طباعة

 توثيق النص

 

 

 

ما هي علاقة الأمة المسلمة بالأمم الأخرى؟

بقلم فضيلة الشيخ أحمد محمود الأحمد

المدرس في كلية الدعوة وشعبة اللغة بالجامعة

 

 

لعل من الواجب أن نكشف عن (هُوّية)[1] هذه الأمة المسلمة قبل أن نأخذ بالإجابة عن هذا السؤال، بل لعل الكشف عن هويتها يتضمن الجواب في جوهره وحقيقته، إذ لا يخفى ما بين هوية الكائن الاجتماعي أو السياسي، كالأمة والدولة وبين علاقته بالأمم والدول الأخرى من صلات وشيجة.

وخير وسيلة للكشف عن ( هوية) أمتنا المسلمة الكريمة - هي - النظر إليها من خلال العاملين الأساسين اللذين صاغاها على نحو ما نعلم، وهما الكتاب والسنة، وهذان العاملان غنيان - ولله الحمد والمنة - بما يسهل علينا هدفنا هذا.

يقول الله سبحانه : {وَالْعَصْرِ، إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ، إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ}[2] .

ويقول: {وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ }[3] .

ويقول : {أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ، الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ} [4] .

ويقول: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَر...}[5] .

ويقول:{قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ }[6] .

ويقول: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ}[7] .

ويقول: {قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ}[8] .

ويقول : {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ}[9] .

ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم لعلي بن أبي طالب في غزوة خيبر، وقد عهد إليه بمهمة عسكرية:  " فوالله لأن يُهدَى بك رجل واحد خير لك من حمر النعم" أخرجه البخاري.

ويقول صلى الله عليه وسلم مبيناً أن إمكاناتنا جميعاً يجب أن تجعل في سبيل الله ، وأننا مسؤولون عن ذل بين يديه سبحانه: "لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه، وعن جسده فيم أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وعن علمه ما عمل فيه".

وكان عليه الصلاة والسلام يبعث أصحابه - على حبه إياهم وحرصه عليهم - ليدعوا إلى الله ، ويبلغوا عنه، يسهموا في إخراج الناس من الظلمات إلى النور، ولو كان  طريق الدعوة محفوفاً بالشدائد، وما خبر أصحاب الرجيع (في السنة الثالثة من الهجرة)، ولا أصحاب بئر منونة ( في السنة الرابعة) عنا ببعيد، فلقد استشهد على طريق الدعوة في هاتين المناسبتين وحدهما زهاء ثمانين رجلاً من خيار المسلمين، فرضي الله عنهم وأرضا لهم، ورزقنا اقتفاء آثارهم.

والآيات والأحاديث، ووقائع السيرة النبوية، والتاريخ الراشدي، في ذلك كثيرة

وفي ضوء ما تقدم يمكننا في يسر وسهولة أن نحدد (هويّة) أمتنا المسلمة الكريمة على النحو التالي:

"إن هذه الأمة هي ناس من خيار الناس، أكرمهم الله سبحانه بالاجتماع على الإيمان والعمل بما جاء من عنده، وجعل ولاءهم المطلق له ولرسوله صلى الله عليه وسلم، وشرفهم بتكليفهم دعوة العالم كله إلى ما هداهم  إليه من الحق وأوجب عليهم جعل حياتهم خالصة له، لا يضنون بشيء منها نفساً أو نفيساً في سبيل تبليغ الدعوة، تصحيحاً لحياة الناس، وإخراجاً لهم من عبادة العباد إلى عبادة  الله، وإسعاداً لهم في معاشهم  ومعادهم، وهذه الأمة بطبيعة هويتها تسمو في تفكيرها وسلوكها فوق جميع الاعتبارات التي لا تنطوي على قيم حقيقية، كالاعتزاز باللون أو الجنس أو النسب أو الأرض، أو ما شاكل ذلك، وهي إنما تبتغي بدعوة الناس كل الناس إلى الحق وجه الله والدار الآخرة، دونما تطلع إلى استعلاء، أو استعمار ، وإنما هي الرغبة المخلصة، والجهاد الجاهد لإشراك الجميع فيما أولاها الباري سبحانه من نعم معنوية أو مادية.

ولعلي أستطيع أن ألخص الكلام في (هوية) أمتنا المسلمة بقولي : "إنها أمة عقيدة ودعوة"، فإذا عرفنا ذلك وتذكرها أثر (هوية) الأمم والدول في سلوكها، وفي علاقتها بسواها من الأمم أدركنا غير ما عناء أن علاقة أمتنا المختارة بالأمم الأخرى على اختلاف ألوانها، ولغاتها، وأديانها ليست في- حقيقتها - علاقة سلم ولا حرب، ولا دفاع ولا هجوم، وإنما هي (علاقة دعوة)، وصدق العلي القدير إذ يقول - كما سلف الاستشهاد - : {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ}.

فالأمة المسلمة – إذن - أمة دعوة عالمية تتخطى في إيمان، وسمو، وعفوية، كل الحدود والحواجز التي تنتهي إليها، أو تتهاوى عندها المبادئ الأخرى ،سواء كانت هذه الحدود جغرافية أو سياسية أو عرقية أو لغوية أو نحوها، وهي بذلك تفتح أبواب رحمة السماء لأهل الأرض أجمعين.

والآن أود أن أطرح على نفسي هذا السؤال: ما حقيقة هذه العلاقة التي أسميتها (علاقة دعوة)؟ إن هذه العلاقة في حقيقتها هي منهج متكامل لمواجهة أيما عقبة يحتمل ظهورها في طريق تبليغ دعوة الحق للأحمر والأسود، وهذه المواجهة مبنية في حكمة بالغة، ودقة دقيقة على سنن الله في الأشياء، ومقتضيات الظروف في كل مرحلة من مراحل تاريخ الدعوة الذي لن ينتهي - بإذن الله - إلا بقيام الساعة.

فهذه العلاقة - بناء على ذلك - تتخذ أشكالاً شتى تبعاً لمصلحة الدعوة أي تبعاً للمصلحة الحقيقية لأهل الأرض جميعاً، لأن مصلحتهم الحقة هي التي تترتب عليها سعادتهم الشاملة في هذه العاجلة، سعادتهم الأبدية في الآجلة، وكل مصلحة سواها، ليست سوى (ملهاة).

