|
|
|
أضواء من
التفسير
|
|
|
للشيخ عبد القادر شيبة الحمد |
|
|
|
|
|
قال تعالى: {ق وَالْقُرْآنِ
الْمَجِيد بَلْ عَجِبُوا أَنْ
جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ أَإِذَا مِتْنَا
وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ
رَجْعٌ بَعِيدٌ أَإِذَا مِتْنَا
وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الأَرْضُ
مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ
فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ} |
|
|
المناسبة: |
|
|
لما أخبر في السورة
السابقة أن هؤلاء الأعراب الذين قالوا آمنا لم يكن إيمانهم حقاً. وانتفاء إيمانهم دليل على إنكار القرآن والنبوة والبعث، صدر
هنا بذكر القرآن والإنذار والبعث. |
|
|
القراءة:
|
|
|
قرأن الجمهور
قاف بسكون الفاء وقرئ بفتحها وقرئ بكسرها وقرئ بضمها أيضاً. وقرأ الجمهور
{أَإِذَا} بهمزة الاستفهام وقرئإ {ذا}بهمزة واحدة. وقرأ الجمهور {لَمَّا} بفتح اللام وتشديد الميم. وقرئ {لما} بكسر اللام وتخفيف الميم. |
|
|
المفردات: |
|
|
{ق} من الفواتح الكريمة
وقد تقدم الكلام عليها في ص معنى وإعرابا. |
|
|
{الْمَجِيد} الكريم الشريف العظيم
المبارك. {كُنَّا} صرنا
. {رَجْعٌ} ردٌ و إرجاع. {بَعِيدٌ} أي مستبعد في الأوهام والفكر أو في العادة أو في الإمكان.
{تَنْقُصُ الأَرْضُ مِنْهُمْ}
أي تبليه من أجسادهم، وتأكله من لحومهم وعظامهم. {كِتَابٌ} سجل وديوان.
{حَفِيظٌ} أي حافظ حاو لكل ما تنقصه
الأرض منهم، ومتى تنقصه وأين يذهب ؟ وهو أيضا حافظ لأقوالهم الخبيثة. {بِالْحَقِّ} بالقرآن.
{أَمْرٍ} شأن {مَرِِيجٍٍ}
مضطرب مختلط فاسد من قولهم: مرج الخاتم في إصبعي إذا قلق من الهزال،
ومن قولهم: مرج البيض إذا فسد. |
|
|
التراكيب:
|
|
|
جواب القسم في قوله تعالى: {وَالْقُرْآنِ الْمَجِيد} محذوف تقديره إن محمدا
لرسول وإن الساعة لآتية ويدل عليه الآيتان بعده. و {بَلْ}
للإضراب
الانتقالي من حال حقية الرسول والبعث إلى حال عجب
الكفار الرسول والبعث. وقوله {فَقَالَ
الْكَافِرُونَ} الفاء للتفصيل كقوله {وَنَادَى
نُوحٌ رَبَّهُ فَقَال} ومقتضى الظاهر أن يقال ( فقالوا ) ولكنه وضع
الظاهر موضع الضمير لتسجيل هذا الوصف الشنيع عليهم، وللإشعار بعلية هذه المقالة.
