طباعة

 توثيق النص

 

 

 

الحقائق والمعاني من هدي السبع المثاني

للطالب: عزيزو محمد مغربي

السنة الثالثة من المعهد الثانوي بالجامعة

 

 

الحمد لله الذي افتتح كتابه بالحمد فقال: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} (الفاتحة:2-4)

 وقال: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا قَيِّماً لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَداً وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا للآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِباً} (الكهف:1-5)

 والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد: فموضوع حديثنا الموجز هذا يتناول دراسة حقيقة من حقائق سورة فاتحة الكتاب، وما أكثر الحقائق والأسرار في القرآن الكريم كتاب الهداية. وقد ثبت في الصحيح عند الترمذي وصححه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "الحمد لله رب العالمين أم القرآن وأم الكتاب، والسبع المثاني والقرآن العظيم"[1]. ويقال لها "الصلاة" لقوله صلى الله عليه وسلم عن ربه عز وجل: "قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين فإذا قال العبد الحمد لله رب العالمين، قال الله عز وجل حمدني عبدي" الحديث. فسميت الفاتحة صلاة لأنها شرط فيها؛ ويقال لها "الشفاء" لما رواه الدارمي عن أبي سعيد مرفوعا "فاتحة الكتاب شفاء من كل سم" ويقال لها "الواقية" و "الكافية" لأنها تكفي عما عداها ولا يكفي ما سواها عنها كما جاء في بعض الأحاديث المرسلة "أم القرآن عوض من غيرها وليس من غيرها عوض منها" وهي مكية، قاله ابن عباس رضي الله عنهما وقتادة وأبو العالية رضي الله عن الجميع. ويكفي في ذكر فضلها ما رواه الإمام مالك رحمه الله في الموطأ من حديث العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب الحرقي، أن أبا سعيد مولى ابن عامر ابن كريز أخبرهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نادى أبي بن كعب وهو يصلي في المسجد، فلما فرغ من صلاته لحقه، قال: "فوضع النبي صلى الله عليه وسلم يده على يدي وهو يريد أن يخرج من باب المسجد، ثم قال صلى الله عليه وسلم: إني لأرجو أن لا تخرج من باب المسجد حتى تعلم سورة ما أنزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في القرآن مثلها". الحديث.

ومن أراد المزيد من البيان والتفصيل في تفسير هذه السورة المباركة العظيمة، فليراجع كتب التفسير فهي تروي وتشفي العليل. ولنعش ساعة مع هدي قوله تعالى: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ} (الفاتحة:6،7)

. هذه الآيات تهدف وتقصد إقرار حقيقة ثابتة غالية جعلها الله نورا في قلوبنا وهداية في حياتنا إنه ولي ذلك والقادر عليه. فالآيات المباركات تذكر أن الرجال أصناف ثلاثة: الصنف الأول[2]منهم عرف الله في جلاله وعلو قدره وسعة رحمته ومحكم تدبيره وصنعه؛ فأقبل عليه وهرع إليه ولم يفتح عينيه متعرفا إلى سواه، ولم يحرك شفتيه سئلا غيره، بل طرق بابه وعلق قلبه به وحده سبحانه وتعالى، فحصر العبادة فيه وحده ولم يصرفها إلى غيره كائنا من كان، فكان بذلك أهلا للفوز بهداية الله والسعادة في الدنيا وفي الآخرة بمجاورة ومساكنة الأصفياء العباد من النبيين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.

