طباعة

 توثيق النص

 

 

 

رَسَائِل لمْ يَحْمِلهَا البَريْد

بقلم الشيخ عبد الرؤوف اللبدي

المدرس في كلية الشريعة في الجامعة

 

 

جاري المسجد

منذ أزمان بعيدة سحيقة وأنا جد متوقة إلى أن أكتب إليك، وما كان يثنيني عن ذلك إلا خيفتي أن تظن بي الظنون، وخشيتي أن يوسوس إليك الشيطان، فأنت مذ عرفت الحياة وعرفني الناس تنظر إلي بعين الريبة، وترى فيّ عدوا ألد الخصام، وما عليك في هذا من تثريب، وما ينبغي أن أبادلك فيه العداء، فأنت جار كريم جدير بالتجلة والتعظيم

إنني أنا جارتك ( القهوة )، هذه التي لا يفصلها عنك سوى هذا الشارع الصاخب الواسع، وغير هذه العمارات القليلة الأنيقة الذاهبة في السماء، فأنت على مرأى مني ومسمع، أرى المصلين على أبوابك غدواً ورواحاً، وذهاباً وإياباً، وأسمع نداءاتك الخمسة في كل يوم تجوب الأرض والسماء، داعية عباد الله إلى عبادة الله.

ولكن ما هذا النحيب الذي أسمعه منك في جوف الليل والناس نيام ؟! أرجو ألا يسبق إلى ظنك أني أسترق السمع إليك تحت جنح الظلام، أو أني أتلمس أخبارك من خلف الأبواب المغلقة، معاذ الله أن أكون قد فعلت ذلك أو حاولت أن أفعله، فنحييك هذا لم يعد سراً يخفيه الليل، أو خبيئاً تواريه الحجب، لقد تعالى كنداء الصريخ، وتوالى كأنين الثكلى، وأمسى حديث سمر تتجاذب أطرافه هذه العمارات المتجاورة من حولك، حين تخلو شوارعها من السيارات والسائرين، وحين يرقد ساكنوها في فراشهم آمنين حالمين.

ولقد سمعتهم ليلة أمس يتحدثن عنك وعمّا أصابك، وما أكثر ما يتحدثن هذه الليالي! وما أكثر ما تكون أنت موضوع الحديث!

قالت أقرب العمارات إليك، تلك العمارة الضخمة البيضاء: ألا ترين إلى هذا المسجد، كيف أقفر من المصلين، ولم يعد له في القلوب ذلك الحب المكين؟!

فأجابتها العمارة المصاقبة الخضراء: إني لأشعر ما تشعرين، ولقد آلمني والله - بكاؤه، وعز عليّ ما يلقاه من إعراض وصد.

فقالت عمارة ثالثة حمراء، حديثة البناء، جميلة الهندسة، قالت في شيء من الصلف والعجب: ومن هذا الذي تتحدثان عنه في حسرة، وترثيان لحاله في ألم؟! أو لا يكون في هذا النسيم الرخيّ البليل، وفي جمال هذا القمر الوضيء الجميل، وفي سماء هذه الليلة الصافية الإضحيانة، وفي مواكب هذه النجوم الباسمة الفتانة، أولا يكون في هذا كله ما يشغل عن البكاء والألم، ويدعو إلى الفرح والمرح والابتسام؟!

فأخذت العمارتان القديمتان تتبادلان نظرات الدهش، وتنظران إلى العمارة الجديدة الحمراء في استغراب، إلى أن قالت عمارة رابعة أقيم أنا في طابقها الأول: مه مه، أيتها العمارة الجميلة الحمراء! إنهما تتحدثان عن مسجد قائم في هذا الحي من قبل أن تكوني أنت فيه قائمة، ومن قبل أن يقيم فيه أهلوك وسكانك.

قالت العمارة الحمراء: أو تعنين ذلك البناء القديم ذا القباب العظيمة، والمئذنة العالية؟

قالت العمارة التي أقيم فيها: نعم! إنه هو المسجد الحي الذي يدعو الناس إلى الصلاة كلما حان وقت الصلاة، لينيبوا إلى ربهم ويذكروه بعد ساعات انغماس في شؤون هذه الدنيا، وربما كنت أنت عنه في شغل، فليلك موسيقى وطرب، ونهارك كسب وتجارة، أما جارتاك هاتان فلهما مع هذا المسجد صلات وثيقة، ومودات قديمة عميقة، فلا عجب أن تحزنا لحاله، وأن ترثيا لمآله.

