طباعة

 توثيق النص

 

 

 

 

الدّين وأثره في صلاح الفرد والأمة

بقلم: الشيخ محمود عبد الوهاب فايد

المدرس بكلية الدعوة وأصول الدين بالجامعة

 

 

الإنسان جسم وروح، وللجسم مطالب وللروح مطالب.

مطالب الجسم كثيرة قد تلجئ الإنسان في سبيل تحقيقها إلى أن يصطدم بغيره فينشأ الخلاف، ويتفاقم النزاع، ويضطر كل من المتخالفين إلى أن يحتمي في أسرته ويتقوى بمن ينتمي إليه.

وكثيرا ما يتطور الخلاف إلى شجار دموي تزهق فيه النفوس، وتطيح فيه الرؤوس وتكون الغلبة للأقوى، وهكذا يصبح العالم مسرحا للفتن، وتصبح الحياة جحيما لا تطاق. فلا بد من دين ينظم العلاقات، ويفصل الحقوق والواجبات، لا بد من دين توحي به هذه القوة الغيبية القدسية التي يؤمن الناس بها، ويشعرون بسلطانها، ويحسون بعظمتها ويجدون لها في نفوسهم هيبة وخشية فيذعنون لحكمها، ويسارعون إلى تنفيذ ما تقضي به.

كذلك للإنسان مطالب روحية تكمل إنسانيته، ويتميز بها عن بقية الحيوانات التي تكتفي بالماديات. والدين هو الذي يكفل حاجة الروح ويوفر لها مطالبها ويتعهدها بما تحتاجه وما يغذيها، ويمدها بما يصلحها وما يقويها، ويصل بينها وبين الخالق على أساس قوي متين، وهذا شيء خارج عن اختصاص الأخلاق والقوانين.

نعم. إن الدين هو الحصن الذي يحمي الإنسان من الفساد، ويحفظه من الرذيلة، ويربيه على الخلق القويم، ويهديه إلى الصراط المستقيم، الدين هو الذي يقاوم الشر، ويقضي على الميوعة، ويشيع الفضيلة ويقوي الروابط، ويصلح النفوس، ويعلي شأن الأمم.

وحسبك لتعلم هذا أن توازن  بين رجلين أحدهما ملحد خارج على الأديان، فهو إن فارق الشر أو فارقه الشر فإنما يحاول النجاة بنفسه والتخلص من صرامة القانون، وفي الساعة التي تتيسر له فيها الجريمة في أمان من الناس يقدم عليها دون أن يردعه رادع أو يمنعه مانع والآخر متدين له بجانب ذلك الوازع وازع آخر يلازمه ولا يفارقه هو وازع الدين يزعه في سره وجهره، في بيته ومتجره في طريقه وممشاه، في كل مكان.

استمع معي إلى هذه الواقعة لتعرف ما للدين من بالغ الأثر وقوة التأثير.

قال أسلم: بينما أنا مع عمر بن الخطاب وهو يعس بالمدينة إذ عيي فاتكأ على جانب جدار في جوف  الليل وإذا امرأة تقول لابنتها: قومي إلى اللبن فامزجيه بالماء. قالت لها: يا أماه أو ما علمت بما كان من عزم أمير المؤمنين؟ قالت: وما كان من عزمه يا بنية؟ قالت: إنه أمر مناديه فنادى لا يشاب اللبن بالماء. فقالت لها: يا بنية قومي إلى اللبن فامزجيه بالماء فإنك بموضع لا يراك فيه عمر ولا منادي عمر فقالت الصبية لأمها: يا أماه. ما كنت لأطيعه في الملأ وأعصيه في الخلاء. وهل يغيب عنا رب عمر إذا غاب عنا عمر؟ وعمر يسمع هذا كله. فقال: يا أسلم علّم الباب واعرف الموضع ثم مضى في عسه فلما أصبح قال: يا أسلم. امض إلى الموضع فانظر من القائلة ومن المقول لها وهل لها من بعل؟ قال أسلم: فأتيت الموضع فسألت فإذا الجارية أيم لا بعل لها وإذا تيك أمها ليس لها بعل فأتيت عمر فأخبرته فدعا عمر ولده فجمعهم فقال: هل فيكم من يحتاج إلى امرأة فأزوجه لو كان بأبيكم حركة إلى النساء ما سبقه منكم أحد إلى هذه الجارية فقال عبد الله: لي زوجة وقال عبد الرحمن: لي زوجة وقال عاصم: يا أبتاه لا زوجة لي فزوجني فبعث إلى الجارية فزوجها من عاصم فولدت له بنتا وولدت البنت عمر بن عبد العزيز رحمه الله.

هذه قصة صريحة تشهد بأن الدين يقضي على ما لا يقضي عليه القانون من الجرائم وتفيد أنه خير ضمان لسعادة البشرية وهناءة الإنسانية.

ما الذي حرم أمير المؤمنين عمر لذة النوم بالليل، وكلفه البحث عن أحوال الرعية في جنح الظلام حتى تعبت قدماه وكل بدنه. إنه الدين.

ما الذي منع الفتاة من ارتكاب جريمة الغش وعمر لا يراها؟ إنه الدين.

