طباعة

 توثيق النص

 

 

 

الهَوَس الفكرِيّ

بقلم الأستاذ مرزوق بن محمد الدوسري

مراقبة المطبوعات بالمدينة

 

 

يحكى أن مدخولاً قد زال عقله، وذهب بصره، وفقد سمعه، خرج ذات يوم من داره هائماً على وجهه في متاهات شاسعة لا حدّ لها نهاية، وبقي سائراً على قدميه، شاخصاً بصره، رافعاً عقيرته إلى أن أعياه السير، وأنهكه الضنى فخر صريعاً على وجهه. ولما أفاق من غيبوبته، واستعاد شيئاً من نشاطه وقف على صخرة، وراح يخطب بأعلى صوته آمراً مرة وناهياً أخرى وموجهاً ثالثة. ولما لم يسمع صوتاً يرد عليه، ولم يقم أحد يضع الوثاق  في يديه، اعتقد أن الأمر قد صار له، وأن الكل طوع بنانه، وأنه هو الآمر الناهي، الموجه المرشد الذي يستطيع أن يبني ويهدم، ويخطط ويشرع معتمداً على ما بقي في ذهنه من خليط بين أفكار مجنون وأحلام نائم.

ذكرني بهذه القصة أولئك الذين أصموا آذانهم، وأغمضوا أعينهم، وراحوا يصرخون إما في إذاعة أو يقذفون في كتاب بأفكارهم المريضة وآرائهم السخيفة، غير مبالين بما يكون لذلك من نتيجة. ذلك أنهم لا يهتمون بالنتائج بقدر ما يهتمون بقول ما قيل لهم أن يقولوه. أي أنه لا يهمهم إلا أن يضعوا ما حملوا به سفاحاً من أفكار ليست حاجة هذا الشرق هي التي والدتها في أذهانهم، وإنما ولدتها حاجة أنفسهم التي فقدت أصالتها وثقتها بعد أن نفث في روعها أنها لا تستطيع البقاء في الحياة إلا إذا تفاعلت مع العدو، وانصهرت في بوتقته فكرياً، وعقائدياً، واجتماعياً، واقتصادياً، وسياسياً، هذا الاعتقاد الراسخ لدى هؤلاء بعدم القدرة على البقاء في الحياة، والاعتماد على النفس هو الذي حملهم على أن يجعلوا من أنفسهم أبواقاً لأعداء هذه الأمة وعوامل هدم وتخريب لكنها والحمد لله أبواق مبحوحة وعوامل مغلولة ليس نصيبها من الفشل والعجز عن التأثير بأقل من نصيب كل محاولة سبقتها للنيل من هذه الأمة.

ولئن كانت العوامل الكثيرة والظروف الحاضرة قادرة على أن تساعد هؤلاء على رفع أصواتهم، وأن تمكنهم من الوقوف وقفة الجريء فإنها غير قادرة على أن تجعل منهم أبطلاً حقيقيين ذوي نفوذ قوي، وأفكار فعالة تستطيع التأثير في كيان هذه الأمة، ذلك أن هذه الأمة قد اعتادت رفض العناصر الغريبة التي تطرأ على كيانها، وهؤلاء بحكم ثقافتهم الملوثة، وعقائدهم المشبوهة غرباء. غرباء عن مشاكل هذه الأمة التي تعيشها. غرباء عن آمالها التي تطمح إليها. غرباء عن أهدافها التي تسعى لتحقيقها. غرباء في أطوارهم وتأملاتهم، وهذا ما قادهم إلى المفاهيم الجديدة التي يريدون الخروج بها على العالم الإسلامي مع مخالفتها لكتاب ربهم وسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم. ولا شك أن هذا ليس دليل رشد في العقل، ولا حكمة في القول، وإنما دليل جهل وغطرسة وقلة دراية بالشريعة الإسلامية، وبطبيعة هذه الأمة، ولا أعني بالطبيعة ما انطبع عليه القوم من تقاليد وعادات قومية وعنصرية وإقليمية، وإنما أعني ما انطبع في قلب المسلم من حب لعقيدته وتشبت بها، وتفان في سبيلها وكراهية شديدة للذين يحاولون تشويشها وتحريفها.

ولو أن هؤلاء يدركون الحقيقة لعلموا أن ما يقومون به من محاولات لجرف هذه الأمة من قلعة عزها وحريتها إلى حظيرة الذل والاستعباد إنما هو عبث لا فائدة منه ولا طائل لهم، وبالتالي لرفقوا بأنفسهم من هذا الضجيج الأهوج والادعاء الكاذب.

لقد رفع هؤلاء شعارات محببة لكل مسلم ألا وهي العمل من أجل الإسلام. العمل من أجل الأمة. العمل من أجل الإنسانية. ولكنها شعارات غير قادرة على أن تخفي ما وراءها من نوايا سيئة لأن الأمة أصبحت من نوايا سيئة لأن الأمة أصبحت لا تؤمن بالشعارات بعد أن روعت في أكثر من مناسبة بما وراءها من مقاصد سيئة وأغراض دنيئة الأمر الذي جعلها تشك في كل داعية مجهول الهوية فتمحص سلوكه مع ربه، وسلوكه مع نفسه، وسلوكه مع غيره قبل أن تفتح له قلبها، وتصغي إلى ما يقول. وأمة وصلت إلى هذا الحد من الحذر والحيطة عسير على الأدعياء أن ينالوا منها شيئاً، أو يجدوا لهم مكاناً في أرضها وبين صفوفها.

إن هؤلاء قادرون بحكم الظروف الراهنة أن يتكلموا من الإذاعات، وأن يحتلوا الصفحات الأولى من الجرائد والمجلات، وأن يتحكموا في دور النشر والطباعة، ولكنهم غير قادرين على أن يصلوا إلى القلوب المؤمنة والعقول السليمة لعظم البون بين ما تحمل الأقلام المأجورة من أفكار رديئة، وما يعتقد المسلم من دين قويم.

ماذا عسى أن يكون نصيب الكاتب الذي يزعم أن من حقه أن يلغي نصاً من النصوص القرآنية أو الأحاديث النبوية متى كان ذلك النص معارضاً لنظريات اقتصادية أو اجتماعية أو سياسية فرضتها المبادئ الإلحادية، أو متى كان ذلك النص محذراً المسلم من موالاة أعداء دينه، وموادتهم والاتكال عليهم..

أو ماذا يكون نصيب الكاتب الذي يزعم أن من حقه أن يجتهد في القرآن برأيه، ويعتقد أنه يفوق صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الفهم له، وأنه جدير بأن يوجد نظاماً إسلامياً يجتمع فيه كل إنسان حتى ولو كان شيوعياً لا يؤمن بالله ولا يعترف بالأديان، أو وثنياً يعبد الأشجار والأحجار، ويلوذ بالطواغيت من دون الله.

إن نصيب مثل هذا الكاتب عند عامة المسلمين كنصيبه عند خاصتهم ليس إلا المقت والازدراء والسخرية، وبالتالي ليس لما يكتب من مكانة في القلوب ولا أثر في النفوس اللهم إلا ازدياد النفور من ضلالاتهم، والحذر من أحابيلهم.

إن أكبر مصيبة هؤلاء على أنفسهم أنهم يكتبون ناقدين، ويكتبون موحين على حد زعمهم، ثم يصرحون بأنهم لا يأبهون بمن يكتبون عنهم أو لهم أي أنها لا تهمهم النتائج المترتبة على ما يكتبون، وسبب ذلك شيئان: أحدهما أنهم يكتبون طبقاً لما يوحى إليهم أي أنهم يكتبون بغير إرادة متحررة من الضغوط الهائلة المفروضة عليهم فرضاً قسرياً. وثانيهما أنهم يعلمون للهدم والتخريب لا للبناء والتعمير. وفرق بين من يريد البناء ومن يريد الهدم فالذي يريد البناء يضع كل شيء في مكانه ثم يتفقده بعد ذلك فما كان صالحاً أبقاه وما كان فاسداً أبدله، أو ناقصاً أكمله. أما الذي يريد الهدم فإنه لا يهمه إلا تقويض البنيان وإزالة معالمه.

وأصحاب الفهم الجديد للقرآن الذين يريدون تحريف نصوصه وتعطيل أحكامه مجاراة للقوى المادية، والعقائد الإلحادية، لا يريدون بناءً للمجتمع العربي ولا بقاء للدين الإسلامي ولا حياة للأمة الإسلامية وإنما يريدون تقويض هذا المجتمع، وطمس معالم هذا الدين، والقضاء على الأمة التي تلاحمت تحت رايته، لأن من المستحيل أن تجتمع العرب على غير شريعة الله وأن يبقى دين محرف كتابه، ومعطلة أحكامه، وأن تحيي أمة ذات عقيدة سماوية تحاد الله ورسوله، وتواد أعداءه وتواليهم، وتعتبر الكفرة الفجرة أعواناً والملاحدة أنصاراً. فالذين يريدون الالتحام مع الملاحدة والتعاطف معهم، والانقياد لهم إنما يريدون تذويب الشخصية العربية والإسلامية على حد سواء.

أجار الله الأمة العربية والإسلامية من المهوسين فكرياً، والمنحرفين عقائدياً، والمنحلين أخلاقياً، ولا حول ولا قوة إلا بالله.