|
|
رسائل لم يحملها
البريد
|
|
بقلم فضيلة الشيخ عبد الرؤوف اللبدي |
|
المدرس بكلية الشريعة
بالجامعة |
|
|
|
صديقي… |
|
تسألني يا صديقي كيف أمسيت
بعد ثلاثة وعشرين عاما من ذاك الزواج. |
|
أمسيت يا صديقي كما أصبحت، أحمد الله على ما أنعم، وأشكر له
ما رزق، لا يزال ذاك الزواج ريَّان مونقا مورقا
كأشجار الربيع، لم يصبه الجفاف، ولم يدركه الخريف، لم أصر بعد إلى ما كنت تحدس وتقدر، فأرى في بيتي ظلمة المغاور،
وأحس له وحشة المقابر، لا يزال بيتي يشرق بالنور، ويفيض بالحياة، ويزين كل جدار
فيه. {وَمِنْ آيَاتِهِ
أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا
وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً} (الروم: من
الآية21). |
|
ولا تحسبن أني قد نسيت، فأنا لا أذكر تمام الذكرى ما منحتنيه من نصح، حين أشرت علي أن أستبدل بشجرة السرو شجرة من أشجار العنب، وقلت: هذه ذات أغصان تفيء إلى
ظلها وقت الحرور، وذات عناقيد تستمتع بها في مصيف العمر وفي شتاء الحياة، ثم هي
زينة لك في حياتك الدنيا، تدوم بها الصحبة وتتوثق الألفة، وتعمق المودة، ويكثر
الخير، وتتنوع طعوم الحياة. |
|
ولقد شكرت لك هذا النصح حين
ذاك، وقلت لك: أنا يا صديقي في فسحة من الوقت، وليس هناك ما يدعو إلى هذا
التعجل، دعني آخذ الأمر بشيء من الأناة، وأعالجه بشيء
من التبصر. |
|
وما كان جوابي هذا لينال رضاك، فهززت رأسك هزات ذات معان،
ورميت ببصرك إلى الأرض بضع ثوان، ثم رفعته إلي وأنشأت تقول: |
|
لا تركن إلى ما أنت فيه من شباب، ولا يخدعنك ما أنت فيه من
نعيم، ولا تقعد الجبن عن لقاء الحياة، فتقعد في هذه الحياة أسيفا حسيرا، ولا تكن من المستقبل في خشية، فالمستقبل بيد الله،{وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ
رِزْقُهَا}
(هود: من الآية6). |
|
لقد نسيت يا صديقي كثيرا
من أيام حياتي، ولكنني لم أنس ذلك اليوم الذي أبديت فيه ما كنت عنك أخفيه، وجهرت
لك بما كنت من قبل قد أسررت، وقلت لك حين عرفت أن لا مناص من القول: |
|
دعني يا صديقي فالخيرة فيما
اختاره الله، لا فيما تختاره أنت، أنني راحل في هذه الحياة، وكل شيء من حولي
وحولك راحل، فأشجار الزيتون التي تغطي سفوح الجبال، وتفيض بها بطون الأودية،
وأشجار البرتقال هذه التي تملأ السهول، ويفيض بها الساحل، وهؤلاء الناس الذين
يغدون ويروحون وهم لا يشعرون، هؤلاء وأولئك كلهم راحلون راحلون، وحتى هذه الأرض
التي أنت فوق ثراها راحلة سوف أكون أنا يا صديقي في هذه الدنيا عابر سبيل، وفلّ
طريق، ونضو سفر، فدعني أعبر فجاجها العميقة، وثنياتها الضيقة، وشعابها الصعاب، دعني
أعبرها خفيف الظهر، طلق اليدين، واسع الخطا، ولا ترهقني من أمري عسرا. |
|
دعني يا صديقي من أعنابك
وعناقيدك، فأنا لا أحب العناقيد حصرمًا، ولا أحب الأعناب ذوات أكل خمط، ولا أريد
أن أزيد غثاء السيل غثاء، وعسى أن يجعل الله فيما تكرهه أنت خيرا كثيرا. |
|
أما أنت يا صديقي فسر على الدرب الذي أحببت، وتزوج من
النساء مثنى وثلاث ورباع، واترك من خلفك ذرية مباركة من البنات والبنين والحفدة، تحمل اسمك الكريم، وتحفظ ذكرك الطيب،
وتكون شجرة باسقة الفروع، كثيرة الثمر، تنشر من حولك الظل، وتكون لحياتك زينة. |
