طباعة

 توثيق النص

 

 

 

الطريقة المثلى للإعداد خريجي الجامعة الإسلامية

بقلم: فضيلة الشيخ أبي الحسن علي الحسني الندوي

 

 

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

فقد كان يسعدني أن أشارك في موضوع إعداد خريجي الجامعة إعداداً لائقاً برسالة الجامعة الإسلامية العزيزة وأهدافها الكبيرة ورسالة البلد الطيب الذي قامت فيه وبروح العصر ومتطلباته وحاجاته وبالآمال الجسام التي يعقدها المسلون بها في مشارق الأرض ومغاربها، وما أكرمها الله به من فرص ووسائل وثقة وإجلال، وما تحف بها من أخطار وما تحتاج إليه في تحقيق غايتها وأداء رسالتها في أحسن شكل، ولذلك حضر أعضاء المجلس الاستشاري للجامعة من أنحاء بعيدة وتوافروا على دراسة موضوع الجامعة وإبداء أفضل ما عندهم من آراء وتجارب ولكن تأخر وصولي لأسباب قاسرة فما أدركت إلا آخر الحديث في هذا الموضوع فرأيت أن أسجل خواطري وأفكاري في ضوء تجاربي ومشاهداتي  وفي ضوء الواقع والحقيقة، فأمليت هذه السطور على عجل أدعو الله أن تساعد في خدمة هذه الجامعة والتقدم بها إلى الأمام وتفاديها من الوقوع في مشكلات هي في غنى عنها، وبالله التوفيق

لقد علمنا جميعا أن هذا العصر، عصر المشكلات والأزمات، وإن كان لكل عصر طابع يغلب عليه ويكون له سمة وشعاراً، فطابع هذا العصر القلق النفسي والاضطراب الفكري، وعدم الثقة، والشعور المتزايد لدى كل طبقة و فرد بما له من حقوق، والتهرب من واجباته و مسئولياته، ولعل نصيب الجامعات أوفر من نصيب كل مؤسسة ومنظمة لأنها دار الشباب، وهم أكثر خضوعا لروح العصر ولما تغزوه من موجات واتجاهات لحداثة سنهم وعدم نضجهم، وقلة الصبر والاحتمال عندهم، ولأن جميع الأحزاب السياسية والحركات الثورية تستغل هذه الخصائص وما عند الشباب من  حماس وجموح واندفاع، وتستخدمهم في كل بلد لغاياتها السياسية ولقلب النظام، ونشر الفوضى وتتخذهم مطية لأغراضها التافهة الخسيسة أحياناً، والهدامة أحياناً أخرى، فأصبحت الجامعات في الغرب والشرق أكبر مسرح للفوضى والقلق، ونقطة انطلاق للإضرابات والاضطرابات، وتوزعت جميع الجامعات بين معسكرين معسكر رجال الإدارة، وأسرة التعليم، ومعسكر التلاميذ والشباب،  والحرب قائمة على قدم وساق بين هذين المعسكرين، كأنها حرب بين المستعمرين والمواطنين، وبين ظالمين ومظلومين.

وقد أصبحت قضية الجامعات وما تعانيه من مشكلات وأزمات ( فضلا عن هبوط المستوى الخلقي والعلمي والإنساني وإن التعليم عد أصبح لا يؤتي أكله ولا يحقق غايته ) القضية الكبرى في الغرب والشرق وهي أكثر تعقدا في بلادنا لأنها تمر بمرحلة دقيقة انتقالية حتى أصبح بعض قادة الرأي وساسة البلاد يرون أن ضرر هذه الجامعات والتعليم العالي أكبر من نفعه ولكن الأمر قد أفلت من أيديهم لما نشروا من دعاية ساحرة مسلحة بأقوى الأساليب العلمية والنفسية للتعليم العالي وحاجة البلاد إلى أكبر عدد من الجامعات حتى أصبح ذلك مقياسا لحضارة البلاد وقابلية الشعوب ولما بالغ الكتاب والمثقفون في تمجيد العلم والثقافة خصوصا الثقافة الراقية مبالغة تشبه التقديس والتأليه، من غير اشتراط لشروط، وتنويه بالغايات، فأصبحت الثقافة والتعليم العالي في أي لون كان إلهاً يعبد ويقدس وأصبح شيئاً خيالياً شعرياً ككثير من المعاني والخيالات الشعرية عند الإغريق وبراهمة الهند حتى أصبح الواقعيون العمليون يشكون في منزلة العلم التي أنزله فيها الفلاسفة ويشكون في الفطرة الإنسانية وصلاحيتها، وليس الخطأ خطأ العلم ولا خطأ الفطرة البشرية، إنما الخطأ تقديس العلم مجرداً من كل غاية ومن كل خلق ومن الإيمان والعقيدة ( ومبدأ العلم لأجل العلم ) الذي آمن به الغرب أخيراً، والطريق القويم هو طريق الأنبياء، و طريق  القرآن في وصف العلم و العلماء وما شرع له من آداب و أحكام، وما حدد له من غايات، ونحن في غنى في هذا المجلس الموقر الذي ضم نخبة العلماء وصفوة المفكرين في الإفاضة في هذا الموضوع.

