|
|
الشرك وآثاره على حياة الإنسان
|
بقلم: الشيخ أبي بكر
جابر الجزائري
|
|
|
|
بعد حمد الله تعالى، والصلاة والسلام على نبيه محمد وآله وصحبه،
والتابعين بإحسان. |
|
نتناول دراسة هذا الموضوع بدون تمهيد أو تقديم. |
|
نقول: (الشرك): اسم مشتق من فعل شرك الثلاثي، وأشرك الرباعي، ويطلق على
الكفر بالله تعالى ويطلق على النصيب من الشيء يقال بيع من دار فلان شرك أي حصة
منها ونصيب. وفي التنزيل: {جَعَلا لَهُ شُرَكَاءَ
فِيمَا آتَاهُمَا} (في قراءة نافع) أي نصيبا حيث أطاعا اللعين
وسميا ولدهما كما اقترح عليهما: عبد الحارث (كلمة الحرث مما تسقط ألفها خطا)
والشرك في اصطلاح أهل الكلام: اعتقاد المرء وجود مشاكل لله تعالى في الخلق،
والرزق والتدبير، أو في النفع والضر، والعطاء والمنع وهذا يعرف بشرك الربوبية.
وصرف بعض أنواع العبادة التي تعبد الله بها الناس من دعاء واستغاثة وذبح قربان
ونذر وخوف ورجاء ومحبة وتوكل، وهذا يعرف بشرك العبادة أو الألوهية. وإطلاق بعض
أسماء الله وتعالى وصفاته المختصة به- عز وجل -على مخلوق من مخلوقاته، أو الميل
والإلحاد فيها بتأويلها أو تعطيلها، أو نفيها أوتشبيهها بصفات المحدثين، ويعرف
هذا بشرك الأسماء والصفات. |
|
ويقابل لفظ الشرك: لفظ التوحيد كما يقابل لفظ الشرك ويضاده لفظ الموحد.
ومن الناحية العلمية الإيجابية فإن الشرك من أعظم الذنوب وأخطرها على الإنسان
وتكمن خطورته في أمرين. أولهما: أنه ذنب لا يغقر لمرتكبه إلا بالتوبة منه قبل
موته بخلاف سائر الذنوب فإنها موضوعة تحت المشيئة الإلهية إن شاء الله غفرها
للعبد وإن شاء عاقبه بها وواخذه عليها، دليل ذلك في قول الله تعالى من سورة
النساء {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ
بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ
فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً} كما أن صاحب هذا الذنب إذا لم يتب
منه قبل موته يخلد في النار ولا يخرج منها كما يخرج الموحدون ودليله قوله تعالى،
من سورة المائدة{إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ
فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا
لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ} ، وثانيهما: أنه يحبط الأعمال
الصالحة التي يفعلها العبد قبل توبته منه ومهما كانت وذلك لقوله تعالى: {وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ
قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ
الْخَاسِرِينَ}، وقوله عز وجل: {
وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}. |
|
ولقد صدق من شبه الشرك بالحدث الناقض للطهارة، إذ الطهارة رافعة للحدث
معتد بها صاحبها حتى إذا وجد الحدث أفسدها وبطلت فكذلك الشرك _ والعياذ بالله _
لا يزال العبد في عافية وخير حتى يأتي فعل الشرك أو اعتقاده أو قوله فإذا حصل
منه ذلك كفر وفسد كل عمله وخسر خسرانا لا مزيد عليه، والشرك رافق الحياة
الإنسانية منذ بدايتها؛ لأنه من عمل الشيطان ،والشيطان لم يبرح عاملا على إغواء
الإنسان وإضلاله منذ أن قال لربه جل جلاله وعظم سلطانه {قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي
الأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِين إِلا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ}، غير أن الشرك تجلى
بصورة واضحة كبيرة في الأمة التي بعث الله تعالى إليها عبده ورسوله نوحا عليه
السلام حيث عرفت تلك الأمة الهالكة الشرك وأصرت عليه ودافعت عنه أو وقفت في وجه
دعوة التوحيد تسعمائة سنة أو يزيد، وكان من أشهر شركائها مع الله ود وسواع ويغوث
ويعوق ونسر كما حكى القرآن الكريم عنهم
ذلك في قوله: {وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ
وَلا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلا سُوَاعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً}.