ولأستعرض الآن نماذج للأشكال التي عرفتها هذه العلاقة في ضوء الواقع التاريخي، وفي ضوء الظروف العلمية التي مرت بها0

 

أولاً: المرحلة المكية:

كل الظروف التي واجهت علاقة المسلمين بالمشركين في هذه المرحلة كانتا تقضي أن تكون علاقة غير قتالية، أي علاقة بيان للحق، وصبر على الأذى فيه، واحتساب لكل ما عرفت رباع مكة ورمضاؤها، والطائف وفجاجها، من أذى لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وعذاب لبلال وآل ياسر، وزنّيرة، وخباب، وغيرهم رضي الله عنهم أجمعين، وليس معنى ذلك أن علاقة المسلمين بغيرهم هي - أبداً - علاقة بيان وسلام فحسب، بل إن مصلحة الدعوة في مواجهة ظروفها في هذه المرحلة ، هي التي اقتضت أن تكون كذلك، بحيث تتناول الناس بالأساليب السلمية، وبيان الحقائق بياناً مؤثراً، ما كان - أجدره بأن يستجيب له القوم، لولا إتباع الهوى، ولولا سلطان المصالح الحائلة الزائلة، من زعامة، ووجاهة، ومكاسب مادية، وما إلى ذلك.

وكلنا يعلم ما كان من أمر عتبة بن ربيعة العبشمي عندما جاء النبي صلى الله عليه وسلم ممثلاً لكفار قريش، عله يصرفه عن دعوته بإغراء المال، أو الجاه، أو الملك، فما كان منه عليه الصلاة والسلام، إلا أن تلا عليه قوله تعالى: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، حم، تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ بَشِيراً وَنَذِيراً فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ، قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ، الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ، إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ، قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَاداً ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ، وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ، ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ، فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظاً ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ، فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ، إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ قَالُوا لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لأَنْزَلَ مَلائِكَةً فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ}[10] .

وما إن بلغ النبي صلى الله عليه وسلم هذه الآية حتى أخذ عتبة بفيه، وناشده الرحم أن يكفّ، ثم عاد الرجل إلى من وراءه بغير الوجه الذي جاء به، ونصح إليهم أن يخلوا بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين ما هو فيه من الدعوة، ولكن هيهات، لقد رموه بأنه قد سُحر

وهكذا نرى أن علاقة المسلمين بغيرهم قد اتخذت في هذه المرحلة المكية شكلاً اقتضته طبيعة المرحلة التاريخية، وهو البيان، والصبر، والصمود، والاحتساب.

 

ثانياً : مرحلة ما بعد الهجرة:

لقد تغيرت ظروف الدعوة بعد الهجرة، وكان تغيرها من جهات عدة، لقد شعر المسلمون في دارهم الجديدة بأمن لم يعرفوه في المرحلة السابقة، وبعد الهجرة أذن لهم بالقتال، ثم فرض عليهم قتال من يقاتلهم، ثم فرض عليهم قتال المشركين كافة فصدعوا بالأمر، وقاتلوا لأن القتال كان مما اقتضته ظروف الدعوة الجديدة، وليس معنى ذلك أن علاقة المسلمين بغيرهم صارت قتالاً صرفاً، بل بقيت كما كانت علاقة دعوة، بمعنى أنها تهدف إلى نشر الدعوة التي كلفوا نشرها بالوسائل الأكثر مناسبة للظروف المواجهة، ومع الإذن بالحرب، بل مع فرضها بقي المجال واسعاً للطرق الودية إذا كانت - هي - الأجدى على الدعوة.

لقد عقد النبي صلى الله عليه وسلم بين أهل يثرب من المسلمين واليهود والمشركين معاهدة رائدة، يمكن أن توصف بأنها دستور لدولة المدينة التي ولدت بعد الهجرة، والتي أصبح الرسول صلى الله عليه وسلم بحكم الواقع رجلها الأول، ثم جاءت هذه المعاهدة فأكدت ذلك، وقد اعتبر العام الباحث محمد حميد الله معاهدتنا هذه أول دستور مكتوب في العالم، وإليكم نصها:

 

بسم الله الرحمن الرحيم

هذا كتاب من محمد النبي صلى الله عليه وسلم: بين المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب، ومن تبعهم، فلحق بهم، وجاهد معهم.

إنهم أمة واحدة من دون الناس.

المهاجرون من قريش على رِبعتهم[11] ، يتعاقلون بينهم، وهم يفدون عانيهم[12] بالمعروف والقسط بين المؤمنين. وبنو عوف على ربعتعم، يتعاقلون معاقلهم الأولى[13]، كل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين.

وبنو ساعدة على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة منهم تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين. وبنو الحارث على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين.

وبنو جُشَم على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة منهم تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين.

وبنو النجار على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة منهم تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين.

وبنو عمرو بن عوف على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين.

وبنو النبيت على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة نفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين.

وبنو الأوس على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة منهم تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين.

وأن المؤمنين لا يتركون مفرَحاً([14]) بينهم أن يعطوه بالمعروف في فداء أو عقل.

وألا يحالف مؤمن مولى مؤمن دونه.

وإن المؤمنين المتقين على من بغى منهم، أو ابتغى دَسِيعة[15] ظلم، أو إثم، أو عدوان، أو فسادٍ بين المؤمنين.

وإن أيديهم عليه جميعاً، ولو كان والد أحدهم.

ولا يقتل مؤمن مؤمناً في كافر، ولا ينصر كافراً على مؤمن.

وإن ذمة الله واحدة، يجير عليهم أدناهم، وإن المؤمنين بعضهم موالي بعض دون الناس.

وإنه من تبعنا من يهود، فإن له النصر والأسوة، غير مظلومين، ولا متناصر عليهم .

وإن سلم المؤمنين واحدة، لا يسالم مؤمن دون مؤمن في قتال في سبيل الله، إلا على سواء وعدل بينهم.

وإن كل غازية غزت معنا يعقب بعضها بعضاً.

وإن المؤمنين يُبيء[16] بعضهم على بعض، بما نال دماءهم في سبيل الله.

وإن المؤمنين المتقين على أحسن هَدْيٍ وأقومه. وإنه

لا يجير مشرك مالاً لقريش ولا نفساً، ولا يحول دونه على مؤمن.

وإنه من اعتبط[17] مؤمناً قتلاً عن بينة، فإنه قود به، إلا أن يرضى ولي المقتول، وإن المؤمنين عليه كافة، ولا يحل لهم إلا قيام عليه.

وإنه لا يحل لمؤمن أقر بما في هذه الصحيفة، وآمن بالله واليوم الآخر أن ينصر محدثاً ولا يؤويه وأنه من نصره أو آوه، فإن عليه لعنة الله  و غضبه يوم القيمة ولا يؤخذ منه صَرْف ولا عَدْل0

وإنكم مهما اختلفتم فيه من شيء فإن مرده إلى الله عز وجل ، وإلى محمد صلى الله عليه وسلم.

وإن يهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين.  

وإن يهود بني عوفٍ أمة مع المؤمنين.

لليهود دينهم، وللمسلمين دينهم، مواليهم وأنفسهم، إلا من ظلم وإثم، فإنه لا يوتغ[18] إلا نفسه وأهل بيته.

وإن جفنة بطن من ثعلبة كأنفسهم.

وإن لبني الشُطيبة مثل ما ليهود بني عوف، وإن البر دون الإثم [19] .

