طباعة

 توثيق النص

   التحميل / النسخ (على ملف MS Word)

 

 

 

أضواء من التفسير

للشيخ عبد القادر شيبة الحمد: المدرس بكلية الشريعة

 

 

قال تعالى: { قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ  قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ  قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ  قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ}   

 

المناسبة:

بعد أن قص الله تعالى ما كان من مسارعة  الملائكة لأمر الله بالسجود لآدم وامتناع عدوه إبليس عن السجود. بيّن هنا السبب الذي دعا إبليس للامتناع وهو الاستكبار، وبيّن أن هذا الاستكبار أورثه الذل الأبدي والشقاء السرمدي.

 

القراءة:

قرأ الجمهور {لِمَا} بكسر اللام وتخفيف الميم. وقرئ {لَماّ} بفتح اللام وتشديد الميم. وقرأ الجمهور {بِيَدَيَّ} على التثنية. وقرئ بيدي على الإفراد. وقرأ الجمهور {أَسْتَكْبَرْتَ} بهمزة الاستفهام. وقرئ {استكبرت} بإسقاط الهمزة.

 

المفردات:

{الْعَالِينَ} جمع عال وهو الرفيع الشريف. {خَيْرٌ} أعلى وأفضل. {َاخْرُجْ} أي اهبط. {رَجِيمٌ} أي مطرود. {لَعْنَتِي} أي إبعادي إياك عن الرحمة. {الدِّينِ} الجزاء . وفي المثل: كما تدين تدان. ومنه قول الشاعر:

ولم يبق سوى العدوا.

 

ن دناهم كما دانوا.

{َأَنْظِرْنِي} أمهلني وأخرني. {يَوْمِ يُبْعَثُونَ} يوم القيامة. {الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ} الزمن المعين يعني لبعث الخلائق أو لفنائها.

 

التراكيب:

قوله: {مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ} ما استفهامية للإنكار والتوبيخ. وأن تسجد في تأويل مصدر مجرور بمن المحذوفة قياسا وتقديره: أي شيء منعك من السجود. وما في قوله: {لِمَا} على قراءة الجمهور موصولة بمعنى الذي. وخلقت جملة الصلة والعائد محذوف. وعلى هذا فما مستعملة هنا للعاقل. وقال قوم إنها مصدرية, فهي مع مدخولها في تأويل مصدر بمعنى اسم المفعول يعني لمخلوق بيدي. وعلى قراءة {لَمّا} بالتشديد فهي بمعنى حين، وقوله: {بِيَدَيَّ} إشارة إلى شرف آدم عليه السلام. وقوله: {أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ} على قراءة الجمهور بإثبات همزة الاستفهام المقصود منه الإنكار والتوبيخ. وأم على هذا متصلة معادلة للهمزة.

ونقل ابن عطية عن أكثر النحويين أنها لا تكون معادلة للهمزة مع اختلاف الفعلين كهذه الآية، وإنما تكون معادلة إذا دخلت على فعل واحد كقوله أقام زيد أم عمر وقولك أزيد قام أم عمرو؟ وهذا الذي حكاه ابن عطية فاسد, فجمهور النحاة على خلافه، وفي مقدمتهم سيبويه. وأما من قرأ {استكربت} بإسقاط الهمزة فيحتمل أن يكون الكلام على سبيل الاستفهام أيضا وقد حذفت همزته لدلالة أم عليها كقول الشاعر:

فوالله ما أدري وإن كنت داريا.

 

بسبع رمين الجمر أم بثمان.

وعليه فتكون أم متصلة معادلة للهمزة المحذوفة أيضا. ويحتمل أن يكون الكلام خبرا على سبيل التقريع وأم منقطعة بمعنى بل. والمعنى أنت متعاط للكبر بل أنت من العالين عند نفسك. وهذا على سبيل الاستخفاف والتوبيخ. وقوله: {أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ} جواب للاستفهام وتعليل للمانع من السجود. ويجوز أن يكون استئنافا بيانيا. وقوله: {خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ} مستأنف لبيان الخيرية كأنه سئل ما وجه الخيرية؟ فأجاب: خلقتني من نار وخلقته من طين، أو تعليل لما ادعاه من الفضل. وقوله: {قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا} الفاء فصيحة، والضمير في قوله منها للجنة. وإنما أتى بضميرها - وإن لم يسبق لها ذكر - لشهرة كونه من سكانها. وقوله: {فَإِنَّكَ رَجِيمٌ} تعليل للأمر بالخروج. أي لأنك مطرود من الجنة عليك الذلة والصغار. ولا تكرار بين قوله: {فَإِنَّكَ رَجِيمٌ} وقوله: {وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي} فإن الأول طرد من خصوص الجنة. والثاني إبعاد من عموم الرحمة. وقوله: {إِلَى يَوْمِ الدِّينِ} ليس غاية للعنة تنتهي عنده بل للإيذان بأن اللعنة مع كمال فظاعتها ليست كافية في جزاء جنايته، بل إنه سيلقى يومئذ من ألوان العذاب وأنواع العقاب ما تنسى عنده اللعنة وتصير كالزائل. والفاء في قوله: {فَأَنْظِرْنِي} فصيحة كأنه قال: إذا جعلتني رجيما فأمهلني إلى يوم القيامة. والضمير في {يُبْعَثُونَ} لآدم وذريته, والفاء في قوله: {فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ} لترتيب الإخبار بكونه من المنظرين على قوله: {َأَنْظِرْنِي} كما في قوله: { قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ}. وكما في الشطر الأول من قول الشاعر:

فإن ترحم - فأنت لذاك أهل.

 

وإن تطرد فمن يرحم سواكا

فإن كونه أهلا للرحمة لا يترتب على رحمته الداعي فقط بل هو أهل للرحمة أزلا. فالآية إخبار بالانظار المقدر له أزلا, لا إنشاء لانظار خاص به وقع إجابة لدعائه. قيل إنه طلب تأخير موته إلى يوم القيامة فأخبر بأنه مؤجل إليه لحكمة يعلمها الله. وعليه فيوم الوقت المعلوم هو الوقت الذي قدره الله وعينه لفناء الخلائق. وقيل إن الذي طلبه هو تأجيل العقوبة فأخبر بأنه مؤجل مع المؤجلين إلى يوم القيامة. والله أعلم.

 

المعنى الإجمالي:

قال يا إبليس ما المانع من سجودك لآدم الذي كونته بيدي فنال بذلك شرفا عظيما. أتعاطيت الكبر وأنت لا تستحقه! أم أنت رفيع في ذاتك كبير عند نفسك. قال: أنا خير و أفضل منه أنا مخلوق من نار وهو مخلوق من طين والنار أشرف من الطين. قال أنت لا تستحق الكرامة فاخرج من الجنة لأنك مطرود ذليل ولأنك مبعد من رحمتي. قال: سيدي ومالكي: إذا جعلتني رجيما فأمهلني إلى يوم القيامة. قال: فأنت ممهل مع غيرك إلى الوقت المعين للإماتة أو للعقوبة.

 

ما ترشد إليه الآيات:

1-توبيخ إبليس على امتناعه من السجود. 2- شرف آدم. 3-إثبات اليدين لله عز وجل من غير تمثيل ولا تكييف. 4- تكبر إبليس. 5- إبليس مخلوق من نار. 6- حرمانه من أنواع الكرامة. 7- بيان أنه مؤجل . 8- معرفة الجن لأمر البعث.

 

قال تعالى: {قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ}.

 

المناسبة:

لما ذكر الله تعالى السبب الذي دعا إبليس إلى الامتناع عن السجود وما أورثه ذلك من الذل الأبدي واللعن السرمدي وما كان من تأجيل اللعين، بيّن هنا ما أقسم عليه عدو الله من إضلال الخلائق إلاّ من أخلص لله تعالى، وبيّن حال الضالين.

 

القراءة:

قرأ الجمهور {الْمُخْلَصِينَ} بفتح اللام على صيغة اسم المفعول. وقرئ {المخلِصين} بكسر اللام على صيغة اسم الفاعل وقرأ الجمهور {فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ} بنصبهما. وقرئ برفعهما. وقرئ بجرهما وقرئ برفع فالحق ونصب والحق.

 

المفردات:

{بعِزَّتِكَ} أي بقهرك وسلطانك. {لأُغْوِيَنَّهُمْ} لأضلنهم. {الْمُخْلَصِينَ} بفتح اللام أي الذين أخلصهم الله تعالى لطاعته. وبكسر اللام أي الذين أخلصوا قلوبهم وأعمالهم لله تعالى. {فَالْحَقُّ} إما اسمه تعالى أو هو نقيض الباطل. {مِنْكَ} أي من جنسك وذريتك. {تَبِعَكَ} انقاد لك. {مِنْهُمْ} من ذرية آدم.

 

التراكيب:

قوله:{فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ}الفاء لترتيب مضمون الجملة على الإنظار. والباء للقسم.ولأغوينهم جواب القسم. وقوله:{أَجْمَعِينَ} توكيد للمفعول في {لأُغْوِيَنَّهُمْ} وقوله: {فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ} بنصبهما على أن الأول مقسم به حذف منه حرف القسم فانتصب كقول الشاعر:

إن عليك الله أن تبايعا.

 

تؤخذ كرها أو تجئ طائعا.