إن هذا السيل من القلق والفوضى لم يجس خلال جامعاتنا الإسلامية ومعاهدنا الدينية بعد، وإنها لا تزال تعيش في هدوء كثير حتى أصبحت الجامعات المدنية ورجالها يحسدونها ويستغربونها. والفضل في ذلك يرجع إلى الإيمان والعقيدة، وإجلال العلم والعلماء الذي أمرت به الشريعة الإسلامية وزخر به الكتاب والسنة، وما عند شبابنا المسلمين من بقايا أخلاق إسلامية وتقاليد اجتماعية.

ولكن الفتنة تدق أبواب هذه الجامعات فإنه لا مجال لجزيرة على البر. وإن هذه الجامعات مهما كانت لها من أسوار منيعة ليست بعيدة عن هذه الحياة القلقة الثائرة ، والمجتمع المائج الهائج، فلنكن على حذر من هذه الأخطار التي تهددنا، ولنأخذ لها أهبتها.

ولهذا القلق الذي قد سيطر على الجامعات من زمان، وحوّلها إلى ميدان حرب ونضال أسباب كثيرة ليست بمكان من الدقة والغموض تحتاج فيه إلى تحليل وضرب أمثال ولكن أسبابه الرئيسية على ما يبدو لي خمسة  أشير إليها باختصار:

1- عدم الإيمان بقيمة ما تعطيه هذه الجامعات من ثقافة ومعلومات وصلاحية، وعدم إيمان الشباب بحاجتهم إليها حاجة المشرف على الغرق والمعرض للتلف إلى الإنقاذ، بل بالعكس من ذلك إيمانهم بضآلة الفائدة التي تحصل لهم من هذا الطريق الطويل، الملتوي، الشاق العسير، المكلف للأموال الباهظة والمتاعب الجمة وبضحالة الثقافة التي تحصل لهم في هذه الجامعات وفصول الدروس، والإنسان منذ وجد على هذا الكوكب مؤمن بمنطق النفع خاضع مجلٌّ لمن كان سببا له في ذلك.

2- تشكك الشباب في إخلاص المعلمين والعاملين في هذه المراكز الثقافية ونزاهتهم وسموهم، وإنهم على مستوى هو فوق مستواهم في العلم والعمل والخلق والاستقامة، وفي الذكاء والمواهب، وفي الاجتهاد والجهاد لأداء رسالتهم، بل يرون كثيرا منهم دون مستواهم ويرونهم محترفين بصناعة التعليم لا يمتازون عن المحترفين الآخرين من أصحاب المهن والصناعات بكثير.

3- ضعف الصلة بين الأساتذة والتلاميذ إذا كان هنالك أساتذة بالمعنى الحقيقي، فقد حولت الجامعات والمعاهد العلمية حتى الدينية الإسلامية منها من أسر مؤتلفة يسود عليها الإخاء والتعاون، والحب والرقة، يوقر فيها الكبير ويُرحم فيها الصغير إلى طبقات متنافسة لا تلتقي إلا على الأغراض والاستغلال، وصلة المعلم بالتلميذ صلة سطحية مؤقتة لا تتجاوز الفصول والدروس.

4- عدم وجود رسالة يؤمن بها الشباب ويتحمسون لها، ويتفانون في سبيلها، ويتشرفون ويتظرفون بحملها والاعتزاء إليها، وعدم وجود دعوة تشغلهم وتستحوذ على مشاعرهم وتجعلهم بمأمن من أن يكونوا فريسة لدعوات أخرى فلا سبيل إلى تأمين شباب متفتحي القلب والعقل من الوقوع في شباك الدعوات والفلسفات إلا أن يُحوّلوا إلى دعاة أصحاب عقيدة ومبدأ، ولا سياج للقلب ولا حارس له أفضل من الحب، فإن الحب إذا وقع في القلب واستولى عليه منع من أن يغزوه حب آخر و{مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ}.