وإن موالي ثعلبة كأنفسهم، وإن بطانة[20] يهود كأنفسهم ، وإنه لا يخرج منهم أحد إلا بإذن محمد صلى الله عليه وسلم.

وإنه لا ينحجز على ثأر جُرح.

وإنه من فَتَك فبنفسه فتك ، وأهل بيته، إلا من ظلم.

وإن الله على أبر هذا[21] .

وإن على اليهود نفقتهم، وعلى المسلمين نفقتهم.

وإن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة، وإن بينهم النصح والنصيحة، والبر دون الإثم.

وإنه لم يأثم امرؤ بحليفه ، وإن النصر للمظلوم.

وإن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين.

وإن يثرب حرام جوفُها لأهل هذه الصحيفة.

وإن الجار كالنفس غير مضار ولا آثم.

وإنه لا تجار حرمة إلا بإذن أهلها.

وإنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخاف فساده، فإن مرده إلى الله عز وجل، وإلى محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وإن الله على أتقى ما في هذه الصحيفة وأبره[22] .

وإنه لاتجار قريش ولا من نصرها.

وإن بينهم النصر على من دهم يثرب.

وإن دعوا إلى صلح يصالحونه ويلبسونه، فإنهم يصالحونه ويلبسونه، وإنهم إذا دُعوا إلى مثل ذلك ، فإن لهم على المؤمنين، إلا من حارب في الدين ، على كل أناس حصتهم من جانبهم الذي قبلهم.

وإن يهود الأوس، مواليهم وأنفسهم، على مثل ما لأهل هذه الصحيفة، مع البر المحض من  أهل هذه الصحيفة.

وإنه البر دون الإثم، لا يكسب كاسب إلا على نفسه.

وإن الله على أصدق ما في هذه الصحيفة وأبره.

وإنه لا يحول هذا الكتاب دون ظالم وآثم، وإنه من خرج آمن، ومن قعد آمن بالمدينة، إلا من ظلم أو أثِم.

وإن الله جار لمن بَرّ واتقى ، ومحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم"[23] .

إن هذه المعاهدة إذ عقدت كانت مصلحة الدعوة في الظروف المواجهة تقتضي عقدها، وليس معنى ذلك أن العلاقة بين المسلمين وغيرهم أضحت علاقة معاهدات، وعلاقة حبر على ورق، بل الواقع أن هذه العلاقة بقيت كما كانت (علاقة دعوة)، وقد عقدت هذه المعاهدة، لأن مصلحة الدعوة - كما قلنا - كانت تقتضيها.

ولما أن تبدلت الظروف بخيانة اليهود ، ونقضهم المعاهدة، وأصبحت مصلحة الدعوة - وهي المصلحة الحقيقية للبشر قاطبة - تتطلب الحرب حاربهم النبي صلى الله عليه وسلم، فأجلى بني قينقاع في السنة الثانية للهجرة ، وأجلى بني النضير في السنة الرابعة، وكان ما كان من أمر بني قريظة بعد غزوة الأحزاب في السنة الخامسة.

فهذه الحروب، ومثلها سائر حروب المسلمين في زمن النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين، لم يكن لها من هدف سوى إزالة العقبات من طريق الدعوة كي يتاح تبليغها الناس في جو خال ، من الضغط أو الفتنة، وفي غيبه الطواغيت الذين كانت مصالحهم الذاتية تستلزم الحؤول بين الدعوة الهادية وبين الشعوب التي كانت ترزح تحت كابوس مظالمهم واستغلالهم، فكان لا بد من أجل مصلحة الدعوة، بل مصلحة الشعوب أن يزاح  هؤلاء ولو بشبا السيوف حين لا يكون بد من ذلك، لأن المسلمين ما كانوا ليستطيعوا بحسب تعاليم دينهم التضحية بمصلحة العباد من أجل حفنة من الطواغيت الذين كانوا يستغلون اليهودية، والنصرانية ، والوثنية، والمجوسية إبقاء على مصالحهم الخاصة.

وليس من المعقول أن توصف هذه الحروب بدفاع أو هجوم ، لأن مثل الوصف غير واردٍ أصلاً، فهي - كما رأينا، وكما هو الواقع - حروب لإزالة العقبات، أياً كانت ، من طريق المصلحة البشرية الحقيقية، أو من طريق الدعوة الربانية.

وقد استمرت علاقة الأمة المسلمة بالأمم الأخرى خلال العهدين النبوي والراشدي منهجاً متكاملاً يواجه أيما عقبة تبدو في طريق الدعوة، مواجهة مكافئة لمقتضيات الظروف، وطبائع الأمور، ولذلك فإننا نرى أن الحروب والأساليب السلمية من وساطة، ومعاهدات، وتحكيم ، وما إلى ذلك تتناوب وتتعاون حسب مصلحة الدعوة وحدها، دونما نظر إلى أي اعتبار آخر، ولا سيما اعتبار الدفاع الذي فتن به بعض المعاصرين كما سنرى.

ففي رمضان من السنة الأولى للهجرة، على رأس سبعة أشهر من مهاجرته[24] صلى الله عليه وسلم رأى من مصلحة الدعوة أن يعترض عيراً لقريش كانت آيبة من الشام، وعلى رأسها أبو جهل في ثلاثمائة من المشركين، فعقد لعمه حمزة وأرسله في ثلاثين رجلاً من المهجرين لهذه الغاية، فسار ركب المجاهدين الدعاة حتى بلغوا ساحل البحر من ناحية العيص، فصادفوا العير هناك، ولما تصافوا للقتال تدخل مجديُّ بن عمرو الجهني، وبذل وساطته للكف عن القتال، فرضي الطرفان وساطته، وانصرف أحدهما عن الآخر، وقد أقر النبي صلى الله عليه وسلم قبول وساطة مَجْدي، بل شكرها له فيما ذهب إليه الشيخ محمد الخضري[25]0

فلو رحنا نتلمس الدوافع التي كانت وراء هذا التحرك العسكري لما رأيناه دفع هجوم قامت به قريش، بل لرأينا أنه كان هنالك دافعان اثنان وراءه، الأول اعتراض العير لإضعاف قريش عدوة الإسلام الأولى مالياً، وبما أنها قبيلة تقوم حياتها على التجارة، فاعتراض عيرها وعرقلة نشاطها التجاري مما يضعفها، وفي ضعفها مصلحة للدعوة، لأنها - كما قلنا آنفاً - عدوة الإسلام الأولى بل زعيمة العرب في هذا العداء، والدافع الثاني إشعار المتربصين من مشركي يثرب ويهودها، ومن حولها من القبائل أن المسلمين أضحوا قوة، وأن الوضع الذي كانوا عليه من قبل قد مضى إلى غير معاد، فما عليهم إلا أن يحسبوا لهذه القوة حسابها في تصرفاتهم إزاء أصحابها، وإن في قبول المسلمين وساطة مَجْدي، وإقرار النبي صلى الله عليه وسلم له لما يدل على أن منهج المواجهة للظروف والاحتمالات في علاقة المسلمين بغيرهم كامل العناصر والأدوات، فهناك الحرب حين تدعو مصلحة الدعوة إليها، وهناك الأخذ بالوسائل السلمية من وساطة وتحكيم وغيرهما حين يكون من مصلحة الدعوة الأخذ بها، وإذن فلا داعي بل لا مساغ لفكرة الدفاع والهجوم، إنما هي مصلحة الدعوة أو مصلحة البشرية الحقيقية، وتتكرر العوامل والمقتضيات على هذا المنوال نفسه طول المرحلة التاريخية التي تنتهي تقريباً في صفائها، ونقائها، ومثاليتها بانتهاء عهد الخلفاء الراشدين..

