|
|
تعقيب على رسالة الدكتور معروف الدَّواليبي
|
بقلم: الدكتور أحمد
عبيد الكبيسي
|
كلية القانون والسياسة-
جامعة بغداد
|
|
|
|
السيد رئيس تحرير مجلة الجامعة الإسلامية الغراء. |
|
وبعد: فقد كنت قرأت في مجلة العربي الكويتية مقالة
للدكتور معروف الدواليبي بعنوان (تغيير الأحكام بتغير الأزمان وهي تتضمن رداً
على مقالة كنت قد كتبتها في نفس المجلة تحت عنوان ( الحكم بقطع يد السارق في
الشريعة الإسلامية ). |
|
ومع شيء من التغافل - الذي تعظم به النفوس - عن بعض
العبارات التي وردت في مقالة الدكتور الدواليبي: فإني وجدت أن رده ذلك قد أزال
اللبس الذي يوحي به منهجه في موضوع المصلحة الذي تطرق إليه في كتابه: ( المدخل
إلى علم أصول الفقه ). |
|
فحمدت للدكتور الدواليبي تمسكه بالحق، ودفاعه عنه،
وانحيازه لشريعة الله، وحرصه عليها. وهو أمر لا أظن أن أحدا ينسب للدواليبي
غيره، ولا يتوقع منه سواه. وعلى الرغم من أنني لم أوافقه على بعض ما قال إلا أني
لم أكن أنوي الرد على رده. |
|
إلا أني عدت فقرأت في نفسي الرد في مجلتكم الغراء في
عددها الثاني من سنتها السادسة تحت عنوان: ( رسالة ). فتبينت أن مجلة العربي
كانت قد حذفت بعض عبارات من كلام الدكتور الدواليبي التي رأت المجلة أن ورودها
ليس ضروريا ضمن نقاش موضوعي. |
|
وقد بدى لي من تلك العبارات الغاضبة أن الدكتور
الدواليبي قد نظر إلى الموضوع على أنه نيل منه، أو خصومة شخصية ضده. |
|
غير أن هذا في الحقيقة ليس وارداً على الإطلاق.
فالدكتور الدواليبي معروف بمواقفه المشرفة في الدفاع عن الإسلام وإخلاصه في
الذود عن حدود الله. |
|
كل ما في الأمر: هو أني كنت قد استعرضت بعض الآخذين
بالفهم الذي أخالفهم فيه لمبدأ تغير الأحكام بتغير الأزمان. وعندما أخذت أناقش
بعض عباراتهم لم يخطر ببالي من قال بقدر ما كان يهمني ما قيل. فإذا كان الدكتور
الدواليبي قد استشعر شيئا من الحدة في بعض ما جاء في مقالتي من عبارات، أو
استنبط شيئا من إيراد بعض الآيات القرآنية بعينها. فإنه مدعو إلى أن يتروى قليلا.
ذلك أن الأمر لا يعنيه من قريب أو بعيد. وإنما الأمر كله ناتج عن الإحساس بوطأة
العابثين بشريعة الله، ومنذ أن شنّ الغرب
الحاقد غارته على الشرق الغافل مخترقا كل ما لنا من ماض نعتز به، أو فكر نفاخر
فيه، أو هدف نجاهد من أجله أو ثروة فقهية هي مدار فخرنا على الزمن. فاستطاع أن
يثير بين صفوف أمتنا الريبة والشك. وأن يزرع بين شباب جيلها هذا زرعا خبيثا،
فاتخذ له قاعدة ضمن نفر من الناس لغتهم كلغتنا، ورسومهم كرسومنا، إلا أن هواهم
مع عدونا وقلوبهم على غير مشاربنا، فكانوا قلة مشاغبة تعارض الكثرة في الرأي
وتخالفها في الهوى، وتغري بها الشر، وتمالئ عليها العدو، وتحاول أن تتحيز في
الفكر واللسان. وقد مكنت من ذلك بشتى الأساليب. |
|
ولقد انساق بعض حسني النية وراء هذه اللعبة الغامضة،
ووقعوا في الشرك الدفين فأخذوا - بحسن نية وسذاجة - يحاولون التوفيق بين الخطأ
الجديد والصواب القديم، ويجمعون بين الرأي الناصح الصادق، والإيحاء المخاتل
المتآمر. وكان الفقه الإسلامي مدار عبثهم هذا، فطغت عليهم شهوة الاجتهاد الساذج
المرذول، وسيطرت على عقولهم الجانحة نزوة التجديد والابتكار، واستجلاء ما غمض عن
الفقهاء والمفسرين والمجتهدين من السلف الصالح. وإن كان لهذا من أسباب فهو لا يعدو كونه نتيجة للثقافة