وقوله {أَإِذَا مِتْنَا
وَكُنَّا تُرَاباً} على قراءة الجمهور بالاستفهام لتقرير التعجب
وتأكيد الإنكار. وعلى قراءة إذا متنا بهمزة على صورة الخبر فيجوز أن يكون
استفهاما حذفت منه الهمزة لظهورها ويجوز أن يكون خبراً، و المقصود منه
الاستبعاد. والعامل في إذا جواب المحذوف وتقديره نرجع
ودل عليه قوله ذلك رجع بعيد. |
|
|
وقوله: {قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الأَرْضُ مِنْهُمْ} رد
لاستبعادهم الرجع لأن من كان عالما بذلك كان قادرا على رجعهم، وقوله: {وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ} جملة حالية. وبل في قوله: {بَلْ كَذَّبُوا
بِالْحَقِّ} للإضراب الانتقالي من بيان شناعتهم السابقة إلى بيان ما
هو أشنع منه وأفظع، وهو تكذيبهم بالقرآن الثابت. وقوله:
{لَمَّا جَاءَهُمْ} على قراءة الجمهور
أي حين جاءهم بمعنى أنهم سارعوا بتكذيبه من غير تفكر وتأمل. وعلى
قراءة {لما} بكسر اللام والتخفيف،
فاللام فيه للتوقيت وما مصدرية والمعنى كذبوا به وقت مجيئه إياهم. والفاء في
قوله: {فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ}
للسببية. |
|
|
المعنى الإجمالي: |
|
|
هذا تحد لكم يا أرباب الفصاحة
والبيان، تعجزون عن محاكاته والإتيان بمثله، مع أنه منظوم من مثل ما تنظمون منه كلامكم. وأقسم
بكلامي الكريم الشريف العظيم المبارك المشتمل على خيري الدنيا والآخرة إن محمدا لرسول وإن الساعة لآتية. لقد استغرب هؤلاء الكفار وأنكروا أشد الإنكار لمجيء رسول عظيم يبلغهم عن ربه،
ويعلمهم ويخوفهم، وهو من جنسهم في البشرية، ونوعهم في العربية والأمية. فقالوا هذا أمر غريب. أحين نموت ونبلى ونصير
ترابا نرجع؟ ذلك رد مستبعد لا يخطر بالبال ولا يدور في
الخيال. |
|
|
قد علمنا ما أبلته الأرض
من أجسادهم، والحال أن لدينا سجلا حاويا لما تبليه الأرض منهم ومتى تبليه وأين
تبليه؟ بل لهؤلاء شناعات أفظع من هذا وهو تكذيبهم
بالقرآن الثابت المعجز فسبب لهم هذا التكذيب اضطراب الأفكار، وفساد النفوس. |
|
|
ما ترشد إليه الآيات: |
|
|
1- تحدي العرب بالقرآن. 2 - بيان شرف القرآن وكثرة خيره. 3 - استغراب الكفار لمجيء الرسول منهم. 4 - بيان سبب الاستغراب. 5 - أن الكذب لا
يأتي بخير. 6 - الكفار ينكرون البعث. 7 - قدرة الله على البعث. 8 - علم الله بكل
ما يبلى من الموتى. 9 - تدوينه في
كتاب. 10 - اضطراب
الكفار وفساد رأيهم. |
|
|
قال تعالى:{أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ
بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ وَالأَرْضَ
مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ
زَوْجٍ بَهِيجٍ
تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ
وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً
مُبَارَكاً فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ
لَهَا طَلْعٌ نَضِيد رِزْقاً لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ
بَلْدَةً مَيْتاً كَذَلِكَ الْخُرُوجُ}. |
|
|
المناسبة:
|
|
|
لما بين أنهم أنكروا
البعث واستبعدوه وذكر تمام قدرته على البعث بالطريق العلمي، شرع في بيان الدليل
المادي الحسي على إمكان البعث ليدفع بذلك في نحر
استبعادهم. |
|
|
القراءة:
|
|
|
قرأ الجمهور {تَبْصِرَةً} بالنصب
وقرئ بالرفع. وقرأ الجمهور {بَاسِقَاتٍ}
بالسين وقرئ باصقات بالصاد. |
|
|
المفردات: |
|
|
{يَنْظُرُوا} يبصروا.
{بَنَيْنَاهَا} رفعناها
بلا عمد. {زَيَّنَّاهَا} جملناها وزخرفناها يعني بالكواكب. فُرُوجٍ
فتوق
وشقوق. {مَدَدْنَاهَا} بسطناها. {أَلْقَيْنَا}
وضعنا. {رَوَاسِيَ} أي جبالا ثوابت. {زَوْجٍ} نوع وصنف. {بَهِيجٍ} أي حسن
المنظر يبهج أي يسر من نظر إليه. {تَبْصِرَةً} أي آية مستمرة منصوبة أمام أبصارهم.
