طباعة

 توثيق النص

 

 

 

 

ليكن شعارنا الدائم الله وحده (2)

للشيخ السعيد الشربيني الشرباصي

المدرس في كلية الدعوة وأصول الدين بالجامعة

 

 

وإذا استقرت في نفوسها تلك الحقيقة الثابتة التي هي أم الحقائق وغاية الغايات ونهاية النهايات، وأصبحت محور وجودنا منها نندفع ولها نعمل وإليها نعود، فلم نر في هذا الوجود سوى الله وحده، وأن ما عداه صدر عنه ونشأ منه وخضع له واستكان لعزته ودان لسلطاته وخشع لجبروته، لا إله إلا هو الواحد القادر القهار، إذا استقرت في نفوسنا تلك الحقيقة أصبح الإيمان بالله هو الطاقة التي تخلق فينا الحياة، وتصنع لنا الوجود، وصار صدورنا له وورودنا منه وتلاشت الخلائق وما يبدو لها من قوة أو سلطان أو طغيان .

انظر معي عبر الزمن إلى فئات المعذبين من المؤمنين وهم حول محمد وعيسى وموسى وإخوانهم المرسلين ـصلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ـ وهم لا يقيمون وزناً لما يصيبهم من عدوان أو طغيان، وعندما كان يقال لهم : إن الناس قد جمعوا لكم . فما يزيدهم هذا التجمع إلا إيماناً على إيمان.

 وانظر معي إلى قمم الهداية وهي تتعرض لعواصف الجهل وزوابع الكفر وحماقات الشرك فتلقى ذلك كله بالرضا والقبول، وتعطي في مقابل ذلك بسمات ودعوات وتضرعاً إلى صاحب السلطان ومالك الأمر والنهي متفقة بهم وهي تقول: "اللهم اهدِ قومي فإنهم لا يعلمون".

وهكذا كان الجهل وعدم العلم هو سر الأسرار في انغلاق الأفهام والأبصار، ولو أن الإنسانية فتحت عيونها على الكون متجردة من الغرض والمرض لوجدت الحقيقة الباهرة التي تجذب الأنظار و تزلزل القلوب والمشاعر:

‍‍ {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}.

ولكن أين العقل؟ أين العقل والهوى غلاب، و الشهوة تطغى، والضعف يعجز، والتقليد أيسر من الاجتهاد،أين العقل بل أين الرشاد؟

والإيمان قوة علوية تمد المؤمن بكل الطاقات التي تدفعه إلى التغلب على الصعاب والظفر بما يريد وأنه ليخلق في الفرد رقابة قوية تحاسبه و تسائله و تقيمه وتقعده، فإذا أحسن قصد بإحسانه وجه الله وحده، وذا اشتد كانت شدته غيرة على حدود الله تعالى وحده، وإن قسا كانت قسوته للإصلاح لا للانتقام .

وهذه الرقابة أعظم سلطة و أدق قانون و أكبر باعث على التنفيذ، ومعها لا تحتاج الجماعة إلى دعاة أو نهاة، ولا تحتاج الجيوش إلى إثارة حماس أو إلهاب مشاعر  ...

والوحدانية شيء وشهادة أن لا إله إلا الله و أن محمدا رسول الله بداية لهذا الشيء العظيم وإشارة إلى هذه الحقيقة الكبرى.وإن مئات الملايين من المسلمين يرددون هذا القسم مرارا وتكرارا ولا أقول إنه صدر نفاقا أو رياء، بل إنه صدر عن تسليم و رضا، واعتراف وإذعان.

و لكن أين حقيقته؟

أين هؤلاء الاخوة الأحباب من حقيقة هذه الحقيقة؟ هل جعلوه الشعار العلوي لمبادئهم وأخلاقهم وتصرفاتهم ؟وهل تجردوا في أعمالهم و أقوالهم وقوانينهم من كل معارضة لهذا الشعار؟

في كل زمان يتخذ الناس أربابا من دون الله تسيطر على تفكيرهم، وتصرفهم عن حقيقة الحقائق و يحسون أنها تصرف أمورهم و لا أقول: إنهم يعترفون بهذه الآلهةـو الحمد لله ـ أو يدينون لها ويصلون من أجلها، ولكنهم من غير اعتراف منهم يتصرفون بوحي منها، وبتأثيرها عليهم، ناسين المصدر الأعلى و المنبع الزاخر لكل حس و كل نفس وكل حركة، وصدق الله العظيم حين كشف هؤلاء ...