قالت العمارة الحمراء: الحق - يا جارتا - أني لا أعرف عن هذا المسجد الذي تقولين إلا هذه الصورة التي تراها عيناي، وهذا النداء الذي تسمعه أذناي، ولا أرى أحداً من سكاني ينقل الخطا إليه، أو يثني عليه. بل سمعت إحدى الساكنات تقول لجارات لها إننا سنرحل عمّا قريب إلى عمارة أخرى، فهذا المسجد يفسد علينا نومنا في الأسحار، ومن بعد الظهيرة، ويشعرنا دائماً أننا في هذا الحي غرباء، فقالت الجارات الساكنات: إننا لنقاسي ما تقاسين، ولقد عزمنا على الرحيل من قبل مرات عديدة، ولكن جوار هذه ( القهوة ) وما توفره من لهو ومتع لأزواجنا وأبنائنا كان عزاء وسلوى.

وإني لأخشى أيتها الجارة أن يرحل عني سكاني، وتخلو شققي من الناس وفي ذلك قضاء على مستقبلي، وبلاء عظيم..

آه أيتها الجارة! إني لأغبطك على هذه ( القهوة ) الجميلة التي تقيم في طابقك الأول، فهي ضمان لمستقبلك، وعون لك على النوائب. قالت عمارتي: يا لكِ من جارة صغيرة غريرة! أنتِ لا تفكرين إلا في المستقبل وضمانات المستقبل، وما المستقبل - فيما يخيل إليّ - إلا كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء، حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً. قالت الحمراء: وأي شيء غير المستقبل جدير بالاهتمام والتفكير، أيتها الجارة العزيزة؟!

قالت عمارتي: كان ينبغي أن يكون لكِ في جوار هذا المسجد عظة بالغة، وأن يكون لك في جارتيْ هذا المسجد قدوة صالحة.

قالت العمارة الحمراء: ما أرى المسجد إلا شيئاً قد أتى إلى هذه الدنيا، فكان له شباب وسلطان، وكان عليه إقبال وفيه رغبة، ثم أصباه شيخوخة، ضعف، وها هو ذا يسير على طريق الفناء، شأنه شأن غيره من الأشياء أو هذه هي العظة التي تريدينها؟!

أما هاتان العمارتان فقد عاشتا حياة غير هذه الحياة، وليس لديهما إلا ذكريات قديمة تجترانها بكرة وعشيا، فكيف تكونان لي قدوة صالحة، وكيف أجد على آثارهما الهدى؟!

قالت عمارتي: يا جويرتي الصغيرة؟! في هذه الحياة أفكار وحقائق لا يصيبها هرم وإن تقدم بها العمر، وفي هذه الدنيا أعمال وشعائر لا يلحق بها شيخوخة وإن طال عليها الدهر، وما كان القدم ليزري بكل شيء ويدسه في التراب، وما كانت الجدة لتزين كل شيء وتعلى له المنازل.

قالت العمارة الحمراء: معذرة أيتها الجارة العزيزة، أنا عمارة فتاة، لا أزال في دنيا الأطفال، لا أفهم إلا الواقع، ولا أدرك إلا الحس، فقولي قولاً سهلاً هيناً، لعلي أجد فيما تقولين هدى.

قالت عمارتي: هذا هو المسجد على مقربة منا، عليك أن تزوريه، وهناك يتفتح لكِ ما استغلق، ويتضح لكِ ما استبهم، وهناك تعرفين أموراً كثيرة ما ينبغي لك أن تجهليها، وأحر بذات اللب أن تشم الأزهار في حدائقها فذاك أروح للنفس وأصفى، وأن تشرب الماء من منابعه، فذلك أروى للغليل وأشفى.