{ذِكْرَى} أي
آية متجددة مذكرة عند التناسي. {مُنِيبٍ} راجع
إلى ربه متفكر في بدائع صنعه. {مُبَارَكا}ً
كثير المنفعة. {جَنَّاتٍ}
أي بساتين وأشجار ذات ثمار. {الْحَصِيدِ}
فعيل بمعنى مفعول والمراد به كل ما يحصد ويقطع بالمنجل من الزرع والنبات الذي له
حب. {بَاسِقَاتٍ}
بالسين أي طوالا. جمع باسقة. {بَاصقَاتٍ}لغة
في باسقات وهي لغة بني العنبر من تميم، يبدلون السين
صادا إذا وليتها قاف أو طاء أو عين أو خاء. {طَلْعٌ} هو ما يبدو
من ثمرة النخل في أول ظهورها. {نَضِيد}
متراكم بعضه فوق بعض. {أَحْيَيْنَا} بعثنا
وحركنا وأنمينا. {مَيْتاً}
جامدة هامدة. وتذكيره باعتبار المكان. وقيل إن ميتا يستوي فيه المذكر
والمؤنث {الْخُرُوجُ}
البعث من القبور. |
|
|
التراكيب:
|
|
|
قوله :{أَفَلَمْ يَنْظُرُوا
إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ} الاستفهام فيه للتوبيخ. والفاء للعطف على محذوف
تقديره: أعموا فلم ينظروا. وقوله
{فَوْقَهُمْ} منصوب
على الحال من السماء وهي حال مؤكدة . وقوله {كَيْفَ
بَنَيْنَاهَا} كيف منصوبة ببنيناها على
الحال. وجملة بنيناها بدل اشتمال من السماء. وقوله وَمَا {لَهَا مِنْ فُرُوجٍ} الواو
للحال، وقوله {وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا}
معطوف على موضع إلى السماء المنصوب بينظروا. والتقدير وأفلم ينظروا
الأرض. ويجوز أن ينصب على تقدير (ومددنا الأرض) وقوله {تَبْصِرَةً} بالنصب
مفعول من أجله، والعامل فيه {كَيْفَ بَنَيْنَاهَا}
وذكرى معطوف عليه أي للتبصرة
والتذكير. وقيل منصوبان بفعل مقدر من لفظهما أي بصرناهم تبصرة وذكرناهم ذكرى.
وقيل هما حالان من فاعل بنينا ومددنا أي مبصرين
ومذكرين. أو حال من المفعول أي ذات تبصرة وتذكير لمن
يراها. وعلى قراءة الرفع هي خبر لمبتدأ محذوف أي هي تبصرة وذكرى. هذا ويجور أن يكون قوله تبصرة
راجعا إلى السماء وقوله ذكرى راجعا إلى الأرض. فالسماء للتبصرة
والأرض للتذكرة. ويجوز أن يكون كل واحد من المصدرين
موجودا في كل واحد من الأمرين. وقوله {لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ}
متعلق بكل من المصدرين. وقوله {وَحَبَّ الْحَصِيدِ} فيه حذف الموصوف وإقامة الصفة
مقامه للعلم به والتقدير: وحب الزرع الحصيد. وإنما خص
الحب بالذكر لأنه المقصود المهم بالإنبات. وقوله باسقات: حال من النخل مقدرة. لأنها وقت الإنبات لم
تكن طوالا. وإنما خص النخل بالذكر لفرط ارتفاعها وكثرة
منافعها، ولذلك شبه رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلم بها، ولأنها أيضا مع
فرط طولها دقيقة الجذور جدا فكانت لذلك آية خاصة. وقوله {لَهَا طَلْعٌ نَضِيد} الجملة حال من الضمير في باسقات
على التدخل أو حال أخرى من النخل. وقوله {رِزْقاً
لِلْعِبَادِ} يجوز أن يكون قوله رزقا مفعولا لأجله والعامل فيه
أنبتنا وللعباد صفة له، ولم يقيد العباد بوصف الإنابة كما تقدم في قوله {لِكُلِّ
عَبْدٍ مُنِيبٍ}
لأن الرزق لعموم العباد، أما التبصرة والتذكرة فلا ينتفع بها إلا المنيبون، وقيل إن رزقا
