طباعة

 توثيق النص

 

 

 

الفتاوى

يتولى الرد على أسئلة القراء سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز

رئيس الجامعة الإسلامية

 

 

لقد وردني من المكرم ي.ع.ص الأسئلة الآتية.

س1: هل يجوز الجمع بين مطلقة رجل وابنته من غيرها، وما حكم القاعدة المشهورة التي نصها "كل امرأتين بينهما قرابة لو كانت إحداهما ذكرا لم يجز له أن يتزوج الأخرى حرم الجمع بينهما".

ج1: قد نص أهل العلم في باب المحرمات في النكاح على هاتين المسألتين، وأوضحوا أنه لا حرج في جمع الرجل بين امرأة رجل توفي عنها أو مطلقها، وبين ابنته من غيرها، وذكروا في ذلك أن عبد الله بن جعفر ابن أبي طالب رضي الله عنهما جمع بين إحدى زوجات عمه علي رضي الله عنه بعد وفاته وبين ابنته من غيرها. وهذا الجمع لا يخالف القاعدة المذكورة، لأن المرأتين المذكورتين ليس بينهما قرابة تحريم النكاح إحداهما لأخرى لو كانت إحداهما ذكرا، وإنما الذي بينهما مصاهرة، والمصاهرة في هذا لا تمنع الجمع؛ أما المرأتان اللتان بينهما قرابة تمنع نكاح إحداهما للأخرى لو كانت إحداهما ذكرا فهي تتصور في الأختين، والمرأة وخالتها، والمرأة وعمتها نسبا ورضاعا، وفي مسائل أخرى؛ وقد جاء النص القرآني في تحريم الجمع بين الأختين في قوله سبحانه في سورة النساء {وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيَيْنِ} (النساء: من الآية23). وصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من حديث أبي هريرة وجابر بن عبد الله رضي الله عنهما "أنه نهى عن الجمع بين المرأة وعمتها، والمرأة وخالتها". أخرج حديث أبي هريرة الشيخان، وانفرد البخاري عن مسلم بحديث جابر، وذكر البخاري رحمه الله في كتاب النكاح في باب ما يحل ويحرم من النساء أثر عبد الله بن جعفر الذي ذكرنا معلقا بصيغة الجزم ولفظه: "وجمع عبد الله بن جعفر بين ابنه علي وامرأة علي" ونقل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله حل الجمع بين امرأتي رجل وابنته من غيرها عن الأئمة الأربعة وأكثر أهل العلم، ذكر ذلك عنه العلامة الشيخ عبد الرحمن بن قاسم رحمه الله في المجلد الثاني والثلاثين من مجموع الفتاوى ص71. ونقل الحافظ ابن حجر في الفتح مثل ما فعل عبد الله بن جعفر عن صحابي يدعى جبلة تولى إمرة مصر، ونقل مثل ذلك نسبا عن عبد الله بن صفوان بن أمية؛ وبذلك يتضح لكم أنه لا وجه للتوقف في حل هذه المسألة، لأن من ذكر فعلوا ذلك من غير نكير. ولأن الأصل حل ذلك فلا يحرم من الفروج إلا ما حرمه الله سبحانه، لأن الله عز وجل لما ذكر المحرمات في النكاح في سورة النساء قال بعد ذلك: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُم} (النساء: من الآية24) فعلم بذلك أنه لا يحرم من النساء إلا ما قام الدليل على تحريمه، وينبغي أن يعلم أن الخؤولة والعمومة لا فرق فيهما بين القرب والبعد؛ فيحرم على الرجل أن يجمع بين المرأة وعمتها وإن علت، وبينها وبين ابنة أخيها وإن سفلت، وهكذا يحرم عليه أن يجمع بين المرأة وخالتها وإن علت، وبين المرأة وابنة أختها وإن سفلت كما نص على ذلك أهل العلم؛ ووجه ذلك أن عمة الرجل والمرأة تعتبر عمة لأولادهما وإن سفلوا، وهكذا الخالة.

 

س2: إذا كان عند رجل أربع نسوة وتزوج خامسة وأنجبت منه ولدا فأكثر، فهل ينسب ولدها إليه.

ج2: لا شك في بطلان نكاح الخامسة، وهو كالإجماع من أهل العلم رحمهم الله. وقد ذكر الحافظ ابن كثير رحمه الله في تفسيره "إن أهل العلم - ما عدا الشيعة - قد أجمعوا على تحريم نكاح الخامسة، وفي وجوب إقامة الحد على ناكح الخامسة خلاف مشهور ذكره القرطبي رحمه الله في تفسيره وغيره من أهل العلم".

