذكره العلامة المعلمي، وإليك المثال المذكور آنفا. قال في طليعة التنكيل(1-2): "صالح بن أحمد ومحمد بن أيوب. قال الخطيب في تاريخ بغداد: "أخبرنا محمد بن عيسى بن عبد العزيز البزاز بهمذان، حدثنا صالح بن أحمد التميمي الحافظ، حدثنا القاسم بن أبي صالح، حدثنا محمد بن أيوب، أخبرنا إبراهيم بن بشار، قال: سمعت سفيان بن عيينة …" قال العلامة المعلمي: "تكلم الأستاذ في هذه الرواية في ص97 من التأنيب فقال: "في سنده صالح بن أحمد التميمي، وهو ابن أبي مقاتل القيراطي هروي الأصل، ذكر الخطيب عن ابن حبان أنه كان يسرق الحديث… والقاسم بن أبي صالح الحذاء ذهبت كتبه بعد الفتنة، فكان يقرأ عن كتب الناس، وكف بصره كما قاله العراقي، ونقله ابن حجر في لسان الميزان، ومحمد بن أيوب ابن هشام الرازي كذبه أبو حاتم، ولا أدري كيف يسوق الخطيب مثل ذلك الخبر بمثل السند المذكور، لعل الله سبحانه وتعالى طمس بصيرته ليفضحه فيما يدعي أنه المحفوظ عند النقلة بخذلانه المكشوف في كل خطوة"[34] قلت: فقد ظهر أدبه في النقاش والجدال، وننظر الآن من الذي خذله الله تعالى وهتك ستره، وفضحه، وطمس بصيرته ووسمه بعار الخيانة العظمى؟ قال العلامة عبد الرحمن المعلمي ذاكرا عدة أمور إسنادية لا تخفى على أحد من طلبة العلم، وهي قوية اعتمد عليها، واطلع بها على خيانة كبيرة ارتكبها الأستاذ الكوثري في ترجمة صالح بن أحمد المذكور الذي بدله الكوثري برجل آخر وهو: صالح بن أحمد التميمي الحافظ الهمذاني الثقة الثبت"، ثم قال أخيرا رحمه الله تعالى: "المقصود هنا إثبات أن الكوثري قد عرف يقينا أن صالح بن أحمد الواقع في السند ليس هو بالقيراطي، بل هو ذاك الحافظ الفهم الثقة الثبت، ولكن الكوثري كان مضطرا إلى الطعن في تلك الرواية ولم يجد في ذاك الحافظ مغمزا، ووقعت بيده ترجمة القيراطي المطعون فيه، وعرف أن هذا الفن أصبح في غاية الغربة، فغلب على ظنه أنه إذا زعم أن الواقع في السند هو القيراطي لا يرد عليه أحد، والله تعالى له معه حساب آخر والله المستعان". قلت: وهكذا صنع الأستاذ الكوثري في محمد بن أيوب بن يحيى بن الضريس الإمام. ولا أريد أن أطول عليك في مثل هذا المقام، فقد تعدى الكوثري عن الوصف الدقيق فيه تعصبه وبغضه لأهل السنة، فإن كنت ذا فهم وبصر في فن الرجال، فعليك أن تدرس كتاب التنكيل كله من أوله إلى آخره حتى تطلع على الخبايا من الزوايا، والله ما أريد التشنيع بهذه الكتابة، وإنما القصد إن شاء الله تعالى بيان الحق من أمر الأستاذ الكوثري، وما آل إليه أمره، ومساعيه في رد السنة النبوية الصحيحة، وطعنه في أئمتها الأخيار الأبرار الذين حفظ الله بهم هذا الكيان المبارك.

وإليك أيها الأخ الفاضل هذا الكلام نقلا عن العلامة الشيخ المعلمي فيما يتعلق بجرأة الكوثري في غير الحق، قال رحمه الله تعالى في التنكيل: "ومن ذلك أن الخطيب ساق عدة روايات عن الثوري، والأوزاعي" قال:… فقال الأستاذ الكوثري في التأنيب ص72 : "لو كان هذا الخبر ثبت عن الثوري والأوزاعي، لسقطا بتلك الكلمة وحدها في هوة الهوى والمجازفة، كما سقط مذهباهما لبعدهما سقوطا لا نهوض لها أمام الفقه الناضج، وقد ورد لا شئوم في الإسلام، وعلى مزمن أن الشئوم يوجد في غير الثلاث الوارد في السنة، وأن صاحبنا مشئوم فمن أين لها معرفة أنه في أعلى درجات المشئومين"؟.