مصدر من معنى أنبتنا. لأن النبات رزق. وقوله {كَذَلِكَ
الْخُرُوجُ} كذلك خبر مقدم والخروج مبتدأ مؤخر وإنما قدم لإفادة الحصر
ومرجع الإشارة إلى الحياة المستفادة من الإحياء. |
|
|
المعنى الإجمالي: |
|
|
أعموا فلم يمدوا أعينهم إلى السماء
حالة كونها فوق رؤوسهم يسهل النظر إليها، فلم ينظروا إلى كيفية بنائها وعجيب
صنعها، وجميل زخرفتها، والحال أنها خالية من الصدوع
والشقوق، مع ضخامتها واتساعها وارتفاعها بغير عمد، وكذلك أغفلوا فلم ينظروا
الأرض. لقد
بسطناها ووضعنا فيها جبالا ترسيها حتى لا تميد بالناس وأنبتنا فيها من كل نوع
يدخل البهجة والسرور على من ينظر إليه. لقد فعلنا ذلك. ليكون
آية مستمرة منصوبة أمام أبصارهم وآية متجددة مذكرة عند التناسي، ينتفع بها كل
عبد صالح. وأكثرنا من إنزال الماء العظيم المنافع إلى الأرض فأنشأنا به بساتين
وأشجارا كثيرة وحب الزرع الذي يحصد ويقطع بالمناجل وتنال منافعه. وأيضا أنبتنا
النخل حالة كونها طوالا وحال كونها لها ثمر في أول ظهوره متراكم ملتصق بعضه ببعض
بداخل الكفرى كحب الرمان. لقد فعلنا هذا لأجل رزق
العباد، وبعثنا بهذا الماء بلدة جامدة هامدة. كذلك بعث العباد من قبورهم يوم
القيامة. |
|
|
ما ترشد إليه الآيات:
|
|
|
1- وجوب النظر والتدبر في السموات والأرض. 2 - توبيخ من لم ينتفع بنظره. 3 - أن السماء مبنية. 4 - أنها محكمة.
5 - نصب الآيات الدائمة والمتجددة أمام الأبصار. 6 - لا يتذكر إلا المنيبون. 7 -
في النخيل آية ظاهرة على قدرة الله. 8 - أن رزق المؤمن
والكافر على الله. 9 - في إحياء الأرض الجامدة الهامدة بسبب المطر آية واضحة
للقدرة على إحياء الموتى. 10 - تهويل أمر البعث. |
|
|
قال تعالى: { كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ وَعَادٌ
وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ
الأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ }. |
|
|
المناسبة:
|
|
|
لما بين فيما سبق أن الكفار كذبوا
بالحق لما جاءهم ذكر بعض الأمم المكذبة برسلها تسلية لرسول الله صلى الله عليه
وسلم وتهديدا لقريش وتقريرا لحقية البعث ببيان اتفاق
كافة الرسل عليه وتعذيب منكريه. |
|
|
القراءة: |
|
|
قرأ الجمهور {الأَيْكَةِ} بلام
التعريف. وقرئ {ليكة}
بوزن ليلة. وسها أبو حيان - عفا الله عنه - فعكس ونسب
القراءة الأخيرة إلى الجمهور. |
|
|
المفردات:
|
|
|
{الرَّسِّ} تطلق
على معان منها الحفر والدس ودفن الميت والرزّ والبئر المطوية بالحجارة،
والمراد بها هنا بئر كانت لبقية من ثمود كذبوا نبيهم ورسوه
في بئر أي دفنوه بها. {إِخْوَانُ لُوطٍ} أي قوم لوط والمراد بالأخوة هنا
الخلطة والمصاهرة لأنه عليه السلام خالطهم وتزوج منهم لكنه ابن هاران أخي إبراهيم عليه السلام وأصله من بابل بالعراق وهو
مهاجر إلى فلسطين ثم نزل سادوم وعامورة
من دائرة الأردن وأرسله الله إلى أهلها. {تُبَّعٍ}
رجل صالح من أهل اليمن يقال له: تبع الحميري
كان قبل ولادة النبي صلى الله عليه وسلم بتسعمائة سنة. روى عن ابن عباس أنه قال:
كان تبع نبيا. وقالت عائشة كان رجلا صالحا. وقد دعا
قومه إلى الإسلام فكذبوه فأهلكهم الله {فَحَقَّ} فوجب
وثبت وحل عليهم . {وَعِيدِ} أي وعيدي بالعقاب لهم. |
|
|
التراكيب:
|
|
|
قوله
{كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ} استئناف وارد لتقرير حقية البعث. وإنما أنث الفعل لمراعاة معنى القوم لأنه بمعنى
الأمة أو الجماعة. وقوله {كُلٌّ
كَذَّبَ الرُّسُلَ} التنوين في كل عوض عن المضاف إليه والتقدير كل
واحد أو كل قوم منهم. وإنما أفرد الضمير في {كَذَّبَ} لملاحظة لفظ كل. وإنما نسبهم إلى
تكذيب جميع الرسل لأن رسالة الرسل واحدة في الدعوة إلى التوحيد والبعث فتكذيب
واحد منهم تكذيب لجميعهم. ومن قال إن "تبعا"
لم يكن نبيا فيكون تكذيب قومه للرسل بالواسطة وذلك لأن قوم تبع كذبوا الرسول
الذي دعاهم تبع إلى شريعته بواسطة تكذيبهم لتبع. |
|
|
المعنى الإجمالي:
|
|
|
جحدت قبل قريش جماعة نوح وأهل
البئر المطوية من بقية ثمود، وثمود وأهل الأحقاف
وفرعون مصر وأصهار لوط، وأهل مدين أصحاب الأشجار الكثيرة. وجماعة
تبع. كل واحد من هؤلاء المذكورين جحد الرسالة وأنكر
البعث فاستحقوا كلمة العذاب، ونزل بهم أليم العقاب. |
|
|
ما ترشد إليه الآيات: |
|
|
1
- اتفاق الرسل على البعث. 2 - إنكار
الأمم السابقة للبعث. 3 - تكذيب رسول واحد تكذيب للرسل
كلهم. 4 - تدمير من كذب بالبعث. |
|
|
قال تعالى: {أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ
مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ وَلَقَدْ
خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ
الْوَرِيدِ إِذْ يَتَلَقَّى
الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ
رَقِيبٌ عَتِيدٌ} |
|
|
المناسبة:
|
|
|
بعد أن ذكر الله بعض
البراهين الدالة على البعث ساق هذه الآيات على سبيل الاستئناف المقرر لصحة البعث
الذي حكيت أحوال المنكرين له من الأمم المهلكة. وفيها أيضا إقامة حجة واضحة
وبراهين جلية للدلالة على البعث وتوبيخ الكفار الذين ينكرونه. |
|
|
القراءة:
|
|
|
قرأ الجمهور {يَلْفِظُ}بفتح الياء مبنيا
للفاعل وقرئ بضم الياء مبنيا للمفعول. |
|
|
المفردات: |
|
|
{أَفَعَيِينَا} من عيى
بالأمر كرضى إذا عجز عنه ولم يطق إحكامه، أي أفعجزنا. {بِالْخَلْقِ الأَوَّلِ} هو إنشاء الإنسان من تراب ثم
من نطفة ثم من علقة على التدريج. {لَبْسٍ} خلط
وشبهة وحيرة وشك. ومنه الحديث: "فخفت أن يكون قد
التبس بي" أي خولطت ومنه قول علي رضي الله عنه: يا جار : إنه لملبوس
عليك الحق . اعرف الحق تعرف أهله، والعرب يقولون: في
رأيه لبس، أي اختلاط. {خَلْقٍ جَدِيدٍ} يعني البعث: {الإِنْسَانَ}المراد
به الجنس. {تُوَسْوِسُ}تحدث فالوسوسة هنا حديث النفس وما يخطر بالبال. وأصل الوسوسة
الصوت الخفي ومنه وسواس الحلي. والجامع بين المعنى
اللغوي والمعنى المراد هنا هو الخفاء في كل. {أَقْرَبُ} المراد من القرب هنا قرب العلم بفرينة اقترانه بالعلم في الأية ،فهو كمعنى المعية بالسمع والبصر والعلم. وقيل المراد: قرب الملكين.