ثم هاتان جارتان ذواتا تقوى وصلاح، خير لك أن تصحبيهما، وأن تستمعي إلى أحاديثهما، وسوف تجدين في هذه الصحبة وذاك الاستماع راحة نفس، واطمئنان قلب، وشفاء من هذا القلق الذي تكابدين.

قالت الحمراء: أختي العزيزة! إنني عمارة حديثة النشأة، قد خططني مهندسون أجانب، وأشرف على بنائي ( مقاولون ) غرباء، وها أنت ذي ترين ما أتمتع به من نوافذ واسعات تستقبل الهواء والشمس، وشرفات شامخات تطل على كل طريق، وذؤابات تتلفع بالسحب وتسمع همس النجوم، وقواعد في الأرض مسلحة صلبة كأنما قد أعدت لتقوم عليها الجبال، ولا تسألي عن حالي في الداخل، فلن أستطيع أن أصف، ولن تستطيعي أن تتصوري، لقد أفرغ فن العمارة الحديث فيّ كل ما يستطيعه من جمال وإتقان وزخرفة ألوان وأسباب متعة وراحة. أفبعد هذا كله، ومع هذا كله، تنصحين لي أن أزور مسجداً قد هجره أهله، وضيّعه ذووه، وتشيرين عليّ أن أصحب عمارتين قديمتين قد شاختا، تعيشان في عصر العلم والحضارة عيش الغرباء؟!

قالت عمارتي: يا حسرتا عليكِ - يا صغيرتي - فيما فرطت !! إنكِ لتقولين ما تلقنين، وتهرفين بما لا تعرفين، ها هو ذا المؤذن يدعو لصلاة الصبح، فهلمّ إلى المسجد

جاري الكريم:

هذا ما كان في تلك الليلة من حوار، أتراك قد سمعته فأنت منه في هذا النحيب، أم تراك تنتحب لأمر آخر ذي بال لم يخطر لي على بال.

ومهما يكن من أمر، فأنا أود أن أتعجل شيئاً قبل أن أنساه أو أشغل عنه أود أن أدفع عن نفسي تهمة طالما رماني بها الناس، وأنزع ظنا ما إخالك إلا قد ظننته.

يقولون إنني قد أفسدت عليك أصحابك، وأفسدت على البيوت أربابها، ومزقت ما بين الأسر من روابط.

ويل لهم مما قالوا !! وويل لهم مما يدعون !! ما كنت يوماً مفسدة ولا داعية إفساد، أنّى لي هذا، والناس يأتون إليّ خيرة، ويلجون عليّ الأبواب من غير ما دعوة.

ما طلبت إليهم يوماً أن يصموا آذانهم والمؤذن يدعوهم إلى الصلاة، ولا سألتهم ذات ليلة أن يفروا من بيوتهم تاركين زوجاتهم وذريتهم للوحشة والقلق والضياع والعبث بل كثيراً ما مرّت بي ساعات غضب هممت فيها أن أقذف بالمقاعد ومن هم عليها قعود إلى عرض الشارع، ولا أزال أذكر حتى اليوم ساعة جلس أربعة على شرفة من شرفاتي يطاردون بأبصارهم كل عابر للشارع وعابرة، وفجأة سمعتهم يهتفون بزميل لهم جاء من بعيد، قال له قائل منهم: ما شرّفت ( القهوة ) هذا الصباح كما اعتدت في أيام العطل! فرد عليه زميل ثانٍ: أنسيت أن صاحبنا قد ( تمشيخ ) وأن هذا اليوم هو يوم الجمعة؟!، وإذا بثالثهم يواصل التهكم ويقول: وطبعاً أمضى هذا الصباح يغتسل، ويتطيب، ويرتدي ( بدلته ) النظيفة المكوية، ويبكر إلى المسجد، ليقرأ القرآن، ويسمع الخطبة، ويشهد الصلاة، و. . . . ، ولكن زميلهم هذا ( المتمشيخ ) لم ينتظر أكثر من هذا، فألقى عليهم نظرات زارية، وتولى عنهم دون أن ينبس ببنت شفة، وانتبذ منهم مكاناً قصياً، وأخذ يمتع نظره بما في الشارع من حياة وحركة، أو يردد بصره في صفحات كتاب كان يحمله، ولما أن سمع المؤذن يدعو لصلاة المغرب أجاب حثيث الخطا.

