طباعة

 توثيق النص

 

 

 

العقيدة بين الفلسفة والوحي[1]

للشيخ عبد الوهاب لطف الديلمي

 

 

أما الجملة الأولى من كلام ( لوبون ) فهي مسلم بها لأن الإيمان فطري وهو الذي أطلق عليه كلمة ( لا شعوري ) وهذا الإيمان قد يُدّعم بالأدلة والبراهين فيصبح قوياً ثابتاً لا يتزعزع، وقد يكتفي صاحبه بمجرد الاستسلام والتصديق. والذين لا تظهر ثمرات الإيمان في أعمالهم كالمخرّفين والمتنكبين عن الجادة هؤلاء تبرز علامات الإيمان الكامن في نفوسهم عند الشدائد والأزمات، حين يفقدون كل حيلة يمكن الخلاص بها مما هم فيه من المآزق، فيرجعون حينئذ إلى مصدر القوة العليا المهيمنة والمسيطرة على الكون كله، والتي بيدها الضرر والنفع، وقد أشار القرآن الكريم إلى ذلك في قوله تعالى :{وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاه} - {فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ}.

غير أن ( لوبون ) لم يصب في سائر عبارته وذلك في نقطتين:

الأولى: قوله: إن العقيدة تكره الإنسان على التصديق بقضية من القضايا من غير دليل..

وهذا كلام باطل لا أصل له من الصحة.. ذلك أن العقيدة كثيراً ما تقوم بالبرهان والحجة، ولم يكن هناك في العقيدة السليمة ما هو إيمان أعمى لا يعرف الإنسان ماهيته ولا حقيقته، كما أن العقيدة الصحيحة لا تتعارض مع العلم والدليل. ولذلك يجمع علماء الإسلام على النظر والاستدلال في إثبات العقيدة بطريقة التفكر والتأمل في الكون ودقته، ليُوصل بذلك إلى الإيمان بخالق الكون.. وإن كان الخلاف بين العلماء قائماً على الاستدلال بالطريقة المنطقية والفلسفية ذات المقدمات والنتائج، فيمنعها بعضهم مخالفة الوقوع في الريب والشك، وعدم القدرة على الوصول إلى الحق بطرق سليمة . . .

ومما يرد على ( لوبون ) أيضاً أن الله تبارك وتعالى يأمرنا بالتوصل إلى معرفته بطريق العلم فيقول: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ} وقد مدح العلماء في مواضع عديدة كقوله تعالى :{قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ}. . . {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ}. . . {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} - على أحد التأويلين في الآية. {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْم}. كما ذم ونعى على الذين يكتفون بأخذ عقيدتهم عن طريق التقليد {إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ} {أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ}.

وأما النقطة الثانية فهي قوله: "إذا استعان صاحب العقيدة على إثبات صحتها بالعقل استحالت علماً ومعرفة".

فهو يفصم بين العقيدة والعقل، ولا يريد أن يجعل للعقل مجالاً في إثبات العقيدة وهذا خطأ فادح. فإن الله تبارك وتعالى خاطب العقول كثيراً في ما لا أحصي من الآيات، وذلك في مجال العقيدة والدعوة إليها كقوله عز وجل: {قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} والمراد بالنظر إعمال العقل في آياته فالكونية. وقوله: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} {قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ...}. {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} {لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ}. . . إلى غير ذلك. كما نعى على الذين لا يُعملون عقولهم وحواسهم في نشدان الحق {لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا} - {وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لا يَعْقِلُونَ} - {وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لا يُبْصِرُونَ} - {إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ}.

و( لوبون ) يحول العقيدة التي أثتبها البرهان إلى علم ومعرفة. وأمّا عند المسلمين فلا فرق بين هؤلاء الثلاثة الأشياء:العقيدة، والعلم، والمعرفة.

ولعلّ مرد هذا الرأي الذي يقرره لوبون في تحديد العقيدة إلى العقيدة التي شب في أحضانها وترعرع على لبانها، وهي العقيدة النصرانية التي تحرم النظر والسؤال والنقاش، وتفرض التصديق الأعمى دون نزاع ولا جدال.. أمّا العقيدة الإسلامية فهي بعيدة كل البعد عن هذا المفهوم الخاطئ والتعريف السقيم الذي لا يمت إلى حقيقتها بصلة.

 

 



[1] فقرة من إجابة الطالب ( عبد الوهاب لطف زيد الديلمي ) على بعض أسئلة الاختبار في الدورة الصيفية لعام 92- 93.