طباعة

 توثيق النص

 

 

 

 

دعوة التضامن الإسلامي وأثرها في العالم

بقلم عبد القادر بن حبيب الله السندي: خريج كلية الشريعة بالجامعة

 

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فلقد شاهدت عند الملتزم في موسم حج هذا العام 1393 ضيفاً كريماً من ضيوف الرحمن وهو يرفع يديه بالضراعة إلى الله- عز وجل- وعيناه تذرفان من شدة الفرح، وقد ظهر لي من منظره ذلك أن له أملاً كبيراً وقد تحقق وجاء هنا لكي يطلب الزيادة من مولاه جل وعلا، ولقد شاهدته مراراً، وتكراراً في هذا المكان المقدس خصوصاً في أواخر الليل.

ولقد علمت من خلال دعائه الطويل العريض بذلة وخشوع وخضوع ومحبة لمولاه جل وعلا أنه يحمل في قلبه الفياض الكبير محبة كبيرة، ومشاعر رقيقة، وعواطف نبيلة، وأماني سعيدة نحو جلالة عاهل المملكة العربية السعودية أمير المؤمنين الإمام فيصل بن عبد العزيز آل سعود العظيم حفظه الله تعالى وتولاه، ورعاه، هذا الإنسان الكريم الذي سيسجل له التاريخ الإسلامي العظيم صفحة مباركة خالدة لعمل خالد مبارك عظيم قام به وتهيأ له بكل إمكانياته، واستعداداته المادية والمعنوية.

نعم بقي الرجل أياماً وليالي باكياً أحياناً، وخاضعاً وخاشعاً في أحايين أخرى وهو يردد في دعائه ( اللهم سدد فيصلاً، ووفقه واجمع به كلمة المسلمين على الحق والهدى والمحبة لكي يعم به الخير، والبركة في ربوع العالم كله ) ولم يكن نداؤك هذا الذي نادى إليك خليلك وصفيك إبراهيم عليه الصلاة والسلام بأمر منك في قولك ( وقولك حق، وصدق، وعدل ) {وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيق ِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَات}[1] .

ولقد وجدته إنسانا كريماً وداعية مخلصاً يحمل فكرة سامية لها معانيها الأصيلة وآثارها الطيبة، وأبعادها العظيمة، فصليت بجانبه لكي أتعرف عليه قبل أن يغادر الأرض المقدسة. وكنت أسارقه النظر وقتاً فوقتاً لمحبتي له وبعد انتهاء الفريضة مد يمينه لمصافحتي، فصافحته شاكراً له هذه المبادرة الطيبة، ومرحباً به. وأثناء هذه المصافحة بادلني عبارات الحب والوئام فشكرته أجزل الشكر فرأيته وعيناه تسكب الدموع والعبرات، وهو يحاول أن يخفي عني ما في نفسه من آمال كبيرة، وأحلام سعيدة، ولم يكن بكاؤه ذلك إلا كبكاء الصديق رضي الله تعالى عنه عندما جاءه الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم في الظهيرة وقت هجرته صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة، ذلك البكاء الذي تقول عنه الصديقة بنت الصديق رضي الله عنهما في حديث طويل لها أخرجه محمد بن إسحاق في السيرة .

قالت:" كان لا يخطئ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتي بيت أبي بكر أحد  طرفي النهار، إما بكرة، وإما عشية حتى إذا كان يوم الذي أذن فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم في الهجرة، والخروج من مكة من بين ظهراني قومه، أتانا رسول الله عليه وسلم بالهاجرة في ساعة كان لا يأتيها، ثم قالت رضي الله تعالى عنها: فقال أبو بكر: الصحبة يا رسول الله، قال: الصحبة، قالت: فوالله ما شعرت قط قبل ذلك اليوم أن أحداً يبكي من الفرح حتى رأيت أبا بكر يبكي يومئذٍ ثم ذكرت الحديث بطوله"[2] قلت: هذا هو الشاهد من إيراد هذه القصة المباركة.