أجل، لقد نالوا هذه الدرجة العالية بسبب تمسكهم بهدي نبيهم محمد صلى الله عليه وسلم، وبالتحاكم إلى كتاب ربهم عز وجل إذ أمروا بالرجوع إليهما عند التنازع، فلم يعيشوا على التعصب المقيت لرأي فقيه يخطئ ويصيب، لم يعيشوا غير مبالين بنص المعصوم صلوات الله وسلامه عليه، ولم يبتدعوا في دين الله علما منهم أن الدين قد تم وكمل وارتضاه الله دينا لعباده يدان الله به. فهذه الزمرة الطيبة تستحق أن يسقيها نبيهم وإمامهم في الدنيا صلى الله عليه وسلم من الحوض لا أحرمنا الله من الإرتواء منه؛ ومن مساكنة هذه النخبة من الأطهار الأبرار الذين أنعم الله عليهم تفضلا وتكرما منه، إذ هو الموفق سبحانه وتعالى للثبات على صراطه الحق. وأما الصنف الثاني: فقد يسر الله له سبيل الهداية، هداه إليها فعلا فتنكر للجميل، وكفر النعمة واستحب العمى على الهدى إيثارا للحياة الدنيا على الآخرة، وتفلتا من الانقياد لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم حتى يطلق لنفسه الأمارة بالسوء العنان لتمرح وتسرح وتلعب وتلهو، وتأتي الفواحش ما ظهر منها وما بطن؛ فهذا الصنف من البشر استحق بذلك غضب الله، وباء بالخيبة والخسران. فهذا اللون من الناس وجد في اليهود عليهم لعائن الله، فهم كانوا يعرفون محمدا صلى الله عليه وسلم كما يعرفون أبناءهم، عرفوه نبيا ورسولا معرفة عالم باحث منقب، إذ ذكرت رسالته وبعثته في صحفهم، ومع هذا وذاك فقد رفضوا وردوا هداية الله وهم علماء. ويا ليتهم اكتفوا بذلك، بل امتدت أيديهم الشريرة إلى سفك دماء أنبياء الله صفوة الله من خلقه؛ فضربت عليهم الذلة والمسكنة وباءوا بغضب من الله. اللهم إنا نعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك. واستوحينا هذا المعنى من قوله تعالى: { غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ} (الفاتحة: من الآية7).

وأخيرا يبقى الصنف الثالث وهم الضالون أعاذنا الله منهم؛ فكل من يعبد الله بما وجد عليه آباءه وأجداده وقومه وعشيرته وهم على غير هدي من الله، فهو ضال طريق الصواب، وتائه في ظلمات التقليد الأعمى، ويخبط خبط عشواء. فمهما تقرب إلى الله بأنواع الطاعات وألوا العبادات والقربات، فلا حظ له في الآخرة، وإنما نصيبه النصب والتعب. وصورة هذا القسم تتجلى واضحة في النصارى الذين عبدوا الله بأهوائهم وضلالاتهم، وابتدعوا رهبانية ما فرضها الله عليهم ولا أذن لهم فيها، فغلوا في دين الله واختاروا الطريق الشاق الوعر؛ فتراهم يبنون الكنائس والمستشفيات، وينفقون في سبيل إنشاء ذلك ملايين الدولارات، ولكن حالهم كما وصفهم الله تعالى في كتابه العزيز {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً} (الكهف:103،104)

. الله أكبر ! الله أكبر ! فالآية الكريمة تفضح جماعات من الناس يجدُّون وينصبون ليلا ونهارا كحال المبشرين اليوم من النصارى، ونسوا أن المسيح عيسى عليه السلام لو كان حيا لما وسعه إلا اتباع نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. فكل من ينتسب إلى الإسلام ثم لا يرفع رأسا بما جاء به عن الله محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم فهو داخل في الوعيد الشديد لهذه الآية، لمشابهته النصارى في عبادة الله بالأهواء والخرافات والبدع والضلالات. ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم الناصح الأمين والرؤوف الرحيم بأمته يفتح جل خطبه بقولته الذهبية الخالدة: "أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار". كما علمنا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أن نقول عند خروجنا من البيت ونحن نريد الصلاة والتقرب إليه بعد البسملة: "اللهم إني أعوذ بك أن أضل أو أضل، أو أذل أو أذل، أو أجهل أو يجهل علي" انتهى الغرض منه. فالله أسأل أن يرزقنا اتباع كتابه وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، ويتوفانا على ذلك غير مبدلين ولا مغيرين ولا خزايا ولا مفتونين.

فالنجاة النجاة يا عباد الله، فالفرصة مواتية- ولا سبيل إلى ذلك للتخلص من القيود والويلات والضلالات التي نرتع فيها إلا بمراجعة دين الله عز وجل، والتحاكم في كل صغيرة وكبيرة إلى كتابه وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً} (النساء:65)

اللهم اشرح صدورنا لما فيه الخير والنفع، واهدنا لما اختلف فيه من الحق بإذنك، فإنه لا يهدي لأحسنها إلا أنت، وأرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.          

 

 

 

 

 


[1] انظر تفسير ابن كثير رحمه الله تعالى في أول سورة الفاتحة.

[2] وقد يقل أو يكثر بحسب إعراض الناس عن شرع الله وإقبالهم عليه.