أجاب العلامة المعلمي بكلام طويل أنقل منه ما يأتي: "شاهد الثوري والأوزاعي طرفا من ذلك، ودلتهما الحال على ما سيصير إليه الأمر، فكان كما ظنا، هل كانت المحنة في زمان المأمون، والمعتصم، والواثق إلا على يدي أصحابكم؟ ينسبون أقوالهم إلى صاحبكم؟ وفي كتاب قضاة مصر طرف من ذلك. وهل جر إلى استفحال تلك المقالات إلا تلك المحنة؟ وأي ضرر نزل بالأمة أشد من هذه المقالات؟ وأما سقوط مذهبيهما فخيرة اختارها الله تعالى لهما، فإن المجتهد قد يخطئ خطأ لا يخلو من تقصير، وقد يقصر في زجر أتباعه عن تقليده هذا التقليد الذي نرى عليه كثيرا من الناس منذ زمن طويل الذي يتعسر، أو يتعذر الفرق بينه وبين اتخاذ الأحبار والرهبان أربابا من دون الله، فقد يلحق المجتهد كفل تلك التبعات، فسلم الله تعالى الثوري والأوزاعي من ذلك، فأما ما يرجى من الأجر على الأتباع في الحق، فلهما من ذلك النصيب الأوفر مما نشراه من السنة علما وعملا، وهذه الأحاديث الواردة في الأمهات الست المتداولة بين الناس حافلة بالأحاديث المروية عن طريقهما، وليس فيها لصاحبكم ومشاهير أصحابه حديث واحد. وقال الإمام أبو عبدالله محمد بن إسماعيل البخاري في تاريخه الكبير في ترجمة الثوري: "قال لنا عبدان عن ابن المبارك، كنت إذا شئت رأيت سفيان مصليا، وإذا شئت رأيته محدثا في غامض الفقه"[35].  قلت: والأوزاعي لا تقل درجته العلمية عن أمير المؤمنين في الحديث سفيان الثوري، فهو إمام أهل الشام وشيخ الإسلام. قال الإمام الذهبي: "ربي يتيما فقيرا في حجر أمه تعجز الملوك أن تؤدب أولادها أدبه في نفسه، ما سمعت منه كلمة فاضلة إلا احتاج مستمعها إلى إثباته عنه. قال الوليد بن مزيد: "ولا رأيته ضاحكا يقهقه، ولقد كان إذا أخذ في ذكر المعاد أقول ما ترى في المجلس قلب إلا وهو يبكي". قال إسماعيل بن عياش: "سمعتهم يقولون سنة أربعين ومائة: الأوزاعي اليوم عالم الأمة". وقال الخريبي: "كان الأوزاعي أفضل أهل زمانه، وكان يصلح للخلافة". فقال أبو إسحاق الفزاري: "لو خيرت هذه الأمة لاخترت لها الأوزاعي". قال بشر بن المنذر: "رأيت الأوزاعي كأنه عمي من الخشوع". وكان الوليد يقول: "ما رأيت أكثر اجتهادا في العبادة منه". وقال أبو مهر: "كان الأوزاعي يحيي الليل صلاة وقرآنا وبكاء". وقال محمد بن كثير المصيصي: "سمعت الأوزاعي يقول: كنا والتابعون متوافرون- نقول: إن الله تعالى فوق عرشه، ونؤمن بما وردت به السنة من صفاته". قال الحاكم: "الأوزاعي إمام عصره عموما، وإمام أهل الشام خصوصا". قال الوليد: "سمعت الأوزاعي يقول: عليك بآثار من سلف وإن رفضك الناس، وإياك ورأس الرجال وإن زخرفوه بالقول، فإن الأمر ينجلي وأنت على طريق مستقيم". قال عامر بن يساف: "سمعت الأوزاعي يقول: إذا بلغك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث فإياك أن تقول بغيره، فإنه كان مبلغا عن الله". قال أبو إسحاق الفزاري عن الأوزاعي كان يقول: "خمسة كان عليها الصحابة والتابعون: لزوم الجماعة، واتباع السنة، وعمارة المساجد، والتلاوة، والجهاد"[36].