وقد صح في الحديث أن هؤلاء الآلهة المذكورين كانوا رجالا صالحين فلما ماتوا بنوا
على قبورهم وزاروهم وغلوا في زيارتهم حتى عبدوهم مع الله بالتقرب والتبرك مرة
والاستشفاع بهم مرة أخرى. |
|
كما هي الحال في كثير من بلاد المسلمين اليوم حيث عبدت الأضرحة والقباب
والقبور، بالحلف بأصحابها والنذر لهم والذبح عند قبورهم وعلى أرواحهم والاستغاثة
بهم والالتجاء إليهم وما إلى ذلك مما هو محض عبادة لا تنبغي إلا لله رب
العالمين. |
|
وما أن أهلك الله تعالى المشركين
من قوم نوح وأنجى جماعة التوحيد مع نوح عليه السلام وعمرت الأرض بعد حادثة
الطوفان حتى عاد الشرك فظهر في قوم عاد فبعث الله إليهم عبده ورسوله هوداً عليه
السلام فقال: { يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا
لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} ، فما كان منهم إلا أن قالوا {أَجِئْتَنَا
لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ
الصَّادِقِينَ}- تصرفنا - وأهلكهم الله بشركهم وأنجى الموحدين مع هود
وما إن تناسل أولئك الناجون وكثر عددهم حتى عاودهم الشرك وظهر في ثمود من ذريتهم
فأرسل الله إليهم عبده ورسوله صالحاً فدعاهم إلى عبادة الله وحده وخلع ما يعبدون
من دون الله عز وجل، وما كان منهم إلا أن قاوموا دعوته دفاعاً عن باطل الشرك
وانتقم الله منهم وأنجى صالحا ومن معه من الموحدين وظهر الشرك في أرض كنعان
والعراق فبعث الله تعالى إبراهيم خليله فقاوموه بأشد أنواع المقاومة حتى نصره
الله وأهلك أعداءه وفي نفس الوقت كان الشرك يفتك بالبشرية في الصين والهند ومصر
وفي كل مكان يوجد فيه بنو الإنسان والتعليل الصحيح لذلك هو عزم إبليس عدو
الإنسان على إغواء الإنسان وإفساده وإضلاله حتى يهلك كما هلك هو، ويخلد في
العذاب كما خلد هو، غير أن الله تعالى ما زال يبعث رسله إلى كل أمة ظهر فيها
الشرك وعبد فيها غير الله حتى أنه لم تخل أمة من نذير لقوله تعالى: { وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلا خَلا فِيهَا نَذِيرٌ}. |
|
وما أن عمرت مكة المكرمة بجرهم
أخوال إسماعيل بن إبراهيم حيث تركه إبراهيم بمكة مع والدته هاجر ونزل عليهما قوم
من العرب وهم قبيلة جرهم وتزوج إسماعيل منهم وولد له وكثر أولاده وبعثه الله
فيهم رسولا فعبدوا الله تعالى ووحدوه ولكن ما إن مات إسماعيل والصالحون من
أولاده وأحفاده حتى عاد الشرك إلى العرب العدنانيين وغيرهم من القحطانيين في
جزيرة العرب وأول ما عرفوا عبادة الأصنام والتماثيل كان من طريق عمرو بن لحي حيث
حمل إليهم أصناما من أرض الشام فعبدوها تحت شعار التقرب بها إلى الله تعالى،
والاستشفاع بها لدى الله عز وجل إذ قالوا { مَا
نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى}، وقالوا
{ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ}،
كما هو مبين في القرآن الكريم وبعث الله رحمته إليهم محمداً صلى الله عليه وسلم
فدعاهم إلى عبادة الله وحده وخلع كل ما يعبد سواه وبعد صراع مرير وعراك طويل