ولنضرب مثالاً آخر من حياة المسلمين المبكرة في المدينة المنورة، ولنرَ كيف تكمن وراءه الدوافع نفسها، وهي مصلحة الدعوة ففي صفر على رأس اثني عشر شهراً من مقدمه صلى الله عليه وسلم المدينة[26] خرج يريد عيراً لقريش، ويريد بني ضمْرة أيضاً، وسار حتى بلغ وَدّان[27] غير أن العير فاتته، فاكتفى عند ذلك بموادعة بني ضمرة، ثم عاد إلى المدينة ولم يلق كيداً، وقد كان موضوع هذه الموادعة أن بني ضمْرة آمنون على أنفسهم، وأن لهم النصرَ على من رامهم، وأن عليهم نُصرةَ المسلمين إذا دُعوا[28] .

فالدوافع التي كانت وراء هذه الغزوة هي نفسها التي كانت وراء صلات المسلمين بغيرهم ألا وهي مصلحة الدعوة، والنتائج التي انتهت إليها هي مصلحة الدعوة أيضاً، ألم تر أنها كسبت تأييد قبيلة لها قيمتها في المنطقة، ولا شك أن لهذا الكسب وزنه في سير الأمور في هاتيك الظروف.

ثم تتوالى الأحداث والعلاقات الكثيرةُُ بين المسلمين والمشركين، وكلها تلتقي على مبدأ واحد، وهو معالجتها من قبل المسلمين على أساس خدمة الدعوة، والتمكين لها، وتهيئة الأسباب الموضوعية لتسهيل وصولها إلى الناس كي يعتنقوها، ويحققوا باعتناقها مصلحتهم الحقيقية في الدنيا والآخرة.

ونسير مع الأحداث حتى نبلغ السنة السادسة للهجرة، فإذا بنا أمام غزوة الحديبية، وهنا نود أن نقف قليلاً مع هذه الغزوة لما فيها من دلالة على ما نحن بصدده.

"رأى النبي صلى الله عليه وسلم في منامه أنه دخل هو وأصحابه المسجد الحرام آمنين محلقين رؤوسهم ومقصرين، فأخبرهم أنه يريد العمرة[29] ، وخرج في ذي القعدة بمن معه من المهاجرين والأنصار ومن تبعهم من الأعراب، وساق الهدي ، وأحرم بالعمرة ليأمن الناس حربه، وليعلموا أنه إنما خرج زائراً للبيت معظماً له،[30] حتى إذا كانوا بثنية المُرار بركت ناقته القصواء، فقال الناس:" خلأت الناقة"، فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم:" ما خلأت؟ وما هو لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل عن مكة، لا تدعوني قريش اليوم إلى خطة يسألونني فيها صلة الرحم إلا أعطيتهم إياها"، ثم أمر الناس أن ينزلوا"[31] .

على أن قريشاً لم تطب نفساً بهذه العمرة، ولم ترض عن دخول المسلمين عليها مكة، ولو كانوا إنما يريدون زيارة البيت وتعظيم حرمته، فأعدت ما استطاعت من قوة، وخرجت بالعوذ المطافيل تريد صد النبي صلى الله عليه وسلم عما أراد .

وأنّى لها صده؟! وقد التف حوله أولئكم الآساد الظماء ، الذين يستعذبون الموت في طاعته، وفي نصرة عقيدتهم، وإعلاء راي دعوتهم فعمدت مكرهة إلى المفاوضات، علها تأخذ لنفسها منه ما ترضى به وطالت هذه المفاوضات، واختلفت الرسل بينه صلى الله عليه وسلم وبينها، وبلغ عدد رسلها إليه خمسة: بُديل بن ورقاء الخزاعي ، ومِكرَز بن حفص بن الأخيف، والحليس بن علقمة، وعروة بن مسعود الثقفي، وسهيل بن عمر أخو بني عامر بن لؤي[32] ،وكان النبي صلى الله عليه وسلم يتلقاهم بصدر رحب، ويبين لهم في قاله وحاله أنه ما جاء يريد حرباً ، وأنه إنما جاء معظماً لحرمة البيت وكان هؤلاء السفراء يعودون إلى قريش وهم أميل إلى مواتاة المسلمين والسماح لهم بأداء نسكهم الذي جاؤوا من أجله، غير أن قريشاً كانت تأبى في ذلك عناد ومكابرة، وعدم تقدير لواقع الظروف التي تطيف بها.

وأخيراً اضطرت إلى تفويض رسولها الخامس سهيل بن عمرو بمصالحة المسلمين على شروط اشترطتها ، وخلاصتها ما يلي :

1 - وضع الحرب بين المسلمين وقريش عشر سنين، وعند بعضهم أربع سنين.

2 -من جاء المسلمين بغير إذن وليه رُدّ عليهم، ومن جاء قريشاً ممن مع النبي صلى الله عليه وسلم لم يُرَد.

3- أن يرجع عنهم النبي صلى الله عليه وسلم عامهم هذا،  فلا يدخل عليهم مكة، وإنه إذا كان عام قابل، خرجوا منها، فدخلها بأصحابه، فأقام بها ثلاثاً ليس معهم إلا سلاح الراكب، السيوف في القرب.

4- من أراد الدخول في عهد النبي صلى الله عليه وسلم من قبائل العرب دخل، ومن أراد الدخول في عهد قريش دخل.