5- عدم وجود العاطفة القوية الدافقة، والإيمان الملتهب، وقد عجز العلم - في تاريخه الذي دُوّن وعُثر عليه- عن أن يقاوم المغريات المادية والنزوات النفسية، كما عجز مقدار من العقل عن مقاومة الفتن الداخلية والخارجية، بل كانت وظيفة العقل مقصورة على تهيئة الدلائل العلمية والمبررات العقلية لما يزين له الشيطان وتجنح إليه النفس، وإن دوره في مثل هذه المواقف دور المحامي الحاذق والحقوقي البارع الذي يدافع عن كل قضية في لباقة ومهارة، وفي براعة وبلاغة، وخبرة دقيقة بالقوانين والحقوق.

وقد أهملت المراكز التربوية كلها جانب العاطفة والحب والإيمان واعتبرته من خصائص بعض النظم التي كانت محدثة دخيلة على الإسلام والتي تنافي في نظر بعض قادة التعليم ورجال الفكر روح الشريعة الإسلامية والطريقة السلفية، مع أنه حاجة من حاجات البشر ومطلب من مطالب الإسلام إذا نُقّي مما التصق به في العهود الأخيرة، وقد اتصف بهذا الجانب الرعيل الأول من المسلمين من الصحابة والتابعين لهم بإحسان ولولا هذا الإيمان القوي والولوع والحب العميق وقوة العاطفة ( ولا مشاحة في الاصطلاح )لما ظهرت منهم هذه الروائع الإيمانية والبطولات التي لا نظير لها في تاريخ الأمم.

إن إهمال هذا الجانب قد جنى على نظامنا التعليمي جناية كبيرة وأفقده العمق والرقة والسمو، وقوة المقاومة وصلاحية الإبداع، وإشعال القرائح وتدفقها، فأصبح نظامنا التعليمي نظاما خشيباً جامداً لا حياة فيه ولا حركة، ولا نمو فيه ولا ازدهار، وأصبحت مراكزنا الثقافية وجامعاتنا الإسلامية مراكز حياة رتيبة جامدة يسود عليها الركود، ويهيمن عليها الجمود، وتتحكم فيها القوانين واللائحات.

وهذا الذي تحدثنا به من مشكلات  مراكز التعليم العصري والجامعات المدنية طبيعي  معقول يجب أن لا يثير استغرابا ولم يكن مجرد مفاجأة أو مصادفة، بل هي طبيعة الأشياء. والشجرة لا تلام على ثمرتها الطبيعية، ولا أبالغ من التعبير النبوي،فهذه المعاهد العلمية هلي ( خضراء الدمن ).

أما بخصوص مراكز التعليم الديني والثقافة الإسلامية- والجامعة الإسلامية عضو كريم من أعضاء هذه الأسرة الكريمة - فكان من المفروض أن تكون بعيدة كل البعد عن تأثير هذه الأسباب وفعل هذه العوامل فإن الأسباب التي تحدثنا عنها وليدة المادية ونتيجة التعليم والعلوم والآداب وتجريد العلم عن الإيمان والعقيدة والخلق والسيرة، والفصل بين الدين والدنيا.

بالعكس من ذلك إن نظامنا التعليمي قائم على الإيمان بشرف بالعلم، وفضل العلماء، ونظرته إلى العلم ومكانته ومصادره ومهمته ورسالته تختلف كل الاختلاف عن نظرة النظام التعليمي الغربي المادي، وكذلك نظرة التلاميذ إلى أساتذتهم وكل ما يتصل بالعلم من وسائل وأدوات، وأسباب ومقدمات، تختلف اختلافا كبيرا عن نظرة المتعلمين في الغرب وفي العصر الحديث، ولنظرة عجلى في فضائل  العلم والعلماء في الإسلام، وما ورد فيها من آيات وأحاديث، وما أُلف فيها من كتب ورسائل، تكوّن مكتبة مستقلة تكفي لفهم الفرق بين أبناء المعاهد الدينية ومراكز التربية العصرية.

ولكن من الواقع الذي يجب أن نعترف به تأثير الزمان والبيئة والفلسفات العصرية والعوامل السياسية والاقتصادية كان عميقاً جداً في أبناء جامعاتنا الإسلامية ومعاهدنا الدينية لم يخل عنه المعلمون والمربون وقد أصيبت طائفة كبيرة من الطلبة بالبلبلة الفكرية والقلق النفسي وعدم الإجلال للعلم وقيمته، وندر من كان مخلصاً في طلبه للعلم يطلبه ويعكف عليه إيماناً واحتساباً، وابتغاء مرضاة الله يعتز بمكانته ويحمد الله عليها، منقطعا إليه بقلبه وقالبه متحملا للأذى في سبيله، يرى في اكتسابه لذة وعزة لا تعدلها لذة وعزة، متضلعا من الدعوة، متساميا برسالته، مؤمنا بها كل الإيمان صاحب عاطفة قوية وحب دافق يتمرد به على الشهوات والنزوات، والشكوك والشبهات، يؤثر ولا يتأثر، ويحرك ولا يتحرك، ويعلو ولا يعلى عليه.

