|
|
|
|
أول معهد في
الإسلام
|
|
لفضيلة الدكتور: محمد محمد خليفة |
|
المدرس بكلية الشريعة بالجامعة |
|
|
|
|
|
|
|
ماجت دور يثرب وقصورها وآطامها
بأحاديث الإسلام بعد بيعتي العقبة الأولى والثانية، وكانت من قبل مسرحا للوثنية
واليهودية، ثم دخل الإسلام دورها، وسرت أصوله وتعاليمه بين مجتمعاتها، فأصبحت
المدينة بين لهج بالإسلام، ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم مترقب إشراقه عليها
متحمس لدعوته، وبين خائف تنتفض أحاسيسه خوفا على سلطانه أو دنيا جاهه أو ماله،
وبين سائل عن دعوة الدين الجديد متقص ألوان الأذى التي يواجهها أصحابه من
أقوامهم. وكلما ألقى الرجال بينهم صحابي أحدق المسلمون به يسمعون منه ما أوحاه الله إلى رسوله أو ما حدث به أو ما لقي أصحابه من
ضروب النكال، أو ما يلقى الرسول من كيد من أنكروا إنسانيتهم فخروا سجدا لآلهة نحتتها من الصخر أيدي
صناع الآلهة. |
|
ووقف اليهود عن كثب يستنبئون أو يصيخون إلى ما تتناقله
الألسنة مما يدور حول محمد ورسالة محمد {وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ
كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِه} (البقرة: من
الآية89) |
|
وتطلع الوثنيون الحيارى من الأوس
والخزرج وغيرهم إلى فجر من اليقين يبدد ما ضربته عليهم ظلمات الحيرة، ويأخذ
بأيديهم من متاهات الشكوك. |
|
بكل هذا أفعمت خواطر اليثربيين على اختلاف أديانهم حتى أذن الله لرسوله بالهجرة
فلم يكد يستقر مقامه في يثرب حتى أسس أول مسجد في الإسلام تطهر في محرابه
الأرواح حين تصل دنياها بصانع الأرواح، وفي هذا المسجد وضعت خطوط الدولة الجديدة
في الإدارة والسياسة والحكم والاقتصاد، وفيه انعقدت مجالس الشورى، واستقبلت
الوفود من القبائل والملوك، وأعلنت فيه التعبئة لقتال أعداء الإسلام، وعقدت في
حرمه الألوية، ووجهت الوصايا للقادة. |
|
وإلى جانب كل هذا أقيم فيه أول معهد عرفه الإسلام يعمل فيه
وحي الله وهدي رسوله صلى الله عليه وسلم على تهذيب النفوس وتربية العقول، وتنظيم
المجتمع الجديد على ضوء الدين الجديد الذي صنع للوجود أمة هي {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} (آل
عمران: من الآية110). |
|
وقد تلقى صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه في هذا
المعهد ما أوحى الله من قرآن فكتبه من كتب، وحفظه من حفظ، وتساءل عن بعض آياته
من تساءل حين اختلفت الأفهام أو تعايت عن إدراك ما
تحمل الكلمات أو ما تهدف إليه الآيات، فكان عند صاحب الإلهام جواب. |
|
وعاشت العقول والأسماع والأبصار والأرواح مع رسول الله صلى
الله عليه وسلم، مع بيانه وما يتدفق فيه من جوامع الكلم، ومع إرشاده البصير الذي
يأخذ بأيدي الضاربين في ظلمات الشكوك إلى صبح الحق ونور اليقين، ومع حركاته
وإشاراته وما تحمل أساريره من انطباعات في رضاه وغضبه، ومع عظاته التي تربط
القانتين الخاشعين بربهم في صلاتهم بل في حياتهم، وكأنما ربطتهم العظات التي
أحكم نسجها إيمان الواعظ الأكبر، وأوثقت أرواحهم بالله فهم مع الله أبدا {إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا} (المجادلة:
من الآية7) ولم تتقيد الدراسة في هذا المعهد بمنهج ولا بزمن، وإنما كان
قوام الدراسة فيه العقيدة والشريعة والأخلاق والآداب: العقيدة الواضحة والشريعة
التي ترسم للمجتمع طريقه، وتحدد له معالم الحياة الصحيحة التي يريدها الله لخير
الإنسانية والأمة، الأخلاق التي تحدد سلوك الفرد والمجتمع، والآداب التي تصون
النفوس من التردي - وواجهت الداعي الأول إلى وحدانية الله - وثنية اتخذت الأرباب
من الصخر وقال عبادها: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ
لِيُقَرِّبُونَا إِلَى الله زُلْفَى} (الزمر: من الآية3) فاتخذوا من
الحجر الأصم وسيلة تقربهم إلى الله، وحين دعتهم الإنسانية العاقلة إلى عبادة
الله دون وسيلة تحدوا دعوته. |
|
كما واجه اليهودية المنحرفة التي ترى عزيرا
ابن الله، والنصرانية التي ترى المسيح ابن الله {مَا
كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ} (مريم: من الآية35) {وَأَنَّهُ
تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلا وَلَداً} (الجـن:3).