وهذا بعيد. {حَبْلِ} يعني
عرق. {الْوَرِيدِ} هو
عرق كبير يجري فيه الدم ويصل إلى كل جزء من أجزاء البدن. ويكتنف صفحتي العنق. وهو
في القلب الوتين وفي الظهر الأبهر
وفي الذراع والفخذ الأكحل وعرق النسا، وفي الخنصر الأُسيلم.
{يَتَلَقَّى} يأخذ
ويثبت. {الْمُتَلَقِّيَانِ} الملكان الموكلان بالإنسان. {قَعِيدٌ} أي مقاعد
كجليس بمعنى مجالس. ويحتمل أن يكون قعيد بمعنى قاعد وإنما عدل من فاعل إلى فعيل للمبالغة. {يَلْفِظُ}يرمي من فمه من خير أو شر. {لَدَيْهِ}
عنده. {رَقِيبٌ}حافظ يرقب قوله ويكتبه. {عَتِيدٌ}حاضر معد مهيأ لكتابة ما يصدر عنه. |
|
|
التراكيب: |
|
|
قوله
{أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الأَوَّلِ} الهمزة للاستفهام الإنكاري
بمعنى النفي. والفاء للعطف على مقدر ينبئ عنه العى من
القصد والمباشرة. كأنه قيل أقصدنا الخلق الأول فعجزنا
عنه حتى يتوهم عجزنا عن الإعادة؟ والباء بمعنى عن.
وقوله {بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ
مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ} بل
فيه للعطف على مقدر يدل عليه الحال كأنه قيل ليسوا في لبس من الخلق الأول بل هم
في لبس من خلق جديد . وفي هذا توبيخ لهم، وإقامة للحجة عليهم حيث أقروا بالخلق
الأول وترددوا في الخلق الثاني الذي هو البعث ,مع أنه
في الأذهان أهون ، لأن الأول إيجاد من العدم والثاني من موجود . وقوله {وَنَعْلَمُ مَا
تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ} الواو للحال ونعلم خبر لمبتدأ محذوف
تقديره نحن أي ونحن نعلم والجملة في محل نصب على الحال المقدرة، ويجوز أن تكون
مستأنفة. و {مَا} يجوز أن تكون موصولة
والضمير في به لما، والباء قال أبو السعود: زائدة كما
في صوت بكذا. ويجوز أن بكون ما مصدرية قالوا والباء حينئذ يجوز أن تكون زائدة والتقدير ونعلم وسوسة نفسه
إياه. أو للتعدية والتقدير ونعلم وسوسة نفسه له. والضمير للإنسان لأنهم يقولون:
حدث نفسه بكذا كما يقولون حدثته نفسه بكذا فجعل الإنسان مع نفسه كشخصين تجري بينهما
مكالمة ومحادثة، فتارة يحدثها، وتارة أخرى تحدثه. وقوله {حَبْلِ الْوَرِيدِ} الإضافة فيه بيانية كقولهم بعير سانية. وقوله {إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ} العامل في إِذْ أقرب بما فيها من معنى الفعل. والمفعول
محذوف والتقدير يتلقى المتلقيان ما يعمله. وقيل إذ منصوب باذكر
مقدرا وهو مستأنف لتقرير مضمون ما قبله. ويجوز أن يكون
تلقي الملكين بيانا للقرب على معنى نحن أقرب إليه مطلعون على أعماله لأن حفظتنا