بل مع الأسف نجد كثيراً منهم لا يمتازون عن نظرائهم وأقرانهم شباب الجامعات المدنية في الأخلاق والأذواق والإيمان بصلاحية الإسلام وخلوده وحاجة البشرية إليه بل ربما كان من تأثر من شباب الجامعات المدنية بدعوة دينية أو شخصية إسلامية قوية أو مطالعة صالحة أحسن حالا وأقوى إيمانا وأكثر حماسا للإسلام من شباب الجامعات المدنية الذين لم يسعدهم الحظ بذلك.

وقد تجلى هذا الاضطراب في الفكر والعمل والهدف بوضوح في بيئة جامعية كانت ملتقى عناصر مختلفة من أنحاء العالم، وكان فيها مزيج من الثقافات واللغات والبيئات، ولم تجد الوقت الكافي والشخصيات القوية المؤثرة التي تربط بين هذه العناصر المختلفة والمزيج من الشباب وتضفي عليها صبغة واحدة ولم تستطع أن تصهرها في بوتقة عقيدة واحدة وغاية واحدة، وازدادت القضية تعقداً ودقة حين انضم إلى هذه العوامل المضعفة عامل الإغراء المادي، فكان الدافع لكثير من الشباب المنحة الكريمة ذات القيمة التي ينالونها في هذه الجامعة وزاد الطين بلة عدم وجود الحياة الاجتماعية حياة دور الإقامة والأروقة التي يعيشها الشباب في الجامعات الدينية القديمة وعدم وجود شخصية قوية مغناطيسية تشرف على هذه الأجنحة من دور الإقامة والأروقة، وتهيمن عليها بجاذبيتها وإخلاصها وتوجعها ومعرفتها الدقيقة بنفسية الشباب وعقدها، وتنمي الملكات وتربيها.

والعلاج عندي في هذه البيئة المضطربة المتناقضة يتلخص في النقاط الآتية:

1- إثارة الإيمان والاحتساب في نفوس الشباب والاعتناء الزائد بفضائل العلم والعلماء ووجوب الإخلاص والتحذير من أغراض العلم الدنيوية، أو طلب العلم لغير الله ولغير الدين، وما ورد فيه من وعيد شديد، ومعلوم أن الكثرة الكاثرة من شبابنا اليوم ليس مرضه تحديد غرض الفساد أو الإفساد، والزيغ، والإلحاد إن مرضه هو عدم الجدية وعدم التفكير في غاية العلم ومقاصده والغفلة عنها، فنجد العدد الأكبر من هؤلاء الطلبة لم يفكروا في يوم من الأيام لماذا يتعلمون ولم يحددوا لهم غاية، فبدأوا عملهم من غير تفكير ومن غير تصميم، ويجب الاستعانة في ذلك بالاشادة بالآيات والأحاديث التي وردت في فضائل العلم والعلماء والتنويه بها بمناسبات مختلفة، وعن طريق المحاضرات والخطب والرسائل والحديث والمذاكرة، وقد أقر علماء النفس والتربية، أنه لا توجد قوة أكثر عمقا وأشد سلطانا على النفوس من الإيمان بالمنافع والإيمان بالفضائل وذلك الذي حدا بالصحابة ومن تبعهم إلى الشهادة في سبيل الله وبذل النفس والنفيس في خدمة الإسلام، وهانت عليهم بذلك حياتهم ولذاتهم وأوطانهم وولدانهم ومطالب النفس والجسد.

2- إن مشكلات دور التعليم مشكلات طريفة متجددة لا يأتي عليها حصر، ولا يضبطها قانون وهي، كالثوب البالي إذا رفي من جانب تناثر من جانب آخر، أو كقطيع من الغنم إذا ضُبط من جانب أفلت من جانب آخر، والمفتاح الرئيسي لهذه الأقفال التي ليس لها عدد ولا حصر، هو وجود الأساتذة الذين أكرمهم الله بقوة الشخصية ورسوخ الإيمان والعلم، والعقل السليم والقلب الرقيق والعاطفة القوية، فهي العصا السحرية التي لا تمس شيئا إلا غيرته وحجر الفلاسفة الذي لا يمس التراب إلا ويحوله تبرا، وهي الثروة الكبرى والطاقة الهائلة التي يمكن الاعتماد عليها في فض المشكلات وحل الأزمات.