قلت: ومن هنا كان تطاول الكوثري على الأوزاعي لدفاعه عن السنة النبوية والاستماتة في سبيلها. نقل الحافظ في التهذيب عن بقية بن الوليد قال: "إنا لنمتحن الناس بالأوزاعي، فمن ذكره بخير عرفنا أنه صاحب سنة"[37]. وقد أطلت عليك أيها الأخ الفاضل فيما يتعلق بالشيخ الكوثري، وبقي معك حديث طويل فيما يتعلق بالأستاذ أحمد زيني دحلان الذي أفردت له ذكرا في رسالتك فقلت في حقه: "الفصل الثالث- المبحث الأول", ثم قلت: "وذكر السيد أحمد دحلان، وعمن أخذ، واتصال الوالد به، وقد أفردته بالذكر دون غيره، لأنه مدار الرواية في الحجاز وغيره لهذا العصر، مع ترجمة موجزة جدا له: "فهو شيخ الإسلام، ومفتي الأنام، وأحد مجددي هذا الدين الحنيف، وأساطينه، وباعث النهضة العلمية المتينة في الحجاز، العابد الزاهد الناسك، الإمام، الحجة، المشارك، السيد أحمد بن زيني دحلان المولود بمكة سنة 1231هـ، المتوفى بالمدينة سنة 1304هـ. تولى الافتاء بمكة واشتغل بالعلوم والتدريس، وقامت بجهوده في عصره نهضات علمية، فأنشئت أول مطبعة بمكة في أيامه واكن متوليا نظارتها، وقد تخرج على يده علماء أماثل، فهو أستاذ أمة، ومربي جيل، وله في كل العلوم باع طويل، وقدم راسخة، ومؤلف أو رسالة، ومن أهم مؤلفاته الفتوحات، وخلاصة الكلام في أمراء البلد الحرام"[38].

قلت: هكذا وصفت الرجل يا أخي فمجدته، ورفعت شأنه، ولعلك قد اطلعت على جميع مؤلفاته، أو على الأقل على أكثرها، ومنها: خلاصة الكلام في أمراء البلد الحرام، وهي من أهمها في نظركم كما أشرتم إليها، وتوجد منه نسخة في مكتبة الحرم المكي العامرة، يقول فيها الشيخ أحمد زيني دحلان بعد كلام طويل لا فائدة في نقله: "ثم أمر محمد بن سعود علماء مكة أن يدرسوا عقيدته التي ألفها محمد بن عبد الوهاب، وسماها كشف الشبهات، ووقع فيها شيء من الكفريات، فقرءوها ورأوا ما فيها من التلبيس الذي هو من وساوس إبليس، ولم يقدروا على الإنكار"[39].        