أما زملاؤه الذين كانوا منه يسخرون، فقد هاجت فيهم ذكريات قديمة:

قال الأول: أما أنا فقد عرفت الصلاة في البيت، وعرفتها في المسجد، وعرفتها في المدرسة إلى أن صرت طالباً في المرحلة الثانوية، وحينئذ بدأت ألاحظ أن مدرسينا لا يصلون إلا قليلاً، وأن مدرسي الدين يدرسون الدين بسبب من الوظيفة والتخصص، لا بسبب من الإخلاص للعقيدة، فأخذ الحرص عليها يتلاشى شيئاً فشيئاً حتى لم يبق منه شيء.

فقال الثاني: أما أنا فقد عرفتها صغيراً، وبقيت أحافظ عليها كبيراً، فقد كان أبي وأمي حريصين عليها، وكانا يؤنبانني كلما رأيا مني غفلة، وكان أن توظفت وانتقلت إلى بلد آخر بعيداً عنهما، ولم يكن في ذلك البلد إلا المسجد واحد وإمام واحد، وكان الإمام أيام الجمعة يلتزم خطباً معينة لا يحيد عنها ولا ينحرف، يكررها عاماً بعد عام، ويسمعها المصلون صابرين سنة بعد سنة، وإني حتى هذا اليوم لا أزال أذكر كثيراً من موضوعات تلك الخطب، وأحفظ كثيراً من الأحاديث النبوية التي كانت تختتم بها. وقد تبدلت الدنيا غير الدنيا، وتبدل الناس غير الناس، وأصبحت المفاسد يموج بعضها في بعض، ومع هذا كله يخيل إليك أن جماعة من خطباء المساجد لا يعيشون فوق هذه الأرض، ولا يسمعون أخبار هذه الدنيا.

فقال زميله الأول: الحق - يا أخي - أن خطبة الجمعة قد أصبحت عند بعض الخطباء عملاً ( وظيفياً ) كأعمالنا - معاشر الموظفين - ونحن - كما ترى - نقوم بما تيسر من أعمال، ثم نقبض المرتب على كل حال.

فاندفع ثالثهم يقول: الثقافة السطحية المحدودة، والضعف الأدبي في التعبير هما سبب ما نراه عند بعضهم من التزام خطب معينة يأخذونها من الكتب يكررونها حيناً بعد حين، وعاماً بعد عام، هم يرون ما في حياتنا من مفاسد، ويسمعون ما فيها من خداع وغش، ولكنهم لا يملكون أكثر من الحوقلة والترجيع، فعاد الثاني يواصل كلامه ويقول: ومهما تكن الأسباب، فقد كرهت خطبة الجمعة من ذاك الإمام، وكرهت الصلاة خلفه، ثم اشتد بي الكسل، فقعد بي عن سائر الصلوات، على أنني لا أزال أشعر  بالخزي والعار، كلما رأيت المصلين يقبلون على المسجد وأنا أوليه الأدبار.

أما ثالثهم فقد تشاغل عن زملائه، وأخذ يمد عينيه إلى الشارع، وتلهى بما فيه، حين أحس أن دوره في الكلام قد جاء، ولكن زملاءه جاذبوه أطراف ملابسه وقالوا إلى أين؟ تعال هنا، وهات ما عندك.

قال: ولكن علاتي تافهة صغيرة، تضحكون بها مني وتسخرون.

قالوا: دعنا نضحك اليوم منك ونسخر.

قال: ولكني أعتذر إليكم هذا اليوم.

قالوا: لا عذر لك.

فأنشأ يقول - وقد رأى أن لا مفر - أما أنا فشاب أحب الملابس وأهيم بها، وأبذل في سبيلها كل جهد ومال، أختار ( بدلاتي ) من أجود الأصواف الإنكليزية وأجملها، ثم أحرص على نظافتها كل الحرص، وأحافظ على أن تظل مكوية قائمة مصقولة كل الحفاظ. وكان من سوء حظي أن يقع المسجد الذي أصلي فيه في وسط السوق، فكان يأتيه كثير من المصلين في ثياب العمل، وهي ثياب فيها كثير من أنواع الأذى، وزاد سوء حظي أن نام خدام المسجد عن نظافته والعناية به، فتركوا الغبار والتراب وغير ذلك يتراكم، ويعلو بعضه فوق بعض، وفي هذا أذى أيّ أذى للمصلين والمسجد. فكان من ذلك أن صرت أصلي في البيت، والصلاة في البيوت تدعو إلى الكسل في الأداء، وإلى ضم الصلوات بعضها إلى بعض في قضاء، ثم إلى النسيان والترك في النهاية.

أما رابعهم فجعل يقول من قبل أن يسأل: أما أنا فقد كان والدي حريصاً على أن ( يضمن ) لي بعد التخرج عملاً مريحاً مربحاً، وكان حريصاً على أن تكون أبواب العمل أمامي واسعة مفتحة، فزين له بعضهم أن أتعلم في مدرسة أجنبية ففيها يتقن الطالب مختلف اللغات، وينال شهادة مفضلة لدى كثير من الشركات والوكالات والمؤسسات، فكان أن تخرجت فيها لا أحسن قراءة القرآن في المصحف، ولا أعرف كيف تؤدى الصلاة. . .

جاري الكريم:

كان المصلون ينتشرون في الشوارع بعد صلاة المغرب حين انتهى هؤلاء الأربعة من ذاك الحديث، وكان أن ضاق بهم صدري، وأصبحت في حيرة من أمري، وإذا أنا . . . بأحد الدعاة إلى الله يدخل الباب، ويمد عينيه إلى كل ناحية، فتقعان على أولئك الأربعة، وعلى ما هم فيه، فتدركان أي رجال كانوا وسرعان ما يمم شطرهم لا يعوج على شيء، ثم سلم وجلس.

كان ذا وجه مشرف، وابتسامة مضيئة، وهندام حسن، لا تملك العين حين تراه إلا أن تهابه وتحبه، فما كان من هؤلاء الأربعة إلا أن فسحوا له في المجلس، وردوا تحيته بأدب.

لم أدر ما دار بينهم من حديث، ولكني كنت أرى على بُعد وجوهاً مشرقة، وابتسامات متبادلة، ووددت لو أني سمعت ما قال وما قالوا لأكتبه إليك، ولكني - وَأسفا - شغلت باستقبال الوافدين هناك وهناك.

كان هذا الداعية من حين إلى حين يختلس النظر إلى من حوله من الناس، ولما أن رأى فيهم كثرة وقف بقامته الفارعة وسمته الحسن، وشرع يخطب الحاضرين بلسان مبين ولهجة فصيحة.

لا أستطيع - أيها الجار الكريم - أن أكتب إليك كل ما قال، ولكنني سأكتب إليك ما تزال الذاكرة تذكره.

كان مما قال، بعد أن حمد الله وأثنى عليه، وصلى الله على رسوله:

أيها الإخوة الحاضرون:

أنا لا أنكر أن للمقاهي مصالح اجتماعية كثيرة تقتضيها، ودواعي مدنية حديثة تطلبها، فهي قد تصلح لغريب لا يعرف أحداً ولا يعرفه أحد، وقد تصلح لسائر في الشارع، أصابه ظماً ولحق به جهد، وقد تصلح للرجلين أو الرجال يعرض لهم الأمر، أو للأصدقاء قد تباعدت دورهم أو تعذرت وهم يريدون أن يتدارسوا مسألة، أو لجماعة من العمال أو ذوي الأعمال أو التجار أو الموظفين يريدون أن يتحدثوا في شؤون أعمالهم، قد تصلح لهؤلاء وأمثال هؤلاء، ولكنها على كل حال ليست مواطن كسل وخمول وعبث ومجون، ليست مجالس همز ولمز للداخلين والخارجين وعابري الطريق، ليست مجالس لنهش الأعراض وكشف العورات وإذاعة السيئات، ليست لشيء من هذا كله، ولا ينبغي أن تكون له.

ومن المحزن حقاً - أيها الإخوان - أن يجلس فيها بعض الأزواج إلى منتصف الليل هرباً من زوجاتهم، ومن مطالب بيوتهم، ومن مشكلات أولادهم، فالزواج قيادة ومسئولية، قبل أن يكون إمتاعاً وتسلية وألهية، والزوجة التي لا ترى زوجها في البيت يؤانس ويستمع ويسهم في حل المشكلات، سوف تضيق به في آخر الأمر، وتلبس له ثوب العداوة، وتحمل بيديها المعول تهدم به بيتها وبيته.

والأولاد الذين لا يرون أباهم إلا على طعام الغذاء، أو على فراش المرض، أو ساعات استقبال الزائرين والأضياف هم أولاد مضيعون تائهون، لا يدرون أين يذهبون، ولا كيف يذهبون.

أولادكم أيها الأخوة في حاجة ماسة إلى هذه الساعات الطويلة الثقيلة التي تضيعونها في المقاهي، في حاجة إلى أن يعرضوا لكم أمورهم، وأن يشكوا إليكم أحوالهم، وأن يجدوا أنفسهم مسئولين أمامكم..

هم في حاجة إلى عطف روحي، وحنان أبوي، في حاجة إلى دفء جناحي طائر يجثم على بيضه، إن حاجات النفس والروح والقلب أشد وأعظم من لقمة طعام دسمة توضع في الفم، أو حلة جميلة تلقى على الجسم، فالإنسان بخلقه وقلبه لا بمعدته ثوبه.

إن أولاد الأغنياء منكم لا يربون بملء جيوبهم بالمال، وإن أولاد الفقراء منكم لا يربون بالوعود الكاذبة والتسويف والمطال.

عليكم بالشجاعة والصبر وسعة الصدر، اجلسوا مع أولادكم طويلاً، واملئوا قلوبهم بحنانكم وعطفكم ووجودكم بينهم، وأشعروهم دائماً أنكم جميعاً أصابع في يد واحدة.

إن أولئك الأزواج الذين يظنون الحياة الزوجية قطعة من الحلوى يأكلونها وهم متكئون على الأرائك - هم سكارى أو حالمون، فالحياة الزوجية جهاد وكبد، وعليكم أيها الأزواج أن تجاهدوا في هذه الحياة، وأن تكابدوا لخيري الدنيا والآخرة، واستعينوا بالله دائماً واشكروا على ما رزقكم قلّ أم كَثُر، وإياكم، إياكم أن تتركوا سفنكم يقودها الموج الأرعن فيقذفها حطاماً على الشاطئ.

جاري المسجد الكريم:

هذا ما أزال أذكره من تلك الخطبة، ولقد جلس قليلاً بعد أن انتهى منها، لعل سائلاً يريد أن يسأل عن حكم شرعي أو مشكلة شخصية، فجاء إليه بعض الحاضرين يستفتونه أو يستشيرونه، وكانوا يصدرون عنه وعلامات الرضا بادية على وجوههم، حتى إذا انتهى من الناس وانتهوا منه عطف إلى أولئك الأربعة، فودعهم باسماً وودعوه بلطف، وخرج من أبوابي وعيون الحاضرين كلها عالقة به، على أنه مما يسرني ويسرك أن أخبرك أنني لم أرَ أحداً من أولئك الأربعة بعد تلك الليلة قد سمع النداء ولم يجب.

جارتك

( القهوة )

 

 

 

 
 
 
 
 
 
 

حلم سيتبدد

قالوا: نجوت، وكانت تلك معجزةً

فاهنأ بما نلت من برء وتجديدِ

وكيف يعزب عنهم أنّه حُلُمٌ.

- مهما يطل - صائرٌ يوماً لتبديدِ

لئن تأخر بي يومي فإن غداً.

أدنى لناظره من لفتة الجيد

وما سلمتُ لأبقى، بل لتسلمني

يد المنون ليومٍ غير مرودِ

وما السعادة ساعـات تطـول ولـ

كن السعادة تـقـوى اللــه ذي الــجود

وديعةُ الله هذي النفس في يدنا

وليس إلاّ مزكّيها بمحسودِ

فليحفظ الله ما أبقاه من أجلي

في واسع من رضاه غير محدودِ

ويا شقائي إن جافيت شرعته

ورحت أخبط في ليل الأخاديدِ

 

عن ديوان ( همسات القلب )