ولا شك أن هذه الشروط تنطوي - في ظاهرها - على إجحاف كبير بحق المسلمين، وتسامح عظيم مع قريش لا يكاد يحتمل، غير أن النبي صلى الله عليه وسلم قد قبلها، واحتمل كل ما فيها نظراً لما كان يرى بتعليم الله إياه من عواقبها المفيدة للدعوة، والمبشرة بانتشارها وانتصارها في الجزيرة العربية وفيما وراءها

وقد انضاف إلى ما في ظاهر هذه الشروط من إجحاف مرارة موقف الأصحاب - رضي الله عنهم - إزاءها، وما داخلهم بشأنها من غم أوفوا معه على الهلاك، وقد زاد الموقف حرجاً تعنت مفاوض قريش بشأن ذكر البسملة، ووصف النبي صلى الله عليه وسلم بأنه رسول الله في صلب المعاهدة، ثم مجيء أبي جندل بن المفاوض سهيل بن عمرو فاراً بدينه من قريش ، وموافقته صلى الله عليه وسلم على رده إليها عملاً بشروط المعاهدة وهكذا انعقدت كل هذه السحب الكثيفة الكئيبة في جو هذا الصلح - ومع ذلك احتملها الرسول صلى الله عليه وسلم في صبر ورفق واطمئنان ، لأنه- كما قلنا آنفاً - كان يلمح وراء ما الأكمة من تحقيق مصلحة الدعوة ، وما كان ينتظرها من ظفر عظيم من جراء هذه الشروط التي فرحت بها قريش ، وساء الأصحاب قبولها ، ولم يستطيعوا أن يدركوا ما أدركه الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم من فوائدها، ولا غرو فهو عبد الله ورسوله لا يخالف أمر ربه ولا يضيعه ربه.

وقد حققت الأيام صحة تقدير النبي صلى الله عليه وسلم الأمور، وصواب ما كان يلمحه من مصلحة الدعوة، وما كان لها ألا تفعل، حتى استحق صلح الحديبية هذا أن يسمى فتحاً، يقول الزهري - رحمه الله - : "فما فتح في الإسلام فتح قبله كان أعظم منه ، إنما كان القتال حيث التقى الناس ، فلما كانت الهدنة، ووضعت الحرب، وأمن الناس بعضهم بعضاً، والتقوا فتفاوضوا في الحديث والمنازعة، فلم يُكلّم أحدٌ بالإسلام يعقل شيئاً إلا دخل فيه، ولقد دخل في تينك السنتين مثل من كان في الإسلام قبل ذلك أو أكثر"[33] .

والدليل على صحة قول الزهري - كما يقول ابن هشام - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، خرج إلى الحديبية في ألف وأربعمائة ، في قول جابر بن عبد الله - ثم خرج عام فتح مكة بعد ذلك بسنتين في عشرة آلاف[34] .

وأصدق من ذلك كله قول الله تعالى : {لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحاً قَرِيباً}[35]، وهذا الفتح هو صلح الحديبية[36] .

ونحن نحس- بلا شك- أن جميع المتاعب التي عاناها الرسول صلى الله عليه وسلم، في جميع مراحل هذا الصلح، إنما كانت من أجل تكييف علاقته بقريش على نحو يحقق مصلحة الدعوة ، ويمهد أمامها سبل الوصول إلى ما يريد لها من انتشار ، وانتصار ، وإلى ما يريد للناس من اهتداء وانتفاع وبذلك لم تخرج علاقة المسلمين بقريش- كما تبدت من خلال ملابسات الحديبية الدقيقة - عن الخط العام، وهو كون علاقة المسلمين بغيرهم هي علاقة دعوة، يهدف - هذه العلاقة - إلى نشر الدعوة، وتعمل على تحقيق أهدافها التي من أجلها بعث النبي صلى الله عليه وسلم بشيراً ونذيراً.

وثمة ظاهرة أخرى في سيرة النبي عليه الصلاة والسلام تدل على صحة ما نذهب إليه في تفسير علاقة الأمة المسلمة بغيرها من الأمم، وهذه الظاهرة هي إرساله صلى الله عليه وسلم الكتب إلى الملوك والأمراء يدعوهم إلى الإسلام بعد رجوعه من الحديبية – لأنه - إذ ذاك - قد أمن السبل على أصحابه أكثر من ذي قبل، وتخفف مؤقتاً وإلى حد ما من التفكير في شأن قريش، فبعث - فيما روى ابن سعد في الطبقات الكبرى[37] ستة نفر في يوم واحد، يحملون كتبه صلى الله عليه وسلم إلى الملوك والأمراء، وذلك في المحرم سنة سبع، ومن هؤلاء دَحية بن خليفة الكلبي، الذي توجه بكتاب الرسول صلى الله عليه وسلم إلى قيصر ملك الروم، وجاء في هذا الكتاب كما أخرجه البخاري رحمه الله بسنده:

" من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم، وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فعليك إثم الأريسيين، ويا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا الله ، ولا نشرك به شيئاَ، ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله ، فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنّا مسلمون".

وظاهر أن محور هذا الكتاب هو الدعوة إلى الإسلام، مدعمة بما يترتب على الاستجابة إليها من سلامة وأجر، وإنّ الكتب الأخرى التي حملها سائر من بَعَثَ رسول الله صلى  الله عليه وسلم إلى الملوك لا تخرج - في الجملة - عن معنى هذا الكتاب، فهي تنضح بروح الدعوة التي هي - كما نعلم - جوهر العلاقة بين أمتنا المسلمة والأمم الأخرى.

وهناك شيء آخر يشارك إرسال الرسول بالكتب إلى الملوك في الدلالة على ما نحن بصدده، ألا وهو استقبال الوفود التي وفدت على رسول الله صلى الله عله وسلم، ولا سيما في السنة التاسعة والعاشرة، حتى دعيت السنة التاسعة - فيما ذهب إليه ابن هشام[38] - سنة الوفود.

والسبب الأول في إقبال هذه الوفود على المدينة هو فتح مكة سنة ثمانٍ، إذ بفتحها سقطت زعامة الشرك، وهوت رايته من أقوى يد كانت تحملها ، وسبب آخر له أثره في تحريك هذه الوفود إلى طيبة عاصمة الدعوة المنتصرة، ألا وهو غزاة تبوك سنة تسعٍ، وما واكبها من انسحاب الروم إلى معاقلهم داخل بلاد الشام، فأيقن العرب بعد هاتين الحادثتين أن الأمر جد أي جد، وانه لا مناص من الاستجابة للحق، فالمكابرة مهما طالت غير مجدية

وعامل آخر كان له أثره في تعميق شعور القبائل بوجوب هذه الاستجابة ، وهو إسلام ثقيف، لأنها كانت آخر قبيلة عزيزة الجانب لم تدن بالإسلام،على أن استجابتها هي نفسها كانت من نتائج إسلام العرب من حولها، وإحساسها بأنها لا طاقة لها بحربهم جميعاً.

وأيا ما كان الأمر ،فقد تحركت وفود القبائل قاصدة المدينة، وقد بلغت من  الكثرة مبلغاً كبيراً، حتى أن عددها قد جاوز عند ابن سعد سبعين وفداً، وما إخاله قد أحصاها جميعاً.

وقد بدا الرسول صلى اله عليه وسلم من خلال محادثاته مع هذه الوفود ذلكم الداعية الحكيم الذي يحرص كل الحرص على هداية الناس، وتبليغ رسالته التي أرسله الله بها، وتحقيق مصلحة دعوته التي تشكل جوهر العلاقات بين أمته وسواها من الأمم والشعوب.