قلت: أهكذا الرجل الذي وصفته بشيخ الإسلام، ومفتي الأنام، وأحد مجددي هذا الدين الحنيف، وأساطينه في نظرك في غير ذلك من الألقاب الفارغة يعبر عما في كتاب كشف الشبهات مع وجازته، واختصاره من علم نافع عظيم جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، إن هذه العبارة القبيحة الصادرة من أحمد زيني دحلان في حق شيخ الإسلام، وناصر السنة الشيخ محمد عبد الوهاب رحمه الله تعالى لدليل واضح على خباثة نفسية الرجل، وما تحمل من حقد وبغض وحسد نحو دعاة الحق والهدى، والله إنها رزية كل الرزية أن تطلع على كلامه هذا الخبيث القبيح ثم تصفه بما وصفته من ألقاب كاذبة فارغة لا تفيده بشيء إلا الاشتهار بدعوته النكرة الخبيثة إلى الإلحاد والكفر والزندقة والعياذ بالله، أهكذا الإسلام الصحيح الذي جاء به المصطفى صلى الله عليه وسلم؟ أهذه دعوته صلى الله عليه وسلم من دعاء الأموات والاستغاثة بهم، والتي دعا إليها أحمد زيني دحلان! ستقف بين يدي الجبار غدا، فاتق الله في نفسك إن كنت يا أخي فيما زين لك من أمور هذه الدنيا الفانية، والرجوع إلى الحق أفضل من التمادي في الباطل، وقد تكون المناقشة هنا معك حادة بالنسبة لما مضى من الكلام، لأنك فيما يبدو لي أنك اطلعت على كتب الدحلان كلها أو جلها، وقد تكون أكثرها عندكم في البيت حتى أحطت بها علما، ثم حكمت على الدحلان عليه من الله ما يستحق بما حكمت بتلك الأوصاف الضخمة، أو قلدت أحدا ولا يخلو شأنك من أحد الأمرين، ولا أظن بك الأول، وإن كان الثاني فالمشكلة لا تزال قائمة، فهذا التقليد قد أعمى البصيرة وسد الطريق، وأغلق الباب، أي باب العلم، وما كان المسلمون الأوائل يطلقون العبارات الفارغة البراقة دون أن يكون هناك حقائق علمية ثابتة في الرجل، فيعتبر عملك هذا عملا شاذا مرتجلا مبنيا على الأوهام الخطيرة التي أحاطت بك من كل جانب، أطلعني في كتاب كشف الشبهات لشيخ الإسلام، ومجدد الملة المحمدية، وناصر السنة وقامع البدعة، الإمام العلامة محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى تلك الكفريات التي زعمها - ولعلك اطلعت على كلامه - أحمد زيني دحلان. وإليك فهرست كتاب كشف الشبهات:

1- بيان إفراد الله بالعبادة. 2- الفرح بفضل الله. 3- بيان أن الطريق إلى الله لابد من أعداء. 4- الجواب المجمل. 5- الجواب المفصل. 6- الشبه الثلاث هي أكبر ما عند المشركين. 7- النبي صلى الله عليه وسلم لا يشفع إلا بإذن الله. 8- بيان عبادة الأصنام. 9- حكم من صدق الرسول صلى الله عليه وسلم وجحد ركنا من أركان الإسلام. 10- شبهة أخرى للمشركين. 11- حكم الاستغاثة. 12- المسألة المهمة. انتهى الفهرست.                          

قال الله تعالى في سورة النساء: {وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً}[40] فارجع إلى تفسير هذه الآية الكريمة، وإلى سبب نزولها فسوف تجد إن شاء الله تعالى أن صاحبك أحمد زيني دحلان داخل في هذه الآية الكريمة، فإن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب كما هو مذهب أهل الأصول، فعليك أيها الأخ الفاضل أن تدرس دراسة وافية حرة نزيهة لهذه الرسالة القيمة التي ألفها الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى ثم الخروج منها بفوائد علمية إذا كنت ذا بصر وفهم، وطابق بما فيها من المعاني بالقرآن الكريم، والسنة النبوية الصحيحة، وستجد إن شاء الله تعالى أمام كل مسألة دليلها من الكتاب والسنة، وإجماع الأمة، ثم انظر مرة أخرى ما تفوه به الشيخ أحمد زيني دحلان في رسائله، وكتبه ضد الدعوة المحمدية وهي دعوة التوحيد الخالص التي دعا إليها شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى، والأحرى أن تحلل عبارات الرسالة "كشف الشبهات" تحليلا علميا، فقد حملت بحمد الله أعظم شهادة من جامعة الأزهر وهي العالمية - الدكتوراه - وسوف تجد إن شاء الله تعالى إن جردت نفسك بتوفيق المولى جل وعلا عن التعصب والتقليد، أن مضمون الرسالة المذكورة الأخذ عن معان الكتاب والسنة، وإجماع الأمة جميعا إلا الشاذ منهم، ولم يخرج شيخ الإسلام عن هذه الثلاث، وهذا كتاب التوحيد إذا نظرت فيه بنظرة علمية دقيقة، ستجد إن شاء الله تعالى أن الرجل العظيم عليه رحمة الله تعالى لسار فيه وسائر تواليفه المباركة سيرا مباركا كسائر المحدثين القدماء في الإسلام، يعقد بابا ثم يأتي بالآية القرآنية، ثم بالأحاديث النبوية تقوية للباب الذي عقده، وهكذا صنع رحمه الله تعالى رحمة واسعة، ونور مرقده، وجعل الجنة مثواه في جميع تواليفه المباركة كما ذكرت آنفا.