بأن بكاء هذا الرجل كان كبكاء الصديق رضي الله عنه في فرحه واستبشاره. فلم يكن منه حفظه الله تعالى إلا أن أخذني إلى جانب من جوانب الحرم المكي الفسيحة وهناك جلس معي بجلسته المتواضعة، وكأن هذا الموضع هو الذي خصصه لنفسه، لأنه كان يرمي طرفه كله إلى البيت العتيق لكي يتحنث فيه - وهو التعبد الليالي ذوات العدد[3] فبدأ بحديثه الممتع بعد كلام قصير عرّفني فيه نفسه فقال: يا بنيّ:منذ أن شددت الإزار، وأنا في أقصى الأرض أشاهد العالم الإسلامي، وحالة المسلمين الاجتماعية، والثقافية، والسياسية، وغير ذلك من الأمور العظيمة التي دعا إليها الإسلام، فلا أجد لها أثراً كبيراً بارزاً على هذا العالم فضلاً عن العالم الإسلامي إلا في بعض الأجزاء، في عصور مختلفة.

أقرأ القرآن الكريم والسنة الصحيحة النبوية، والتاريخ الإسلامي الصحيح، فأجد فيها نوراً مبيناً، وبرهاناً واضحاً ونظاماً عالمياً، وسياسة حكيمة، وعقيدة صافية نقية، وأخوة كريمة، ودعوة سامية، وعلماً نافعاً ينفع في الدين والدنيا، ثم أتعمق في صفحات التاريخ الإسلامي مرة ثانية فأجد فيه تطبيقاً كاملاً، وموافقة تامة لما في هذين المصدرين العظيمين في تلك العصور الذهبية التي توالت، وتتابعت على الإنسانية، فكانت هذه العصور غرة في جبين التاريخ الإسلامي الحافل لأن العلم الصحيح كان فيها بارزاً في حياة المسلمين. وكانت له سيادة، وقيادة، وإمامة، وما كان الشيء يتحرك سواء كان كبيراً، أو صغيراً إلا بأمره، وإشارته، فوجدت يا بنيّ مطابقة كاملة، وتطابقاً كلياً بين آيات القرآن الحكيم والسنة  النبوية المطهرة الصحيحة، والتاريخ الإسلامي الصحيح.                                                  

وجدت في التاريخ حوادث عجيبة في النظام، والأمن، والاستقرار، والهدوء والأخوة والمحبة لا نظير لها فيما شاهدت منذ أن تحسست هذا الشعور، وحملت هذه الفكرة، فكان هذا التناقض الخطير بين حياة المسلمين الحالية وبين ما في الكتاب العزيز والسنة النبوية، والتاريخ الإسلامي في تلك العصور المشار إليها أقلقني جدا، وحيرني، ولقد عرفت الأسباب الأساسية لهذا التناقض تماما، والتي تكلم عنها، وأشار إليها أدباء المسلمين في عصرنا، في كتبهم ومقالاتهم، ومؤتمراتهم، واجتماعاتهم وكلٌ حسب طاقته، واستعداده. ولكن لا جدوى لأن القوة الباغية كانت أقوى بكثير ، لأنها تملك وسائل الدعاية الماكرة التي لا يخفى أمرها على العالم كله، فضلا عن المسلمين والتي كسرت شوكة العرب في معارك دامية بينهم وبين عدوهم، وشتتت شملهم، وفرقت قلوبهم وقتلت شبابهم وأرواحهم فأتت بفساد كبير في الأخلاق والآداب وغير ذلك في المجتمع الإنساني فضلا عن المجتمعات الإسلامي وغيرها، ولم يتنبه لها إلا قليل من النفر الصادقين المخلصين، وقد غزت ديار المسلمين بشكل فظيع، وفلّست البلاد والعباد، وأفسدت الشباب، وحطمت الاقتصاد وانتهكت الحرمات والمقدسات إلى غير ذلك من الأمور الهائلة. وقد بدأ الرجل بحديثه هذا عن الشيوعية والاشتراكية، والصهيونية فأتى بمعلومات خطيرة وأثبت أنها فكرة الأعداء السياسية، وسلاحها الوحيد ضد الأمة الإسلامية،  وكان ظهورها بين صفوف المسلمين لعدم تطبيق النظام الإسلامي العظيم الخالد الذي - لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد - ذلك النظام العالمي الرفيع الذي إن طبقه المسلمون كما جاء عن الله تعالى على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم تضمحل تلك الدعوات الهدامة تلقائياً دون الحاجة إلى وسائل دعاية أخرى تقوم بضدها، ولكن يا بنيّ: قد عرف العرب تماما الآن - فيما أشعر - أنهم كانوا في غمرتهم، وسكرتهم فيما مضى من الوقت. ولقد تنبهوا الآن أن أمامهم قوة هائلة باغية تتفق مع ما بينها من الخلاف على أنها في ميدان واحد، ومعركة واحدة وهي المحاربة الشديدة التي لا هوادة فيها لرسالة الإسلام الخالدة ولقد امتلكت هذه القوة الباغية وسائل دعاية كبيرة جداً فوق ما يتصوره الإنسان. إلا أنني متفائل الآن بحول الله وقوته في أمر عظيم وهو أن الله تعالى وفّق هذا الرجل العظيم عاهل هذه البلاد المقدسة - فيصل بن عبد العزيز حفظه الله - فأنزله بتوفيقه إياه، وسداده له في هذا الميدان العظيم وهو لا يحمل في نفسه الكبير الفياض إلا حباً عظيماً للإنسانية كلها فضلا عن المسلمين.