ما الذي أهل بائعة كاللبن لتكون زوجة لابن حاكم المسلمين؟ إنه الدين نعم .الدين.

فالدين ضروري لكي يحيا الإنسان حياة هانئة مطمئنة في مجتمع هادئ متماسك تغمره السعادة، وتسوده المحبة، وتتردد في جوانبه أصداء النعيم.

والقوانين وحدها لا يمكن أن تطهر المجتمعات مما تموج به من خبث وفساد وأنّى لها ذلك  وهي لا سلطان لها إلا على ما يقع تحت قبضتها وما يحدث على مشهد من سدنتها.

وأكثر الجرائم تدبر بليل وتحاك في الظلام، وتقع في الخفاء، وتنفذ بمهارة في مكان لا تراه العيون. فلو ترك الأمر للقانون وحده لاحتال المجرمون على التخلص منه والتهرب من سلطانه والنجاة من أحكامه بالابتعاد عن أعين الرقباء، وإخفاء معالم الجريمة وطمس آثارها، والتزيي بزي الأبرياء ولو ترك الإنسان وشأنه دون دين لاستطاع الهوى أن يتحكم فيه ويسيطر عليه، ولأمكن لشهوته أن تتغلب على عقله وتسخره في خدمتها فيصبح تفكيره محصورا في دائرتها، يتفنن في سبيل إرضائها، وإشباع رغباتها، ولجاز أيضا أن يتمكن منه الغضب فيجمح به حتى يستبيح انتهاك الأعراض وسلب الحقوق وسفك الدماء واستعباد الضعفاء، وإذلال الفقراء.

لا سبيل لحماية الأخلاق، وصون الآداب وحفظ الحقوق، ووقف العدوان، ومنع التلاعب إلا بتربية النفوس على الدين وطبعها بطابعه، وصبغها بتعاليمه. فالدين له حوك في الصدور وأثر في القلوب دونه أثر القوانين.

الدين نعمة على الفرد والجماعة، راحة للنفس لأنه يساير فطرتها، ويوافق طبيعتها، وهناءة للمجتمع لأنه يقوي روابطه، ويوثق علائقه، ويزكي عواطفه، ويسير به قُدما نحو الخير والفضيلة.

الدين هو الذي يحرك مشاعر الإنسان نحو إخوانه المنكوبين وزملائه البائسين فيسارع إلى نجدتهم، ويخف إلى معونتهم ويضحي بجزء من ماله في سبيل هناءتهم.

الدين هو عماد التربية وحصن  الفضيلة، ويكفي أن دعوته دعوة حارة تمتزج بالعاطفة وتختلط  بالقلب وتسري في حنايا الضلوع، وتخالط اللحم والعظم، وذلك لأنها تتأسس على الإيمان بالله، وتقوم على محبته ومرضاته وتربط بين العمل والجزاء الدنيوي والأخروي فمن فاته الجزاء في الدنيا لم يفته في الآخرة.

إن أساس الدين هو الإيمان بالله، إيمان الناس بأنه ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء { يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلا هُوَ سَادِسُهُمْْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ }.

إن هذا الإيمان إذا تحكم في القلب وسيطر على شعور الإنسان واستولى على أحاسيسه ومشاعره حال بينه وبين الجريمة في السر والعلن طمعا في الثواب أو خوفاً من العقاب أو حرصاً على رضا الله ونيل محبته فالدين لا ريب أعمق أثراً وأعظم نفعاً وأكثر فائدةً.

فهو يؤدي وظيفته في جميع الظروف والأحوال يرقى بالفرد والمجتمع إلى أعلى درجات الكمال، ويحمي حمى الدولة من كل خطر يعرضها للزوال: الدين جندي أمين وحارس يقظ يؤدي واجبه في الليل والنهار في الخفاء والعلانية.

وإذا كان هنالك عصر يحتاج إلى الدين في صيانة الأمن ونشر السلام فإنما هو هذا العصر الذي اخترعت في أقوى أسلحة الدمار والهلاك.

وصارت مهمة الأمن الدولي شاقة لا يضطلع بها إلا من صفت روحه وسلمت فطرته وهدأت نفسه ونأى عن الغرض والهوى وكل ذلك لا يتحقق إلا بالتربية الدينية والإيمان بالله واليوم الآخر.

أسأل الله أن يقوي إيماننا، ويحفظها من الفتن ما ظهر منها وما بطن.

أسأل الله أن يطهر أرضنا من الإلحاد، والشر والفساد، ويرفع راية الدين ويملأ قلوبنا بالهدى واليقين.

ما هو؟؟

وذي وفاء طالما برّني

 

وكان عوني في صروف القضا

حملته سبعا وستين لم

 

ألمح محياه إلى أن قضى

فهو البديل عن شبابي الذي

 

شيعته والصاحب المرتضى

ففارقتني بفراقي له

 

لذاذة العيش وعهد الرضى

وكان فيه مطمعي سائغا

 

فأصبح اليوم كشوك الغضا

كأنما الحياة من بعده

 

لم تك إلا حلما وانقضى

فليته ما زال في صحبتي

 

حيا يسليني عما مضى

محمد المجذوب