وإني لعلى علم أنك قد اطلعت على كتاب "صيانة الإنسان عن وسوسة الشيخ الدحلان" لمؤلفه المحدث الشيخ العلامة بشير السهواني الهندي رحمه الله تعالى. يقول الأستاذ الكبير صاحب المنار، الشيخ رشيد رضا معرفا هذا التأليف المبارك في مقدمته التي وضعها على كتاب "صيانة الإنسان" قال: "وكان أشهر هؤلاء الطاعنين - يعني في دعوة شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب - مفتي مكة المكرمة، الشيخ أحمد زيني دحلان المتوفى سنة 1304هـ، ألف رسالة في ذلك تدور جميع مسائلها على قطبين اثنين، قطب الكذب والافتراء على الشيخ، وقطب الجهل بتخطئته فيما هو مصيب فيه"[41] ثم ذكر أشياء وبعده قال: "ومما أجملناه أن قواعد الجهل التي بنى عليها الشيخ أحمد دحلان رده على الوهابية إباحة دعاء لغير الله تعالى من الأنبياء، والصالحين الميتين، والاستغاثة بهم، وشد الرحال إلى قبورهم لدعائهم عندها، وطلب قضاء الحوائج منهم ثلاث قواعد:

1- الروايات الباطلة وما في معناها من الحكايات والمنامات والأشعار، وهي لا قيمة لها عند أحد من علماء الملة، وإنما تروج بضاعتها في سوق العوام.

2- الاستدلال بالنصوص على ما لا تدل عليه شرعا؛ كاستدلاله بالسلام على أهل القبور، وبخطاب النبي صلى الله عليه وسلم بقتلى المشركين ببدر، واحتال ذلك قياسا على حياة الموتى، وجواز دعائهم، ومطالبتهم بقضاء الحوائج، ودفع المصائب، ووجه الجهل في هذا أنه يقيس حياة البرزخ على حياة الدنيا، وعالم الغيب على عالم الشهادة، وهو قياس باطل عند علماء أصول الشرع، وعند جميع العقلاء، ويترتب عليه عقائد وأحكام تعبدية لا تثبت إلا بنص الشارع الحكيم عليه الصلاة والسلام، مع كون الذي يثبتها مقلدا للغير ليس من أهل الاجتهاد، وباعترافه واعتراف متبعيه في جهله هذا.

3- قلب الحقائق، وتعكيس القضية فيما ورد من الترغيب في اتباع جماعة المسلمين، والترهيب عن مفارقة الجماعة بزعمه، ومقتضى جهله هم الأكثرون في العدد في كل عصر". وهذه الدعوى مخالفة لنصوص القرآن، والأحاديث الصحيحة، وآثار السلف، والواقع ونفس الأمر في كثير من البلاد والأزمنة، وقد فند المؤلف – أي مؤلف صيانة الإنسان - هذه الدعوى بما أوتي من سعة الاطلاع على كتب الحديث والآثار، فبين ما ورد من الآيات والروايات فيها، وما قاله الأئمة العلماء في تفسيرها وما في معناها من فشو البدع، ثم يقول العلامة الشيخ رشيد رضا: "وجملة ما يقال عن هذا الكتاب أنه ليس ردا على الشيخ دحلان وحده، ولا على من احتج بما نقله عنهم من الفقهاء مما لا حجة فيه، كالشيخ تقي الدين السبكي، والشيخ ابن حجر الهيتمي المكي، بل هو رد على جميع القبوريين، والمبتدعة، حتى الذين جاءوا بعده إلى زماننا هذا"[42]. قلت: هكذا وصف العلامة الشيخ رشيد رضا هذا الرد المحكم، فوجب عليك أن تطالعه، وكتاب غاية الأماني في الرد على النبهاني، للعلامة الإمام أبي المعالي محمود شكري الألوسي، وأن تجرد نفسك عن التعصب لأحد كائنا من كان إلا للحق وحده، والله جل وعلا سوف يفتح عليك، ويشرح صدرك للحق، ولا أريد أن أنقل لك الأمثلة الكثيرة التي استدل بها الشيخ دحلان على دعواه الباطلة من مخالفته طريق الحق والصواب في كتابه" الدرر السنية في الرد على الوهابية" وقد رد عليه العلامة بشير في كتابه هذا المبارك "صيانة الإنسان" وعلى كل دليل باطل استدل به على زعمه الباطل، فأورد لك مثالا واحدا، فانظر ثم انظر كيف استدل به على دعواه الباطلة من جواز نداء الأموات.