|
ونم يا صديقي ليلك الهادئ
الطويل، تهدهدك الأحلام، وتربتك الأماني، وتطوف بخيالك صور غد باسم مشرق. |
|
وسوف أظل أصغي إلى ما ترجيه في أولادك من مستقبل شامخ
البنيان، ثابت الأركان، وأستمع إلى ما ترسمه لهم من خطط حياة طويلة عريضة،
ودراسات علمية متخصصة عالية، وسوف أضرع إلى الله مخلصا، كلما طاف بي طائف من
أولادك، أو رن في أذني صدى صوت من كلماتك - أن يجعل فيهم الولد الصالح الذي لا
ينقطع به عملك بعد الموت، ويخلفك على المنبر في وعظ الجماعات - فنحن في أيام قد أغطش فيها ليل الفتن، فعميت على الناس الطريق، وعصفت بقلوب
كثير منهم عاصفات انحراف وأعاصير ضلال. |
|
سر ياصديقي على الدرب الذي
أحببت، وإني لأسأله تعالى صادقا أن يهب لك الذرية على الصورة المرجوة التي رسمت،
فيكون فيهم الطيب الحاذق الذي يعالج المرضى وقد جعل همه الأول ابتغاء مرضاة الله
وثواب الآخرة، لا زهرة الدنيا ولا زينة الحياة، قد اتخذ له عيادة في وطن من
أوطان المسلمين، لا يطير إلى بلد من بلاد أوروبا وراء فتاة جميلة لعوب قد ملكت
حبه، ولا إلى بلد من بلاد أمريكا طمعا في ثروة واسعة تملأ جيبه. ويكون فيهم
الجندي الشجاع الذي يخوض غمرات الحرب إعلاء لكلمة
الله، أو دفاعا عن أرض يذكر فيها اسمه، لا أن يكون جندي زينة في عراض المواكب، أو شاكي سلاح تسيل على حده لهوات تنطق بالحق. |
|
وتكون فيهم الفتاة المتعلمة المهذبة التي أكبر همها زوج
صالح يكون لها منه رجال صالحون ونساء صالحات، ليست بعارضة أزياء في الغدوات والروحات، ولا بمبدية
لحما غضا غريضا لجياع القطط عاى
أرصفة الشوارع. |
|
ويكون فيهم المهندس الواسع الخيال، ذاك الذي يحسن تخطيط
الطرق الطويلة الآمنة على سفوح الجبال، والجسور المديدة القوية على بطون الأودية
وضفاف الأنهار، والعمارات المتطاولة الجميلة في أحياء المدن الكبرى، لا أن يكون
مهندسا بارعا في تخطيط طرق الفساد في قلوب العباد، وإقامة الجسور لعبور أفكار
خبيثة باسم العلم والثقافة، وبناء الخلايا الخبيئة المدمرة لصروح مجتمعات سليمة
وعمائر خير وصلاح. |
|
وأسأله تعالى أن يكون لأولادك جميعا نصيب من وقتك وجهدك
وتوجيهك، وأن يكونوا جميعا تحت سمعك وبصرك، تراقبهم من قرب ومن بعد، وتنصح لهم
بالقدوة وبالقول، ولا تتلمس المعاذير الواهية بكثرة الأعمال وضيق المجال وإرهاق
الجسد، فتكون كمن يلقي البذور في الأرض حتى إذا خرج الزرع واستغلظ واستوى على
سوقه، تركه مهبطا لطيور وافدة غريبة تغزوه، ومسرحا لديدان أوحال وحشرات تراب
ترتع فيه. |
|
وفي نهاية هذه الرسالة أسأل الله في أولادك أن يكونوا لك لا
أن يكونوا عليك، أن يكونوا شبابك وقد أفنيت فيهم الشباب، أن يكونوا ثروتك وقد
أنفقت عليهم ما جمعته من ثروة، أن يكونوا ثمرا يانعا وقد زرعت وسقيت وقلمت
وحرست، أن يكونوا ظلا وارفا رطبا إذا هبت عليك سموم الحياة، أن يكونوا في عداد
المسلمين حقا إذا عد المسلمون الصادقون فوق هذه الأرض. |
|
ويا لهف نفسي، ويا لهف نفسك! ويا
ضيعة مالك وجهدك! إن ضل
سعيهم في الحياة الدنيا، وعاشوا أرقاء لشرق أو لغرب، واتبعوا أهواءهم، وكان
أمرهم فرطا. |
|
سر ياصديقي على الدرب الذي
أحببت، ودعني أسير على الدرب الذي أحب، وأرجو أن لا تجد في نفسك حرجا مما قضى
الله. |