وكتبتنا موكلون به. وقوله ((عن اليمين وعن الشمال قعيد)) قعيد مبتدأ وخبره ما
قبله، والجملة في محل نصب على الحال من {الْمُتَلَقِّيَانِ}ولم
يقل قعيدان لأن فعيلا يستوي فيه الواحد والمثنى والجمع كما في قوله تعالى:{ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ} فهو
مفرد أريد منه المثنى وهذا مذهب الفراء وعليه فلا يحتاج إلى تقدير. قال أبو
حيان: والأجود أن يكون حذف من الأول لدلالة الثاني عليه والتقدير: عن اليمين
قعيد يعني وعن الشمال قعيد كما قال الشاعر: |
|
رماني بأمر كنت منه ووالدي
|
بريئا ومن أجل الطوى
رماني
|
|
أي كنت منه بريئا ووالدي بريئا. ومذهب المبرد أن التقدير عن اليمين قعيد وعن الشمال
فأخر قعيد عن موضعه. وقوله {مَا يَلْفِظُ مِنْ
قَوْلٍ} {مِنْ} زائدة
لاستغراق النفي داخلة على المفعول. والفاعل على ضمير يعود على
الإنسان على قراءة الجمهور. وأما من قرأ {يَلْفِظُ}بالبناء للمفعول فنائب
الفاعل من قول. |
|
|
وقوله {لَدَيْهِ
رَقِيبٌ عَتِيدٌ}لديه خبر مقدم ورقيب مبتدأ مؤخر والجملة في محل نصب
على الحال . فإن قيل: قد علم
من قوله إذ يتلقى المتلقيان الآية.. أنهما يحفظان أعماله فما فائدة قوله {مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ} الآية؟ . أجيب بأنه يعلم من الآية الثانية أن الملكين مُعِدان لذلك
بخلاف الأولى فإنه لا يعلم منها ذلك. وأيضا في الثانية
التصريح بأن الملك يضبط كل لفظ ولا يعلم ذلك من الأولى. هذا
وإذا كان على اللفظ رقيب عتيد فمن باب أولى أن يكون على الفعل. |
|
|
المعنى الإجمالي: |
|
|
أقصدنا إيجاد الإنسان لأول
مرة من العدم فعجزنا عنه حتى يتوهم عجزنا عن الإعادة؟ . هم
ليسوا بمنكرين لهذا الخلق الأول بل هم في خلط وشبهة وحيرة كشك من الإعادة. مع أن الإعادة أهون في الأذهان من البدء. فما أحراهم بالتوبيخ والإنكار؟ ولقد
أوجدنا الإنسان ونحن نعلم خطرات نفسه ونحن أعلم به منه. ومع ذلك يأخذ ويثبت
ملكان جميع ما يعمله، عن اليمين مجالس وعن الشمال مجالس. ما
يرمي من كلمة في خير أو شر إلا عنده ملك يحفظها ويدونها في صحيفته. وهذا الملك
معد مهيأ لذلك وهو حاضر معه. |
|
|
ما ترشد إليه الآيات: |
|
|
1
- تقرير صحة البعث. 2 - توبيخ الكفار على
الإقرار بالخلق الأول واضطرابهم في الإعادة. 3 إحاطة
علم الله بهواجس الأنفس. 4 أن الله أعلم بالإنسان
من نفسه. 5 - تربية الخوف والمهابة من الله عز وجل. 6 - سكون قلوب الصالحين وأنسهم به. 7 - أن على
الإنسان كاتبين يثبتان ما يعمل من خير أو شر. 8 - كل ما يقوله الإنسان مسجل عليه. |
|