  {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً} . فالقوة الحقيقية لله, والقوة الفعالة له وحده ..

وكثيرون يتخذون هؤلاء الأنداد وهم لا يشعرون ...هذا الذي يثق في عون فلان، أو يخيل له أن فلاناً هذا يقدم أو يؤخر وينفع أو قد يضر .. ثم هؤلاء المرؤوسون الذين يطأطئون رؤوسهم لسادتهم وكبرائهم ويصدرون عن رغباتهم وأهوائهم ولو تعارضت مع العدل أو تناطحت مع الحق ، و ما يصح أن تحنى الرؤوس إلا لخالقها، أو تميل ركوعاً إلا لموجدها.

لقد حارب الإسلام بصورة رائعة كل هذا الانحراف منذ البداية، وضرب أمامنا القدوة الكريمة وأعطى العظة البالغة للتخلص من كل شبهة و التجرد لله وحده، والقرآن يحدد وضعه فيقول :{قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً}.

ثم لماذا نميل يمنة أو يسرة و نحن نرى الله أقرب إلينا من حبل الوريد، نجده تجاه عيوننا، وفي قلوبنا وأبصارنا . وحقيقة الحقائق تطالعنا في كل ضوء مع كل ظل، و لا تعزب عن خاطر المنصف  لحظة..

انظر معي هذه الشمس التي تملأ الدنيا ضياء ، وهي مع ما تعطي من دلالات عن مصدرها وخلقها تعطي في الوقت نفسه دلالات أصلية على صدق هذه الحقيقة بحركتها وانتقالها وأشعتها، فالضوء والظل وهما ظاهرة مستمرة دائبة تعطي لنا هذه الظاهرة قصة حزينة عن طبيعة هذا العلم المتغير الفاني.      

إن الظل يمثل الحياة تماماً، وهو في امتداده لا يستقر على حال بل وفي لحظات استقراره -كما يخيل لنا- يتحرك وينتقل ويتغير.. وفي مقابله الضوء يقوم بمثل هذه التغييرات.. وما هي إلا ساعات وتنقلب الحال، ويأخذ النور مكان الظلام، ويأخذ الظلام مكان النور، وتصبح الشمس  في المغرب بعد أن كانت في المشرق.

هذا البرمج اليومي الذي تعرضه العناية الإلهية بالضوء والحس كل يوم لا يحتاج فقط إلى توجيه او تنبيه. وإنما يحتاج فقط إلى (لحظة تأمل) فتحة عين، نظرة فكر، وعلى أثر ذلك تحدث الهزة  النفسية والإشراقة الروحية والتفتح القلبي لرؤية النور ولمعرفة الطريق.

وما هو إلا تجرد من الأوهام وتخلص من الجمود وانطلاق من الجهالة إلا ونرى الحقيقة العميقة، الحقيقة الرائعة ونسعد بالإيمان الصحيح يتبعه اعتراف صادع بعظمة الخلاق وإقرار قوي بسلطته المطلقة التي لا يشاركه فيها سواه.

إني أطلب تركيز هذه الحقائق في نفوسنا وضمائرنا ومشاعرنا لتظل عيوننا معلقة بالسماء، مقدرة لحق الله تعالى، فلا تنصرف إلى سواه ولا تتعلق بما عداه. {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ. .}

أيها الإيمان العظيم حينما تنزل إلى قلوبنا وتستقر بين جوانحنا نستطيع أن نكون قوة فعالة تستعذب المر، وتستطيب العلقم وتستذل الجبروت وتحتقر كل متاع الوجود، وتغير جهالات العالم، وتطهر دروبها، وتنير آفاقها. .