وإن موقفه هذا لا يعروه تغير سواء مع وفود القبائل العربية، أو مع وفود الدول الكبرى كدولة الروم، فها إنه يبدأ رسول هرقل إليه الذي وافاه بتبوك أول ما يبدؤه بقوله:" هل لك إلى الإسلام الحنيفية ملة أبيكم إبراهيم؟"[39] .

والخلاصة أن الأمة المسلمة هي في هويتها الأصيلة أمة ( عقيدة ودعوة ) وإن دعوتها إلى هذه العقيدة التي كرمها الله بها هي ملاك صلتها بالأمم والشعوب الأخرى، وأن هذه الصلة القائمة على العقيدة لتتخذ شكل منهجٍ متكامل العناصر ليواجه مختلف الاحتمالات بما يناسبها، وإن الحرب عنصر أساسي من عناصر هذا المنهج، وإن استخدامها ليدور مع مصلحة الدعوة وجوداً وعدماً ، فلا يعقل وصفها بأنها دفاعية أو هجومية، وإنما الوصف الملائم لها أنها عنصر من عناصر المنهج الذي تواجه به الدعوة مختلف الاحتمالات والظروف، وما هدف هذه الحرب إلا إزالة العقبات والحوائل من طريق الدعوة التي تتمثل فيها المصلحة الحقيقية للبشرية قاطبة - كما قلنا غير مرة - وسأعود إلى هذه النقطة فيما يأتي من الكلام.

 

عهد الخلفاء الراشدين:

وقد استمرت صلة الأمة المسلمة بالأمم الأخرى على هذا النحو الذي ذكرنا طول عهد الخلفاء الراشدين، وحسبنا أن نسوق للدلالة على ذلك مثالاً واحداً حدث في الجبهة الشرقية سنة أبرع عشرة للهجرة، قبيل نشوب معركة القادسية، وما أكثر الأمثلة التي تلتقي معه في الروح والدلالة.

يروي الطبري[40] - رحمه الله - ما خلاصته: بعث سعد بن أبي وقاص عن أمر عمر - رضي الله عنهما- وفداً من خيار رجاله إلى ملك الفرس يزدجرد يدعونه إلى الإسلام، وكان فيهم النعمان بن مقرن، وبسر بن أبي رهم، والمغيرة بن شعبة، والمغيرة بن زرارة، والمعنى بن حارثة، فلما بلغوا المدائن وأدخلوا على الملك سألهم بواسطة ترجمانه، ما جاء بكم؟ وما دعاكم إلى غزونا والولوع ببلادنا؟ أمن أجل أنا تشاغلنا عنكم اجترأتن علينا ؟ فأجابه النعمان ابن مقرن: " إن الله رحمنا فأرسل إلينا رسولاً يدلنا على الخير، ويأمرنا به ويعرفنا الشر وينهانا عنه، ووعدنا على إجابته خير الدنيا والآخرة، فلم يَدْعُ إلى ذلك قبيلة إلا صاروا فرقتين ، فرقة تقربه ، وفرقة تباعده، ولا يدخل معه في دينه إلا الخواص[41]، فمكث بذلك ما شاء الله أن يمكث، ثم أُمِرَ أن ينبذ إلى من خالفه من العرب، وبدأ بهم وفعل ، فدخلوا معه جميعاً على وجهين: مكره عليه فاغتبط، وطائع أتاه فازداد، فعرفنا جميعاً فضل ما جاء به على الذي كنا عليه من العداوة والضيق، ثم أمرنا أن نبدأ بمن يلينا من الأمم فندعوهم إلى الإنصاف ، فنحن ندعوكم إلى ديننا، وهو دين حسّن الحسن، وقبّح القبيح كله، فإن أبيتن فأمر من الشرين هو أهون من أخر شر منه الجزاء، فإن أبيتم فالمناجزة، فإن أجبتم إلى ديننا خلفنا فيكم كتاب الله، وأقمناكم عليه، على أن تحكموا بأحكامه، ونرجع عنكم، وشأنكم وبلادكم، وإن اتقيتمونا بالجزاء، قبلنا منكم، وإلا قاتلناكم". والخبر جد عظيم، ولكن الرغبة في الاختصار تحول دون نقله بتمامه.

 

الحرب وبدعة الدفاع:

لقد عرفنا مما سلف أن الحرب في الإسلام- هي - عنصر من عناصر المنهج الذي تواجه به الدعوة الإسلامية مختلف الاحتمالات والظروف في صلاتها بالأمم الأخرى، وجدير بنا أن نلاحظ أن التحرك لبدء الآخرين بالدعوة إلى الإسلام هو خصيصة ذاتية من خصائص هذا الدين.

يدل على ذلك قول النعمان بن مقرن الآنف ذكره، وهو " ثم أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن نبدأ بمن يلينا من الأمم، فندعوهم إلى الإنصاف " فهل يسوغ مع ذلك أن نقول: إن الحرب في الإسلام - هي - حرب دفاعية؟ كلا، إنها حرب لإزالة العقبات من طريق الدعوة، وللإسلام في تهيئة المناخ المناسب لدخول الناس في دين الله تحقيقاً لسعادتهم الحقيقية في العاجلة والآجلة.

ثم هل من المعقول أن تواجه دعوة عالمية كالإسلام الأمم والشعوب بمنطق الدفاع، وعلى رأس هذه الأمم وتلك الشعوب حكام جبابرة كالأكاسرة والقياصرة، يحولون دون امتداد الدعوة بمختلف أنواع القوة؟ أليس من طبائع الأشياء أن يبدأ المسلمون هؤلاء الجبابرة بالدعوة في إطار من القوة ، كما فعل الصحابة رضي الله عنهم؟ فإن استجابوا كف المسلمون عنهم، وتركوهم وشأنهم، وإن أبو لم يكن أمام المسلمين إلا أن يزيلوا سلطانهم ليخلوا بين الأمم وبين دعوة الإسلام، تتفهمها في جو من الأمن والاطمئنان، عسى أن ينتهي هذا التفهم إلى اعتناقها، والوصول إلى مصالحهم الحقة في معاشهم ومعادهم.. وهذا ما حصل فعلاً على مدى التاريخ الملتزم بالإسلام.

ثم هل كان النعمان بن مقرن وغيره من الصحابة يجهلون تعاليم الإسلام حين قالوا لكسرى وأمثاله: " وأمَرنا نبينا صلى الله عليه وسلم بأن نبدأ بمن يلينا من الأمم فندعوهم إلى الإنصاف، فنحن ندعوكم إلى ديننا" إلى آخر ما سلفت روايته من كلامه؟

ويقول أحد الكتاب المعاصرين:

ترى لو كان أبو بكر وعمر وعثمان - رضي الله عنهم - قد أمنوا عدوان الروم والفرس على الجزيرة، أكانوا يقعدون إذن عن دفع المد الإسلامي إلى أطراف الأرض؟ وكيف كانوا يدفعون هذا المد؟ وأمام الدعوة تلك العقبات المادية، وأنظمة المجتمع العنصرية والطبقية، التي تحميها تلك القوة المادية الجبارة؟!

أليس من السذاجة بمكانٍ أن يتصور الإنسان دعوة عازمة على هدية العالم كله ، ثم تقف أمام هذه العقبات تجاهد باللسان والبيان فحسب؟!

وشيء آخر، لماذا لم تظهر فكرة الحرب الدفاعية قبل وقوعنا تحت ضغط الاستعمار الغربي، وتخاذلنا أمام مخططاته الرهيبة، ومخططات المبشرين والمستشرقين؟

لماذا لم يقل بهذه الفكرة أحد من علماء هذه الأمة، سلفها أو حتى خلفها؟ أجهلوا جميعاً هذا التفسير العبقري للحرب في الإسلام، حتى جاء ضحايا المخططات فاكتشفوه وقدموه غذاءً عصرياً - ولكنه غير صحي- للفكر الإسلامي .

لماذا خلت الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية الحاسمة في وجوب القتال من هذه البدعة " بدعة الحرب الدفاعية"؟

ألم يقل الله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ}[42] كما قال : {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} سواء بسواء؟

ألم يقل رسوله صلى الله عليه وسلم: "من مات ولم يغز، ولم يحدث به نفسه، مات على شعبة من النفاق" رواه مسلم وأبو داود والنسائي.

ألم يصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا أمّر أميراً على جيش أو سرية قال له: " و إذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال ( أو خلال) فأيتهن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم فإن هم أبوا فسلهم الجزية، فإن هم أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، فإن هم أبوا فاستعن بالله وقاتلهم"[43] .

وأعود فأقول: أعن جهل أم عن تقصير خلت الآيات القرآنية والأحاديث النبوية من بيان ( بدعة الحرب الدفاعية)؟ حاشا لله، ولكن ضحايا المخططات يتأولون الأمور على غير وجهها

إن هذه البدعة، تشبه أن تكون مقدمة للقول بما ذهبت إليه القاديانية من إلغاء الجهاد بالسيف والاكتفاء بالجهاد عن طريق البيان، ولا شك أن مذهب هؤلاء خطة استعمارية هدفها إبطال مفعول الجهاد الذي طالما حال دون الاستعماريين وما يشتهون من إخلاد تسلطهم على البلاد الإسلامية .

اللهم إننا لا نستطيع أن نقبل هذه البدعة إلا أن نتخلى عن نقائضها وهي خمسة أشياء:

أولاً: الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الني توجب علينا الجهاد كعنصر من عناصر منهج المواجهة، وقد عرفنا ذلك آنفاً.

ثانياً: فهم الصحابة رضوان الله عليهم، وفهم من تبعهم بإحسان لمعنى الجهاد في الإسلام، وتطبيقهم إياه باذلين فيه النفس والنفيس، والطريف والتليد.

ثالثاً : وقائع السيرة النبوية والتاريخ الراشدي.

رابعاً: كون الإسلام دعوة حركية مبادِهَة.

خامساًً: الاحتفاظ بعقولنا حرة دون وقوعها فريسة لمخططات الأعداء.

أجل ، إننا لا نستطيع قبول بدعة الحرب الدفاعية إلا بالتخلي عن هذه الأمور جميعاً، وهذا ما لا سبيل إليه!

وإذن فلا سبيل إلى قبول هذه البدعة، التي لا تعدوا - في الحقيقة - أن تكون ضرباً من الإلقاء بالنفس إلى التهلكة، على أن موضوع القتال في الإسلام حري بأن يفرد ببحث بل بأبحاث ضافية.

 

مناقشة شبهة:

وبمناسبة الكلام في علاقة الأمة المسلمة بالأمم الأخرى  أود أن أعرض ببعض المناقشة لشبهة أثارها الأستاذ مجيد خدوري [44] في كتابه"War And Peace in Islam "

أي ( الحرب والسلم في الشريعة الإسلامية) إذ قال: " إن القانون الدولي الحديث يعترف بداهة بوجود الأسرة الدولية المؤلفة من دول تتمتع بحقوق السيادة كاملة، وبالمساواة فيما بينها، أما القانون الدولي الإسلامي فلا يعترف بأمة سوى أمته"[45] .

وأقول هذا كلام ليس بمنصف ولا دقيق، إن المسلمين قد اعترفوا منذ البداية بوجود الأمم والدول غير الإسلامية، وكان اعترافهم بها - على الأقل - من النوع الذي يسمى في اصطلاح الحقوق الدولية المعاصرة اعترافاً بالأمر الواقع (De Pacto) وهو الذي يجيء نتيجة تعامل فعلي كعقد الاتفاقيات وتبادل الوفود، وما إلى ذلك، وكلنا يعلم أن المسلمين منذ العهد النبوي عقدوا الاتفاقيات، والموادعات، وتبادلوا الوفود مع الدول والجماعات غير المسلمة.

ولكن هذا الاعتراف الواقعي لا يعني إقرار ما انطوت عليه حياتها من زيغ وانحراف وشوائب، لأن هذا الإقرار ينافي طبيعة الإسلام الذي أخذ على عاتقه تصحيح أوضاع الأمم كلها، وإخراجها جميعاً من الظلام إلى النور، ومن الضلال إلى الهدى الذي لا يضارعه هدى.

وعلى ذلك فقد كان أجدر بالأستاذ خدوري أن يقول لو أراد رعاية جانب الإنصاف والروح العلمي: " إن القانون الدولي الإسلامي يعترف بوجود الأمم والدول غير الإسلامية ولكنه لا يرضى عن إهمالها وتركها على ما هي عليه من الزيغ والانحراف، لأن ذلك يتنافى والخصائص الذاتية للإسلام".

 

تبدل وابتعاد:

ومما يؤسف له حقاً أن (هُوّيّة) هذه الأمة لم تبق دائماً على ما كان لها من صفاء وقوة وسمو في العهدين النبوي والراشدي، بل داخلها ولو على بعض المستويات شيء من التبدل الذي ظهرت آثاره في علاقاتها بالأمم الأخرى، على أنها كانت تعود إلى هذه الهوية من حين إلى حين، وحينئذ كانت تعود علاقاتها بالأمم الأخرى إلى أصالتها الأولى، وآثارها الحميدة العظيمة، فإذا عادت وابتعدت عن هويتها هذه عادت فظهرت آثار هذا الابتعاد في تلك العلاقات.

ومن فترات العودة إلى الهوية الحقيقية الفترة التي حكم خلالها خامس الخلفاء الراشدين عمر بن عبد العزيز رحمه الله ، إذ عادت علاقة الأمة المسلمة بالأمم الأخرى إلى كونها علاقة قائمة على أساس الدعوة ومقتضياتها ( لا على أساس الجباية والسطوة)، مما سبب دخول الملوك في الإسلام على يديه، ولكن الذين جاؤوا بعده عادوا إلى الانفصال النسبي عن هذه الهوية، فظهرت آثار هذا الانفصال السيئة على مسرح العلاقات الخارجية الإسلامية.