3- وجود دعوة إيجابية قوية تشغل عقول الشباب وتستولي على مشاعرهم وتحرك ملكاتهم العملية وما طبعوا عليه من حب للحركة والعمل والكفاح، ولا تدع مكانا لدعوة أخرى يؤمنون بفضلها وشدة الحاجة إليها.

وهذه الدعوة موجودة معلومة وعلى أساسها قامت كل جامعة إسلامية وخاصة هذه الجامعة التي تقوم في مهبط الوحي ومهجر الرسول صلى الله عليه وسلم ومنطق الدعوة الإسلامية في العالم وهي الدعوة إلى الله والدعوة إلى الدين الخالص والتوحيد النقي الصافي وإلى دار السلام والتحلي بفضائل الإسلام وإنقاذ البشرية من مستنقع الجاهلية - بأوسع معاني الكلمة - الذي تردّت فيه والخروج بالإنسان من ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، ويمكن إثارة هذه الدعوة وتنميتها عن طريقة السيرة النبوية وحياة المصلحين والمجددين في الإسلام، وتاريخ الدعوة الإسلامية في مختلف العصور، ويحسن أن تنظم للتربية عليها جولات دعوية ومخيمات خارجية ومحاضرات علمية.

4- إيجاد نظام اجتماعي رواقي، يعيش فيه الشباب حياة اجتماعية إسلامية تحت إشراف أساتذة ومراقبين يكونون القدوة الحسنة والمثل الكامل في الخلق والسيرة وذوق العلم وذوق العبادة يتميزون لا عن الطلبة وحدهم بل عن عامة العلماء والأساتذة بمحاسبة النفس والاحتساب لله والتقشف في الحياة والبعد عن غوائل النفس ومكائد الشيطان ، يشعر الشباب بحرارة إيمانهم ورقة قلوبهم وشعورهم فيقتدون بهم بدافع من الحب والإجلال وحب للجمال والكمال لا بدافع قانوني ويتخذونهم مثلاً في الحياة.

5- تنظيم محاضرات عامة يدعى لها كبار العلماء وأقطاب الفكر الإسلامي تغرس في نفوس الشباب العقيدة القوية وتلهب الجمرة الإيمانية وتعيد الثقة بالإسلام، وما اشتمل عليه من تشريع وتعليم ودعوة مناهج للحياة، وتتناول القضايا التي  تشغل العالم وتشغل الشباب بصفة خاصة والتحديات التي سيواجهونها لمجرد تخرجهم من  الجامعة الإسلامية ورجوعهم إلى بلادهم وتعرض لها حلولا في ضوء الكتاب والسنة وتعاليم الإسلام والعلم الصحيح وتحل العقد النفسية للشباب حلاً رفيقاً رقيقاً بحيث لا يشعرون أنهم يمرون بمرحلة ( عملية جراحية ) وأنهم يداوون كالمرضى أو يخرجون كالغرقى.

ومعلوم أن الجامعات مهما توسعت دائرتها وقوي نشاطها لا تستطيع أن تعطي الطالب الزاد الكافي من المعلومات عن التاريخ الماضي والعالم المعاصر والعلم الحديث لكثرة المواد الدراسية فلا بد أن يعتمد في إنارة عقول الشباب وتوسع نطاق معلوماتهم على المحاضرات التي ينتقى لها خيرة العلماء وأصحاب الاختصاص.

هذه هي الأساليب والطرق التي أعتقد أنها تزيل الشيء الكثير مما تعانيه الجامعات الإسلامية والمعاهد العلمية من أمراض وقلق واضطراب وعدم خضوع للنظام، وعدم استفادة حقيقية مما هيأته لهم هذه الجامعات من أساتذة فضلاء، ومكتبة غنية واسعة وأسباب الراحة والهدوء، والعكوف على الدراسة، وهي مما شرح الله لها صدور كثير من المربين وجربوها في مناطق عملهم وتجربتهم فنجحت.

ولا شك أن هذه البيئة الفائضة بالإيمان والحنان، العامرة بالرسالة والدعوة، الملهمة للصبر والتقوى وعلو الهمة وسمو النظر المليئة بالروحانية والسكينة - والجامعة تعيش في رحب المسجد النبوي وفي ظلال الآثار والذكريات الأولى - تساعد على تحقيق هذه الغاية في أكمل شكل، والله المستعان، وعليه الاعتماد والتكلان، وصلى الله على خير خلقه محمد وآله وصحبه.