فإذا كان يا بنيّ: جاز لأعداء الإنسانية - ولا أقول أعداء الإسلام في كل مكان - أن يعملوا بكل طاقتهم وإمكانياتهم بالفساد، والإفساد والتخريب، والهدم ويتمثل هذا في الأسلحة الفتاكة التي صرف عليها من المبالغ الهائلة التي لا يمكن حصرها والتي تدمر الإنسانية وغيرها في لحظات قليلة - انظروا إلى أرض هيروشيما اليابانية التي كانت قبل الدمار تأتي بالخيرات العظيمة من الحرث والنسل انظروا إليها الآن ماذا حصل لها من الدمار والخراب ولا تأتي بشيء إلا أنها تلعن بلسان حالها من عاملها هذه المعاملة السيئة القبيحة، وإلى مثل هؤلاء يشير القرآن الكريم: {وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ}[4] فإذا كان جاز لهؤلاء أن يعملوا هذا، وذاك - وحالة شعوبهم معروفة لدى العالم كله من النواحي الاجتماعية، والأخلاقية، والثقافية، وغيرها من النواحي الحساسة في الحياة الإنسانية كلها وكلها فساد، ودمار، وخراب - فكيف لا يجور للمسلمين أن يوحدوا صفوفهم وكلمتهم على الحق، والهدى ويتضامنوا على نصر الحق، والعدالة وغير ذلك من المعاني السامية العظيمة التي يكمن وراءها كل خير، وتقدم، وازدهار لجميع شعوب الأرض، ويمثلهم في هذا العمل المبارك هذا المؤمن بربه جل  وعلا المخلص لوحدة المسلمين وتوحيد كلمتهم على الرشاد والهداية والإيمان والمساواة والأخوة الصادقة، والداعي لتضامن المسلمين لكي يرجعوا إلى دينهم الذي ارتضى لهم ربهم جل وعلا، ذلك الدين الخالص الذي أكرم الله به العالم كله، والذي أتى بنظام عادل موافق للطبيعة البشرية جمعاء، لماذا لا ينشط لهذه الدعوة الكريمة و يتشجع لها، وقد فتح الله له هذه الأموال المدفونة في هذه الأرض المقدسة، فعمر بلاده وأمته في ضوء ما تعلم، وأخذ عن هذه الرسالة الخالدة، فالإيمان الكامل برب هذا الكون هو الذي جعل الرجل المثالي يقف هذا الموقف العظيم الشامخ أمام من يقف في طريقه، ومنهجه، وسبيله، ولقد عرفت يا بنيّ أنه لا ينام الآن إلا قليلاً لأنه يحمل فكراً كبيرًا، ومخططاً سامياً، ومنهجاً عظيماً لكي ترجع هذه الأمة المجيدة - الأمة الإسلامية - إلى مجدها السالف، وثقافتها العالمية، وعقيدتها الراسخة، وقوتها البارعة، وعلمها المتين، وأخلاقها الفاضلة، وآدابها المرضية، وكرامتها المفقودة لكي يقف مرة ثانية موقفاً مباركاً من هذا العالم فتسير سيراً حثيثاً مباركاً نحو المجد الحقيقي الذي أشار إليه القرآن الكريم في سوره وآياته غير مرة.                                

{كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ}[5] فالمسلم الآن قريب منه في كل مكان ويدعو له دائماً وأبداً، وكيف لا يدعو له ويتضرع إلى مولاه، وهو صامد في وقفته الرائعة لكي يكمل هذا البناء الراسخ بعلمه الغزير وخلقه النبيل، وأدبه الرفيع وأصالته النسبية، فرأيت الرجل منساقا في هذا الحديث وهو يبكي بكاء فرحٍ واستبشار، ويطيل نظرته إلى البيت العتيق، ويرفع يديه المرة تلو المرة ويقول: اللهم أوجد للمسلمين كياناً مستقلاً من هذا العالم الذي يسير في ركاب الجاهلية الجهلاء، والضلالة العمياء إلا ما شاء الله ذلك الكيان المبارك الذي ستتبعه الدنيا كلها، وتتأثر منه تأثراً عميقاً، فترجع إلى الحق والهدى، وهذا الكيان المنشود قد بدأت بوادره، وظهرت في الأفق معالمه، فمؤتمر لاهور الإسلامي العظيم الذي حضر فيه غالب رؤساء وملوك الأمم الإسلامية، والذي ظهر فيه المسلم الأسود، والأبيض، والعربي والعجمي والأفغاني، والفارسي، والتركي وغيره على مائدة واحدة بعد مضي قرون على تفرقهم بهذا المستوى الأعلى، فكان الفضل الأول بعد الله عز وجل يرجع إلى هذا المخلص الأمين البار، فكان هذا المؤتمر وقبله مؤتمر الدار البيضاء الإسلامي مظهراً مباركاً تجلت فيه الأخوة الإسلامية فوق جميع الاعتبارات وإلى هذا العمل المبارك يشير القرآن الكريم {هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}[6] ، ولقد كنت أستمع إلى الإذاعات العالمية حينئذ فكأنها أصابتها دهشة كبيرة وهزة قوية لما لهذا المؤتمر العظيم من النتائج الخطيرة بالنسبة لهؤلاء الأعداء في المستقبل القريب العاجل إن شاء الله تعالى، فكفى المسلمين هذا الاجتماع المثالي فضلا أن تكون هناك مجالس عامة وخاصة بين أقطاب المسلمين فكروا فيها لأعمال جليلة مباركة تعود على الأمة الإسلامية بالفوائد العظيمة، ولقد أحسست حينئذ بإحساس كبير، وشعور عظيم لمستقبل باهر تجتمع الأمة الإسلامية بكافة إمكانياتها، وطاقاتها لنشر الخير والعدالة، في ربوع العالم كله، ويخلص الله بها البشرية وغيرها من المصائب والحروب والفقر، والمرض، والجهل وغير ذلك من الأمراض الاجتماعية الفتاكة، وبينما الرجل منهمك في حديثه هذا ارتفع صوت حلو عذب من منائر الحرم المكي الشامخة - الله أكبر الله أكبر - فقطع الحديث، ووعد بالبقية في فرصة أخرى وودعني، وذهب لحاجته والوضوء، فأطلت إليه النظر حتى غاب عني، ولقد وجدته مخلصاً في حديثه ذلك العذب، ومتواضعاً في ملبسه الذي كان لا يساوي إلا عدة دراهم معدودة، وزودني بمعلومات قيمة نادرة، وحوادث عجيبة وقعت أمام نظره وبصره، ولقد أجادوأفاد.

 

 

 



([1]) الحج27.

([2]) سيرة ابن هشام 484-485/1 ، وحياة الصحابة للكاندهلوي 319-320/1 كنز العمال334/8.

([3]) كلمة مدرجة من تفسير الزهري للحديث الذي أخرجه البخاري في الجامع الصحيح انظر الفتح 23/1.

([4]) البقرة 205.

([5]) آل عمران (110).

([6]) الأنفال  62- 63.