قال العلامة بشير في صيانة الإنسان: "قوله "أي قول الدحلان" وروى البخاري عن أنس رضي الله تعالى عنه، أن فاطمة رضي الله تعالى عنها قالت لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم : "يا أبتاه" إلى قوله: ففي هذا الحديث أيضا نداؤه صلى الله عليه وسلم بعد وفاته…".

أجابه العلامة بشير رحمه الله تعالى بقوله: "هذا ليس من النداء في شيء، بل هو ندبة، يرشدك إلى هذا كون هذا الكلام صادرا وقت الوفاة، ووقوع لفظ النعي فيه، وزيادة الألف في آخره لمد الصوت المطلوب في الندبة، فالقول بكونه نداء أدل دليل على جهل قائله"[43]. قلت: هذا الحديث أخرجه البخاري، والإمام أحمد في المسند، والنسائي وابن ماجة، والدارمي في سننهم[44], وتكلم عليه الحافظ في الفتح بقوله: "(يا أبتاه) كأنها قالت: يا أبي، والمثناة بدل من التحتانية، والألف للندبة، ولمد الصوت، والهاء للسكت"[45]. قلت: هكذا مبلغ علم دحلان في السنة النبوية وعلمه في اللغة العربية ومع ذلك فهو شيخ الإسلام وحجة الأنام، ومفتي الأنام. فلا حول ولا قوة إلا بالله العظيم، ولقد صدق المصطفى صلى الله عليه وسلم في حديثه الصحيح الذي أخرجه البخاري من الجامع الصحيح وكذا مسلم، والإمام أحمد في مسنده، والترمذي في الجامع وكذا ابن ماجة، والدارمي في سننه من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينزعه عن الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رؤساء جهالا، فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا". هكذا كانت الأحوال في مكة المكرمة وغيرها من المدن الإسلامية بسيطرة هؤلاء الجهلة على مناصب هامة من الدولة، وعن طريقهم فشت البدعة، وظهرت الفتن والشرك، وخفي على الناس أمر دينهم الصحيح الذي أنزل الله تعالى به الكتب، وأرسل الرسل.

استدل هذا شيخ الإسلام، ومفتي الأنام المزعوم على جواز نداء الميت بعد الموت بحديث ضعيف أخرجه الإمام أبو القاسم الطبراني في معجمه الكبير، عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه بسياقة طويلة، وفيه التلقين للميت بعد الموت. قال الشيخ دحلان: "وفي التلقين الخطاب والنداء، وقد ذكره كثير من الفقهاء، واستندوا في ذلك على هذا الحديث، فكيف يمنعون النداء مطلقا؟".

أجابه العلامة بشير بجواب مفصل ومقنع، واستند رحمه الله تعالى على عدم صحة هذا الخبر، ونقل عن أئمة الجرح والتعديل ما يكفي ويشفي في هذا الباب، ثم نقل عن الإمام ابن القيم من كتابه "الروح" أنه قال: "وحاصل كلام الأئمة أنه حديث ضعيف، والعمل به بدعة، ولا يغتر بكثرة من يفعله, وفي نزل الأبرار: "وقد أنكر هذا التلقين جماعة من أهل العلم وبدعوه"؛ انظر ذلك في الهدي النبوي وغيره، كثمار التنكيت للمؤلف[46]. قلت: والحديث أورده صاحب مجمع الزوائد وقال في نهاية الحديث: "رواه الطبراني في الكبير، وفيه من لم أعرفه جماعة"[47]. قلت: لأن في سنده عاصم بن عبد الله بن عاصم بن عمر بن الخطاب العدوي أيضا. قال الذهبي: "ضعفه مالك". وقال يحيى: "ضعيف لا يحتج به". وقال ابن حبان: "كثير الوهم، فاحش الخطأ فترك". وقال أحمد: "قال ابن عيينة: كان الأشياخ يتقون حديثه". وقال النسائي: "ضعيف". وقال أبو زرعة وأبو حاتم: "منكر الحديث". وقال الدار قطني: "يترك، وهو مغفل"[48]. وفي الختام أدعو الله جل وعلا، وأتضرع إليه سبحانه وتعالى أن يهدينا جميعا صراطه المستقيم، ويرينا الحق حقا ويرزقنا اتباعه، ويرينا الباطل باطلا ويرزقنا اجتنابه، ويجعلنا من دعاة الحق وأنصاره، {رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ} (الحشر: من الآية10) وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.    