|
|
وعانى الرسول صلى الله عليه وسلم ما عانى في حرب الضلال حتى
وطد أركان العقيدة الحقة في قلوب المسلمين، ثم انطلق
طلاب المعهد الأول في الآفاق دعاة لا تثنيهم عن دعوتهم قوة ولا تفتر لهم همة،
وكانت الشريعة الإسلامية المادة الثانية التي عني بدراستها في هذا المعهد
يستنبطها الفقيه الأول من كتاب الله فرضا أو حدا أو وصية أو أمرا أو نهيا أو
توجيها، فكانت الشريعة الإسلامية التي أوحى الله قواعدها وبنيانها هي خير شريعة
بنت وحمت الكيان الإسلامي، وربطت بين مجتمعاته على تنائي أوطانهم وتباين
أفكارهم، وكان المعلم الأول قدوة لطلابه في سلوكه وخلقه الذي امتدحه به ربه في
قوله: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} (القلم:4) ، وقد حملت أخلاقه المسلمين على الاقتداء
به في زهده وصبره وجوده وتسامحه، واجتمعت فيه كل فضائل الخير، فكان أزهد الناس
في متاع الدنيا، وكان أصبرهم على المكاره، وكان في
جوده الريح المرسلة، وكان سمحا لا يغضب إلا حين تمس حرمات
الله. |
|
وقد ربى أمته على آداب الإسلام، فبنى بها أمة عنت لآدابها
حياة القياصرة، وخشعت تيجان الأكاسرة، وكان أهل المدينة جميعا طلابا في المعهد
يطلبون في علم المعلم الأول وعمله ما ينقي نفوسهم من رواسب الجاهلية الأولى، وما
ينقي عقولهم من زيف الضلال وما يفقههم في الحياة. |
|
ثم كان أبناء المدينة ومن هاجروا إليهم من آفاق الجزيرة من
بعده روافد انطلقت في الآفاق تروي عطاش العقول
وتزودهم بخير الزاد وزاد الخير. |
|
ولم يقيد الانتساب إلى هذا المعهد بسن ولا بجنس، فقد تلاقى
في حلقاته المكتهلون والشباب والغلمان والنساء
والعذارى، وسمعوا جميعا من المعلم الأول وأخذوا عنه واستفتوه، وقيدت عقولهم كل
آبدة، ولم تفر من أذهانهم شاردة، أخذوا الكثير وفقهوا الكثير، ثم حملوا عن
المعلم الأول شريعة الله إلى العالم، فقضوا بها بين الناس أحكاما وفتاوى عاشت
على الأحقاب مرجعا يفيء إليه طلاب الحق حين تختلف أفهامهم
وأفكارهم. ولقد تطلعت الأقطار في فجر الإسلام إلى طلاب معهد الرسول فأخذ طلاب الخير
والشرع عنهم ما أخذوا، ونهلوا
مما أفاء الله على علماء المدينة ما نهلوا، وخرجت من
المدينة أجيال حملت إلى العالم الإسلامي خير شريعة عرفها الوجود، فكم كان فيها
من هداة! وكم انطلق منها من دعاة! وكم تربى في رحابها من أئمة!. |
|
فهل آن لمدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعود إليها
مكانها العلمي فيرى العالم الإسلامي أفواجا من المتخرجين في جامعتها الإسلامية
تحمل إلى العالم رسالة الإسلام عقيدة خالية من الشوائب، وشريعة حاكمة قوامها
كتاب الله وسنة رسول الله، تنطق بها أفواج المبعوثين كما انطلق بها علماء هذه
المدينة في فجر الإسلام. |
|
وهل آن للوافدين من الأقطار الإسلامية إلى هذه الجامعة أن
يتزودوا من الثقافة الإسلامية زادا يملأ عقولهم وأرواحهم قبل أن يعودوا إلى
أقوامهم ليأخذوا بأيديهم إلى طريق الحق، ولينتشلوهم من الحبائل التي نصبتها
الصليبية أو الإلحادية؟. |
|
وهل آن لهذه الجامعة
الإسلامية الفتية أن تحمل عن كهولة الأزهر الأعباء التي حملتها كواهله عشرة
قرون؟. |
|
وهل آن لهذه الجامعة الإسلامية أن
تعيد إلى الإسلام مكانة أول معهد في الإسلام؟. |