عرفه الناس أجمعون نصر الله دعوته ورسوله وعباده الموحدين وامتد ظل التوحيد
الخالص فغمر أصقاعا شاسعة من المعمورة وعاش المسلمون في الشرق والغرب زمناً
موحدين مخلصين لا كدر في قلوبهم ولا غبار على عقيدتهم. |
|
ثم في غفلة من العلماء، وإضطرابات
في السياسة والحكم كر الشيطان على هذه الأمة ناقما عليها أشد نقمة فشرق في
ديارها وغرّب وجال جولته فيها وصال وعاد بها إلى أسوأ من الجاهلية الأولى شركا
ووثنية فعبدت الأشجار والأحجار، والأضرحة والقبور والقباب، والمزارات فكم ذابح
لغير الله وكم ناذر لغير الله وكم من مستغيث مستجير بغير الله وكم من داع ضارع
خاشع أمام قبر، أو ضريح، وكم حالف مقسم معظم غير الله تعالى وكم وكم وكم وكل ذلك
باسم التبرك والاستشفاع والتوسل وهو شرك جلي لا خفي وأكبر وليس بأصغر، ولا
يطلقون عليه اسم الشرك خوفا من لعنة الله ظانين أن الأسماء تغير من الحقائق
ووجدوا علماء جهالا ضلالا يأكلون ويشربون على حساب عقيدتهم فحسنوا لهم الشرك
وزينوه لهم نيابة عن الشيطان فعلموهم الاحتجاج عليه والدفاع عنه، وأنه ليس بشرك
وإنما هو توسل وتبرك واستشفاع، ولا حول ولا قوة إلا بالله. |
|
وساءت أحوال المسلمين السياسية
بسوء أحوالهم الدينية والعقائد فسهل على العدو الكافر المتربص بهم الانقضاض
عليهم والفتك بهم وسلب السلطة والحكم من أيديهم، فما هي إلا سنيات وجل بلاد المسلمين
تحت سلطان الكافرين والمسلمون مستضعفون محكومون مقهورون لا دولة لهم ولا سلطان
كل ذلك من آثار الشرك السيئة على المسلمين، وما إن طلع في الأفق رجال من أهل
التوحيد ينادون بإصلاح العقائد وتطهير النفوس من الشرك والخرافة حتى تحرك
المسلمون نحو التحرر والخلاص من قبضة الكفر ما هذا الاستقلال وإن كان مكبلا
مسلولا إلا من بركة تلك الحركة الإسلامية التي وجدت في ديار المسلمين والتي بدأت
أول ما بدأت به تطهير عقائد المسلمين من الشرك والخرافات ثم انتظمت سائر وجوه
الحياة. |
|
وهكذا من خلال هذه الجولة في تاريخ
البشرية عامة والمسلمين خاصة يتبين للبصير المفكر أن أدوأ الداء هو فساد العقائد
وانحرافها، وأن أنجح دواء هو تطهير العقائد وإصلاحها وأن الكمال البشري والسعادة
الإنسانية متوقفان تماما على عبادة الله تعالى وحده لا شريك له عبادة تشمل طاعة
الله تعالى في كل ما يحب، وفي كل ما يكره مما شرع لعباده وبين لهم في كتابه وعلى
لسان خاتم أنبيائه وإمام رسله محمد صلى الله عليه وسلم، وعليه فمن أراد للمسلمين
كمالا أو عزا أو سعادة فليأخذهم بشريعة ربهم عقيدة وخلقا وسلوكا وحكما وقانونا،
فإنه واصلٌ بهم إلى أوج الكمال وقمة المجد، وسعادة الحال والمآل، ومن أراد ذلك
لهم بغير هذا الطريق فهو عابث مضيع للوقت، ساخر من نفسه ومنهم يقودهم ويقود نفسه
إلى متاهات الحيرة والضلال، وأودية الردى والهلاك، وتلك سنة الله فيمن أعرض عن
ذكره وهداه والله يقول الحق وهو يهدي إلى سواء السبيل، وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين… |