 

 

 

 



[1] اتحاف ذوي الهمم العلية ص41.

[2]البقرة آية 42.

[3] آل عمران 187.

[4] مسند الإمام أحمد2/240.

[5] البقرة 159.

[6]المقالات الكبرى للكوثري ص27.

[7] المصدر السابق ص28.

[8] تذكرة الحفاظ2/621.

[9] الرد على الجهمية ص 85-89 للإمام الدارمي.

[10] هو ثقة، إمام مترجم في تاريخ بغداد 2/322-323.

[11] وهو ثقة توفي سنة 326هـ تاريخ بغداد 9/296.

[12] صدوق فاضل من صغار العاشرة مات 265هـ وهو من شيوخ الإمام النسائي، التقريب 2/33.

[13] هو المدائني، أبو صالح، نزيل مكة، ثقة، عابد، من التاسعة وهو من شيوخ البخاري. التقريب 1/352.

[14] هو حافظ الدنيا، وأمير المؤمنين في الحديث، ثقة، حافظ، فقيه، عابد، إمام حجة، من رؤوس الطبقة السابعة المتوفى سنة161هـ.

[15] شرح السنن للحافظ اللالكائي الطبري ص39-40 من نسخة جامعة الملك عبد العزيز.

[16] تذكرة الحفاظ 1/106.

[17] الأسماء والصفات ص239-258.

[18] شرح العقيدة الطحاوية ص194-197.

[19] سنن أبي داود مع حاشية عون المعبود 4/376-377.

[20] شرح السنة للبغوي 1/181-188.

[21] الشريعة للإمام الآجري ص75-87.

[22] مسائل الإمام أحمد ص262-272.

[23] كتاب التوحيد لابن خزيمة ص161-167.

[24] غاية الأماني2/271.

[25]غاية الأماني 2/275.

[26] الرد الوافر ص21.

[27] تذكرة الحفاظ للذهبي 4/1496.

[28] الفتح، كتاب العلم 1/174، وكتاب التوحيد 13/457.

[29] مسند الشاميين للطبراني 2/127من نسختى خ.

[30] سورة فصلت 11.

[31] أحمد في المسند1/149، 1/267، 1/315، 1/363، البخاري المناقب25، الترمذي الجمعة10، النسائي الجمعة 17, الدارمي المقدمة 6.

[32] فتح الباري6/603.

[33] التنكيل1/2-19.

[34] التنكيل1/20.

[35] التنكيل 1/259.

[36] تذكرة الحفاظ1/178-183.

[37] تهذيب التهذيب6/241.

[38] إتحاف ذوي الهمم العلية ص76.

[39] خلاصة الكلام في أمراء البلد الحرام لأحمد زيني دحلان ص279 من نسخة مكتبة الحرم المكي.

[40] سورة النساء 112.

[41] مقدمة صيانة الإنسان ص7-8.

[42] مقدمة صيانة الإنسان ص11-12.

[43] صيانة الإنسان ص392.

[44] في علم 34  "م" علم حديث 13 "ت" علم  5  ابن ماجة المقدمة 8  دارمي في المقدمة 227  أحمد في المسند 2/190.

[45] الفتح 8/149.

[46] صيانة الإنسان 392-399.

[47] مجمع الزوائد 2/324.

[48] ميزان الاعتدال2/353-354.