وجواب القسم {لأَمْلأَنَّ} وما بينهما اعتراض. وقيل هو منصوب على الإغراء أي فالزموا الحق، ولأملأن جواب قسم محذوف. والحق الثاني منصوب بأقول وقدم عليه للحصر. وأما على قراءة رفعهما فالأول مبتدأ وخبره محذوف أي فالحق قسمي أو هو خبر مبتدأ محذوف والتقدير  أنا الحق أو قولي الحق. ولأملأن جواب القسم محذوف ورفع الثاني على أنه مبتدأ خبره جملة أقول. والرابط محذوف أي أقوله كقراءة ابن عامر {وَكُلاّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى}, وكقول أبي النجم:

قد أصبحت أم الخيار تدعى.

 

علي ذنباً كلّه لم أصنع.

برفع كل ليتأتى عموم السلب وشمول النفي المقصود للشاعر. وأما على قراءة جرهما فالأول مجرور بواو قسم محذوفة والثاني مجرور بالعطف عليه كقولك فوالله والله. وجواب القسم لأملأن. وأقول (اعتراض بين القسم وجوابه) وأما على قراءة رفع الأول ونصب الثاني فتخرج على أن الأول رفع على أنه مبتدأ أو خبر كما تقدم وعلى أن الثاني مفعول لأقول وقدم عليه للحصر أي لا أقول إلا الحق. والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها.

وقوله: {أَجْمَعِينَ} توكيد للضمير في {مِنْكَ} والضمير في {مِنْهُمْ}  والمعنى لأملأن جهنم من المتبوعين والتابعين أجمعين.

 

المعنى الإجمالي:

قال إبليس: فأقسم بسلطانك وقهرك لأضلنهم كلهم إلاّ من أخلصته لعبادتك أو أخلص قلبه لك. قال الله فأنا الحق ولا أقول إلا الحق، لأملأن جهنم من جنسك ومن أتباعك من ذرية آدم لا أفرّق بين متبوع وتابع بل أدخلهم فيها أجمعين.

 

ما ترشد إليه الآيات:

1- اعتراف إبليس بعزة الله مع تكبره. 2- إصراره على إضلال الخلق. 3- يأسه من المخلصين. 4- وعيد الله له بجهنم  مع أتباعه. 5- ستمتلئ جهنم  بالكافرين. 6- أن الكفار كلهم في النار.

 

قال تعالى: {قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ  وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ}.

 

المناسبة:

هذا عود على بدء لتعظيم القرآن وتمجيده كما هو الملاحظ في السور المبدوءة بالفواتح المفرقة إذ تبدأ بعد الحرف بتعظيم القرآن وتمجيده ثم تذكر اختلاف الناس عليه ثم ما يؤول إليه حال الفريقين ثم يعود  إلى تمجيده وتعظيمه ليكون مسك الختام.

 

المفردات:

{أَسْأَلُكُمْ} أطلب منكم. {أَجْرٍ} جُعل. {الْمُتَكَلِّفِينَ}  المتصنعين المتحلين بما ليسوا من أهله. {إِنْ} بمعنى ما. (أي القرآن). {ذِكْرٌ} عظة وتذكير. {لِلْعَالَمِينَ}  للثقلين كافة. {وَلَتَعْلَمُنَّ} ولتعرفن. {نَبَأَهُ} خبره الصادق. {بَعْدَ حِينٍ} بعد زمان.

 

التراكيب:

مرجع الضمير  في {عَلَيْهِ} للقرآن وقيل على تبليغ الوحي. والظاهر الأول. وقوله: {مِنْ أَجْرٍ} من حرف جر صلة جيء به لاستغراق النفي وأجر هو المفعول الثاني لسأل وهو منصوب بفتحة مقدرة منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر. وقوله: {لِلْعَالَمِينَ} جمع عالم وهو ما سوى الله عز وجل فهو بعمومه يشمل جميع المخلوقات التي نصبت علامة ودلالة على الخالق عز وجل. لكن لما كان المراد بالذكر الموعظة والتخويف وتذكير العواقب كان خاصا بالمكلفين وهما الثقلان خاصة. وقوله: {وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ} اللام موطئة للقسم، وعلم بمعنى عرف فهو متعد لمفعول واحد، وهو نبأه. وقيل إن علم على بابه فهو متعد لمفعولين الأول نبأه والثاني هو قوله بعد حين.

 

ما ترشد إليه الآيات:

1-لفت نظر الكفار لصدق الرسول صلى الله عليه وسلم. 2- أنه لا يطلب أي أجر على تبليغ القرآن. 3- إن سيما التصنع غير معهودة فيه. 4- هذا القرآن لتذكير الإنس والجن. 5- الوعد بنصرة الرسول صلى الله عليه وسلم. 6- وعيد قريش وتهديدهم. 7- أن الله متم نوره.