أما إلحاق الولد به ففيه تفصيل؛ فإن كان يعتقد حل هذا النكاح لجهل أو شبهة أو تقليد لحق به، وإلا لم يلحق به. وقد ذكر صاحب المغني وغيره هذا المعنى فيمن تزوج امرأة في عدتها، ومعلوم أن نكاح المرأة في عدتها باطل بإجماع أهل العلم، ومع ذلك يلحق النسب بالناكح إذا كان له شبهة؛ كالجهل بتحريم نكاح المعتدة إذا كان مثله يجهل ذلك، فإذا لحق النسب في هذه المسألة بالناكح إذا كان له شبهة، فلحوقه بناكح الخامسة أولى؛ لأن نكاح المعتدة لا خلاف في بطلانه بخلاف نكاح الخامسة، فقد خالف في تحريمه وبطلانه الشيعة، وإن كان مثلهم لا ينبغي أن يعتد بخلافه. وخالف فيه أيضا بعض الظاهرية كما ذكر ذلك القرطبي في تفسيره، ولأن الأدلة الشرعية قد دلت على رغبة الشارع في حفظ الأنساب وعدم إضاعتها، فوجب أن يعتنى بذلك وأن لا يضاع أي نسب مهما وجد إلى ذلك سبيل شرعي، ولا شك أن الشبهة تدرأ الحدود، وتقتضي إلحاق النسب، وقد يدرأ الحد بالشبهة ولا يمنع ذلك تعزير المتهم بما دون الحد مع القول بلحوق النسب، جمعا بين المصالح الشرعية؛ والله ولي التوفيق.

 

س3: رجل قال لزوجته: أنت علي كظهر أمي لمدة شهر، قضى الشهر وعاد إلى زوجته؛ فهل تلزمه كفارة ظهار أم لا؟

ج3: مثل هذا لا كفارة عليه إذا كان لم يطأها في الشهر المذكور في أصح أقوال العلماء، ويسمى هذا الظهار ظهارا مؤقتا. وقد ذكر أهل العلم أن الظهار يكون منجزا ومعلقا ومؤقتا؛ فالأول مثل أن يقول: "أنت علي كظهر أمي" والثاني أن يقول: "إذا دخل رمضان أو شعبان، أو قدم فلان فأنت علي كظهر أمي" والثالث مثل أن يقول: "أنت علي كظهر أمي شهر رمضان" فإذا خرج الشهر ولم يطأها فيه فلا كفارة عليه، لكونه لم يعد فيه إلى ما قال، وقد بين هذه الأقسام أبو محمد موفق الدين عبد الله بن قدامة رحمه الله في كتابه المغني، وذكر كلام أهل العلم في ذلك كما ذكر غيره من أهل العلم، والله أعلم.

 

س4: هل يجوز بيع غير الطعام بالطعام نسيئة؛ كبيع الثياب بالقمح مثلا…الخ.

ج4: يجوز ذلك في أصح أقوال أهل العلم، والأدلة عليه كثيرة؛ منها عموم الأدلة في حل البيع والمداينة. ومنها ما ثبت في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم اشترى من يهودي طعاما نسيئة، ورهنه درعا من حديد. ومنها بيع السلم؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم قدم المدينة والناس يسلفون في الثمار السنة والسنتين، فقال عليه الصلاة والسلام: "من أسلف في شيء فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم" ولم يشترط أن يكون الثمن نقدا، فدل ذلك على أنه يجوز أن يسلف مكيلا من الطعام أو موزونا من الطعام في حيوان أو ثياب على أوصاف أو غيرها مما ينضبط بالصفة إذا توفرت بقية الشروط، والله سبحانه وتعالى أعلم.

 

س5: لاحظت أنه يوجد في كلية الطب في القاهرة مكان لتشريح الإنسان، مجموعة من الأموات رجال ونساء وأطفال المشرحة لتشريح وتقطيع أجزائهم، وذلك للعلم العملي؛ فهل يجوز مثل ذلك شرعا للضرورة، وخصوصا تشريح الرجل لأجزاء المرأة، والمرأة لأجزاء الرجل، وهل يجوز تقطيع أجزاء وأعضاء الإنسان؟

ج5: إذا كان الميت معصوما في حياته سواء كان مسلما أو كافرا، وسواء كان رجلا أو امرأة، فإنه لا يجوز تشريحه؛ لما في ذلك من الإساءة إليه وانتهاك حرمته، وقد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "كسر عظم الميت ككسره حيا". أما إذا كان غير معصوم؛ كالمرتد والحربي، فلا أعلم حرجا في تشريحه للمصلحة الطبية، والله سبحانه وتعالى أعلم.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.