الخاوية، والأمية الغاشية، والتربية العقلية المهملة، والهوى المتنقل، والطبع الهازل
السؤوم. فكان الضغط من هذه المواقع شديد على مواقع الإسلام، حتى استجاب بعض
الناس لهذا الضغط، فأخذوا يؤولون ويدارون ويداورون. |
|
فمن قائل
بجواز القرض بالفائدة من الدولة مبرراً ذلك بأن التصرف مع الدولة يختلف عن
التصرف مع الأفراد. |
|
ولا أدري ما إذا كان هذا الرأي يشمل شرب الخمر ولعب
القمار إذا ما تبنت الدولة ذلك؟ |
|
ويقول آخر: بأن
الفائدة في التعامل المصرفي جائزة، مستنداً في ذلك إلى تشويه رأي لفقيه معاصر لا
يقل حرصا على الشريعة عن الدكتور الدواليبي نفسه. |
|
ويقول آخر: بأن السفور والاختلاط لا يتنافيان مع
الشريعة الإسلامية، مستندا إلى حادثة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذها بسطحية متناهية على
فرض صحتها، متغاضيا عن ظروف النص وخصوصيات رسول الله والأمثلة على مثل هذا كثيرة.
وكلها لا تعدو كونها استجابة لذلك الضغط الهائل الذي أخذ يضيق الحبل حول الفقه
الإسلامي. لغرض لا أظنه خافيا على أحد. |
|
أعود إلى ما ذكره الدكتور الدواليبي حول موضوع تغير
الأحكام بتغير الأزمان وانطباق هذا على حد السرقة. لقد كان الدكتور الكريم قد
ذكر في كتابه ( المدخل إلى علم أصول الفقه ) ما يلي: |
|
( ومن هذا القبيل -
أي تغير الحكام بتغير الزمان - اجتهاد عمر رضي الله عنه عام المجاعة في وقف
تنفيذ حد السرقة على السارقين وهو قطع اليد، واكتفاؤه بتعزير السارق عن قطع يده،
معتبرا أن السرقة ربما كان يندفع إليها السارقون حينذاك بدافع الضرورة لا بدافع
الإجرام، وفي ذلك شبهة في الجرم على الأقل، والحدود تدرأ بالشبهات. وفي هذا كما
ترى تغيير لحكم السرقة الثابت بنص القرآن، عملا بتغير الظروف التي أحاطت بالسرقة
) انتهى. |
|
وهذا أمر - على حد علمي - لا يتلاءم والقواعد العامة
في علم أصول الفقه. |
|
ذلك أن قواعد هذا العلم ثابتة لا تتغير. وقد كنا
طلاباً نشدو بأوليات أصول الفقه وكان أساتذتنا يقولون لنا ما يلي: |
|
إن اعتبار هذا المثال من أمثلة تغير الحكم بتغير
الأزمان لا يمكن التسليم به لأمور: |
|
1- إن حكم السرقة
ثبت بالنص، فهو الأصل المقتضي لهذا الحكم، والأحكام المبنية على النصوص تبقى ما
بقيت النصوص، فهي بمنأى عن أن تنالها يد
التغيير والتبديل، لأنها أحكام ثبت
بأدلة شرعية لا تتبدل ولا تتغير. |
|
ولأن تبديلها معناه نسخ النصوص المثبتة لها، ومن
المسلّمات في الشريعة أنه لا نسخ بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، إذاً: مثل
هذه الأحكام تبقى ما لم يوجد مانع يمنعها، نظرا لوجود مقتضيها. وأما الأحكام التي
تتغير بتغير الزمان فهي تلك الحكام التي انبنت على العرف، واستمدت منه باعتباره
دليلا من أدلة الأحكام، ومن الواضح أن العرف يتغير أحيانا بتغير الزمان أو
المكان، وتبعا لتغيره تتغير الأحكام التي انبنت عليه، وكان الفقهاء يطلقون على
ذلك أنه: اختلاف عصر وزمان لا اختلاف
حجة وبرهان. إذ العرف لما كان أصلا لتلك الأحكام فإنها تتبعه في تغيره، لأن ما
يطرأ على الأصل يطرأ على ما تفرع منه، وهذا ما يقتضيه دوران الفرع مع الأصل
ونظرا لهذا فإن المجتهد يغير رأيه في المسألة الواحدة تبعا لتغير العرف الذي بني
عليه حكمه فيها. |
|
2- إن ما جعل مناطا