يقول البلاذري في كتابه فتوح البلدان[46] :

"ثم مات سليمان بن عبد الملك، وكانت خلافة عمر بن عبد العزيز بعده، فكتب إلى الملوك (ملوك السند ) يدعوهم إلى الإسلام والطاعة، على أن يملكهم، ولهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم، وقد كانت بلغتهم سيرته ومذهبه فأسلم حليشة[47] والملوك، وتسموا بأسماء العرب".

ولكن ولاية السند صارت في أيام هشام بن عبد الملك إلى الجنيد بن عبد الرحمن المري، (فأتي الجنيد الديبل [48]، ثم نزل شط مِهران[49] ، فمنعه حليشة العبور، وأرسل إليه:" إني قد أسلمت وولاني الرجل الصالح بلادي ولست آمنك". فأعطاه رهناً وأخذ منه رهناً بما على بلاده من الخارج، ثم إنهما ترادّا الرهن، وكفر حليشة وحارب، وقيل إنه لم يحارب، ولكن الجنيد تجنى عليه، فأتى الهند فجمع جموعاً، وأخذ السفن، واستعد للحرب، فسار إليه الجنيد في السفن، فالتقوا في بطيحة الشرقي، فأُخذ حليشة أسيراً، وقد جنحت سفينته فقتله.

وهرب صصة بن داهر[50] ، وهو يريد أن يمضي إلى العراق فيشكو غدر الجنيد، فلم يزل الجنيد يؤنسه حتى وضع يده في يده فقتله)[51] وقد أورد ابن الأثير هذا الخبر في (الكامل)[52] بنحو رواية البلاذري.

وعندي أن المسؤولين في هذه الأمة عبر التاريخ لو استقاموا على سنن النبوة، والخلافة الراشدة في تكييف علاقاتهم بالأمم الأخرى لدانت لهم البلاد والعباد، ولمكن الله لهم في الأرض، ولأحلوا أمتهم المسلمة المكان الذي خلقت لتحله، لكنهم انحرفوا عن هذا السنن، فالتوت عليهم الأمور، وجعلوا ينحدرون شيئاً فشيئاً إلى مستوى المسؤولين العاديين في أنفسهم وفي علاقاتهم بالأمم الأخرى.

غير أنه قد كان لهذه الأمة - كما قلنا - عودات إلى (هويتها الحقيقية) وليس الآن مكان استيعابها، وقد كان من آخرها عودتها في القرن الثاني عشر في عهد الإمامين محمد بن سعود ومحمد بن عبد الوهاب رحمهما الله تعالى، وجزاهما عن الإسلام وأهله خيراً، وهذه العودة حقيقة بدراسة متخصصة مستوعبة.

 

صفوة القول :

 أن الأمة المسلمة العظيمة لها ( هُوّيّة ) متميزة، وذلك أنها أمة (عقيدة ودعوة) عالميتين ، ومن هذه الهوية انبثقت علاقتها بالأمم الأخرى، فكانت علاقة قائمة على (الدعوة والعقيدة)، هادفة إلى إخراج الناس من الظلمات إلى النور، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن عبادة العباد إلى عبادة الله تعالى، أي أنها كانت دعوة هادفة إلى إبلاغ الناس قاطبة مصلحتهم الحقيقية في العاجلة والآجلة، وقد أعدت لذلك منهجاً متكاملاً لمواجهة مختلف الظروف والاحتمالات وهي في زحفها الحاني الحكيم لتبليغ الناس ما كلفها الله تعالى تبليغه من الحق والهدى، وشعارها في كل ذلك (لهم ما لنا وعليهم ما علينا) و {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ}.

وكانت الحرب، وما زالت عنصراً من عناصر منهج المواجهة المتكامل، وكانت وما زالت فرضاً مفروضاً، غير أن استخدامها إنما يتوجب بحسب مصلحة وجوداً وعدماً، ولا يجوز بوجه ما أن توصف بأنها دفاعية أو هجومية، وأحق ما توصف به أنها حرب لإماطة العقبات، أيّاً كانت، عن طريق الدعوة، أو عن طريق المصلحة الحقيقية للإنسانية كافة

ثم كان لهذه الأمة إنفصالات عن هويتها الحقيقية، أورثت خللاً في علاقتها بالأمم الأخرى، ثم كانت لها عودات إلى هذه الهوية، أورثت استقامة في علاقاتها تلك.

ويبدو أنه من واجبنا في هذا العصر أن نحشد الجهود لتربية الأجيال المسلمة في ضوء الهوية الأصلية لهذه الأمة، لعل الله تعالى يصلح بهم أمر أمتهم - بل أمر العالم أجمع، وما أجدر المؤسسات العلمية في العالم الإسلامي، جامعاتٍ وغير جامعاتٍ، والمؤسسات الإعلامية أن تدير مناهجها وبرامجها على أساس هذه (الهوية).

إن مصلحة العالم قاطبة لن تتم إلا يوم تكون الهيمنة فيه للهوية الإسلامية الأصيلة هوية العقيدة والدعوة، التي تجعل علاقة الأمم بعضها ببعض ملاكها التلاقي على الدعوة الربانية، والعقيدة الصحيحة، والفكرة الموضوعية المستعلية - كما قلنا في بداية هذه المحاضرة - على جميع الاعتبارات التي لا تنطوي على قيم حقيقة كالاعتزاز، باللون ، أو اللغة،أو الجنس ، أو الأرض، وتنأى بجانبها عن أي ضربٍ من ضروب الاستغلال، أو الاستعمار، أو غمط الآخرين أي حق من حقوقهم التي جعل الله لهم قواماً، وكلنا يعلم أن هذه الأمور التي يشجبها الإسلام جملة وتفصيلاً هي أكبر أسباب التوتر والقلاقل والحروب في العالم قديمة وحديثة.

وخير ما أختم به محاضرتي هذه - هو - قوله تعالى:

{وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}[53] ، وقوله: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ}[54] ، وقوله : {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ}[55] .

 

 

 

 

 


[1] الهوية: حقيقة الشيء الذي تميزه عن غيره.

[2] السورة - 103

[3] سورة لقمان - 22

[4] سورة يونس - 62 و  63

[5] سورة التوبة - 71

[6] سورة يوسف -108

[7] سورة فصلت - 33

[8] سورة التوبة - 24

[9] سورة الحجرات - 13

[10] سورة فصلت: 1 - 14.

[11] الربعة : الحال التي جاء الإسلام وهم عليها.

[12] العاني: الأسير.

[13] المعاقل: الديات، الواحدة: معقلة.

[14] مفرحاً: المثقل بالدّين، والكثير العيا