للحكم في هذه المسألة لا يخلو من أحد أمرين:
إما السرقة نفسها وإما فعل عمر رضي الله عنه، وكل منهما لا سبيل إلى جعله مناطا
للحكم، أما السرقة وتعارف الناس عليها فإنها لا يمكن جعلها مناطا للحكم لأنها إن
جعلت مناطا فلأجل أنها عرف، ولو اعتبرت عرفا فإنه عرف فاسد ومصادم للنص، ومن
المتفق عليه (بين القائلين بحجية العرف) أنه يشترط لحجية العرف لبناء الحكم عليه
أن لا يصادم النص ولا يلغيه، وأما فعل عمر رضي الله عنه فلأنه لا يمكن جعله
مناطا للحكم كعرف يبنى عليه الحكم. لأنه ليس عرفا. إذ من شرط العرف أن يكون عاما
لا فعل فرد. |
|
3- إن فعل عمر لا
يعتبر تغييرا لحكم السرقة: ذلك التغيير الذي لا يسوغ لأحد أن يقوم به غير الشارع
وإنما هو تقديم للمانع على المقتضي، ومن المتفق عليه في أصول الفقه أنه: إذا
اجتمع المانع والمقتضي قدم المانع، والمانع هنا من تطبيق الحكم هو شبهة الضرورة،
والحدود تدرأ بالشبهات. وإذا منعت الضرورة من تطبيق حكم المنع لا يسمى تغييرا
للحكم، وإلا للزم أن تكون الضرورة لأكل الميتة مغيرة لتحريمها ومحللة إياها ولا
قائل بذلك إطلاقا، كل ما هنالك أن الاضطرار كان سببا للرخصة في أكل الميتة مع
بقاء التحريم على ما كان عليه دون تغيير. وتسمية فعل عمر رخصة أولى من إدراجه
ضمن الأحكام المتغيرة بتغير الزمان، بل إن ذلك متعين. |
|
4- إن اعتبار فعل
عمر من تخصيص العام أولى من جعله تغييرا للحكم بتغير الزمان، ذلك أن قوله تعالى:
{وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا
} عام نظرا للفظ ( السارق ) إذ هو مفرد معرف باللام، وإذا لم يكن
هنالك عهد ولم يتعذر الحمل على الاستغراق كما هنا فإنه يحمل على الاستغراق. قد
وردت أدلة استقي منها أن الضرورة لها أثرها في المنع من تطبيق الحكم، فتكون
مخصصة للعمومات التي منها هذه الآية فتكون الآية مخصوصة في تطبيقها بغير حالات
الضرورة، ولعل عمر رأى أن الضرورة ألجأتهم إلى السرقة في عام المجاعة. |
|
كما أن حديث: "ادرءوا
الحدود بالشبهات" يصلح أن يكون مخصصا لعموم الآية، ولا يضير أن يكون
الحديث ظنيا، لأن الآية بعد تخصيصها بمخصصات أخرى كالأحاديث المبينة لشروط
السرقة الموجبة للقطع، تكون دلالتها على الباقي ظنية فيقوى الظن على تخصيصه. |
|
هذا هو مسلك الأصوليين في مثل هذه المسألة. وهو أمر
يخالف مسلك الدكتور الدواليبي. |
|
ثم إن الدكتور الدواليبي نفسه قال: ( إن الحد سقط
بالشبهة ) - أي أن النص لا ينطبق عليه - ثم عاد فقال: ( وفي هذا تغيير لحكم
السرقة الثابت بالنص ) وهو تناقض لا يخفى على أحد فأين هو الحكم الثابت بالنص
حتى نحكم عليه بالسقوط. ذلك أن الذي سقط: إنما هو حكم لم يثبت بالنص. |
|
والله من وراء القصد. |
من القرآن الكريم
|
|
قال الله تعالى: {
وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ
مِنْ عَمَلٍ إِلاكنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا
يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الأضِ وَلا فِي السَّمَاءِ
وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلاَّفي كِتَابٍ مُبِينٍ أَلاَ إِنَّ
أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ الَذِينَ
آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا
وَفِي
الآخِرَةِ
لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ } |