طباعة

 توثيق النص

 

 

 

ليكن شعارنا الدائم: الله وحده (1)

بقلم الشيخ السعيد الشربيني الشرباصي

المدرس بكلية الدعوة وأصول الدين بالجامعة

 

 

وبعد: فهذه كلمة أريد بها تسجيل حقيقة مركوزة في نفوس المسلمين ولكنهم ينسونها، ومستقرة في عقول الموحدين ولكنها قد تغيب عنهم، رغبة مني في رد الأمور إلى نصابها، ومذكراً بتطهير عقائدنا من سلطان لغير الله. وهي تأتي لا عن دراسة مني ولكن عن تجربة مريرة عشت فيها سنوات، ظننت خلالها أنني أستطيع بوسائلي ووسائل الناس أن أصنع شيئاً لنفسي ينقذني مما أنا فيه، ولكن ضاعت كل هذه الوسائل وخرجت بالنتيجة التي استقرت في قلبي ومشاعري وضميري وما أذكره هنا من حقائق ليس تعبيراً عن هذه التجربة ولكن استدلالاً عليها وتبياناً لها..

لقد خاطب القرآن الكريم محمداً عليه الصلاة والسلام بقوله: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً، لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً}.

فالله سبحانه وتعالى هو الذي فتح على محمد عليه الصلاة والسلام، وهو الذي جعله فتحاً مبيناً شاملاً كاملاً، ومع هذا الفتح العظيم الذي أقر به عيون المؤمنين وثبت به قلوب الموحدين وأرسى به قواعد الدين، غفر الله له ما تقدم من ذنبه، وما تأخر ـ فضلاً وكرماًـ ثم هداه صراطاً مستقيماً.

هذه النعم المتلاحقة على خير المجاهدين وأعظم الموحدين هل كانت إلا منحاً ربانية بدأت من الله وانتهت إلى الله الغفور الرحيم.

والقرآن يذكر الغافلين من البشر الساهين اللاهين، منادياً ألا هبوا ولا تركنوا إلى موت الحياة وحياة الموتى {أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ}. ثم يوضح لهم قيمة ما يعتزون به فيقول لهم: {إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ}. {وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاء}.

وعلى سبيل المثال أنا الآن أتناول هذه الصفحات لأكتب والله ما استقر في ذهني ما أريد أن أخطه ولكني أكتفي بورق ومداد وقلم … والله وحده هو الذي يدفع، وهو الذي يوفق، وهو الذي يلهم …

ونحن مع كل صباح نتناول الصحف اليومية وتقع عيوننا على الصفحات الأولى متلهفين على أخبار العالم وأحداثه التي لا تستقر ولا تسكن، ولا تهدأ ولا تثبت، وكان الأجدر بنا أن نطالع الصفحة الأخيرة لنعرف مصيرنا المحتوم، ونرى ما طواه من أجزاء الإنسانية، وما غيبه الموت من أحباب لنا وصحاب … وعندما نطالع هذه الصفحة فنجد أحباباً لنا قضوا، وأعزاء علينا تولوا … ونشهد مصارع جبابرة تسلطوا باسم المال فجمعوه، وباسم الطغيان فاقترفوه، وباسم الحكم فأفسدوه، نشهق شهقة الناجي من الغرق، ضارعين صارخين مرددين: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم إنا لله وإنا إليه راجعون. ثم نفيق من خداع أبصارنا وأفكارنا حينما كنا نظن أن هؤلاء الطغاة كانوا شيئاً ما فنقول في ثقة وإيمان:

البقاء " لله وحده ".

وهذا يذكرنا بحقائق ثلاث:

أولاها: أن الحياة الدنيا التي تسيطر علينا وعلى وجودنا وعقولنا سيطرة طاغية أحياناً، وسيطرة معقولة آناً، هذه الحياة بصورها ومغرياتها لعب ولهو، ويتحتم علينا أن نستبدل هذا اللعب بالعمل، وهذا اللهو بالجد: {إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالَكُمْ}. سورة محمد (36).

والحقيقة الثاني: أننا لا نصنع نفوسنا بل الله وحده هو الصانع. واسأل معي نفسك لماذا أنت في هذا المكان؟ بينما زميلك فلان في مكان مختلف إلى حد كبير.. ما هي الدعائم التي صنعتها أنت لتكون ما أنت عليه الآن، وقد ننخدع نحن الذين وصلنا إلى جانب من النجاح أننا بذلنا واعتصمنا وجاهدنا وجالدنا.. ولو فرض أن هذا حقيقي. لكن من الذي منحنا التوفيق والسداد.. إن كان الأمر مرجعه إلى الجهاد والجلاد فقد جاهد آخرون وجالدوا ولم يصلوا إلى النجاح. لماذا؟ إن التوفيق لم يصادفهم. انظر بإمعان إلى بعض الأسباب الواهية التي يتسبب عنها تغيير مجرى حياتك: تأخر درجة واحدة بل نصف درجة، بل أحياناً أقل من ذلك تجعلك في كلية أخرى غير الكلية التي وصل إليها زميلك الذي ربما كان أضعف منك فهل من المعقول أن يكون هذا التحول هو معيار التفوق أو ميزان الامتياز بين الناس لا.. ثم لا.. ولكن:

{وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى}.

والحقيقة الثالثة: أننا نركن إلى أشياء نعتبرها العون، ونعدها للخلاص وأحياناً تكون هذه الأشياء مدخرات مالية، أو عصابات بشرية، أو فلسفات ذهنية، أو تمذهب سياسي، أو تجمع ديني.. ثم نركن إلى هذا منتظرين منها النصر، طالبين العون، ولكن عندما تحين ساعة الاستغاثة نمد أيدينا إلى ما أعددنا فلا نجد ما أعددنا بنافع ولا مغن عنا من قضاء الله شيئاً، إلا أن يشاء الله وحده.

وساعة القضاء يتخلى عنا الأحباب والأصدقاء ويضيع المال، ويندحر الأنصار وتنقلب الأمور ولا نجد شيئاً مما أعددنا.. ثم تظلم الدنيا في وجوهنا ونضيق بكل آفاقها، وتعجز كل إمكانياتنا عن الحل، بل حتى على مجرد الصبر أو الأمل، ولا يبقى أمامنا أي شيء … إلا شيئاً واحداً هو:

" الله وحده ".

وعندما نولي وجهنا إلى الله سبحانه وتعالى نجد الرضا والسكينة، والأمل والطمأنينة، ونبصر النور ونحس بالقوة، وتأتينا العزيمة على تحمل ما نحن فيه من صعاب، وما نزل من شدائد، ويقوى فهمنا وعزيمتنا لما يحيط بنا، ثم يأتي نصر الله:

{وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ}.

ولكن الحقائق الثلاث التي ذكرتها ليست جديدة ولا وليدة بل ولا مجحودة أو معارضة عند الكثير من الناس. وبذلك لا تضيف إلى فكر البشرية ما لم يكن، ولا تزيد في ضمير الإنسانية ما لم يستقر.

وعلى الرغم من هذا كله فإني أجد لذة في أن أتحث فيها، وأجد قلبي مفعماً بالغبطة وأنا أحاول تسجيلها، لأنها قصة التجربة التي عشتها، والنتيجة الحلوة التي وصلت إليها بعد ظلام طويل.. والذين يصلون إلى نتائج مرضية يحاولون أن يحكوا ما وصلوا إليه وأن يرددوه كلما أتيحت الفرصة ويجد كل منهم اللذة في أن يتكلم، كما يجد رغبة في أن يسمع غيره ما ذاق وما عرف.

هذا بالإضافة إلى أن بعض الغافلين لا يلتفتون إليها إلا عرضاً.

والذين يلتفتون إليها لا يتأملونها.

والذين يتأملونها لا يعيشون فيها.

وأنا أدعو إلى أن نعيش فيها صباح مساء بحيث تملأ علينا الوجود، وتملأ علينا الحياة، وتصبح هي مصدر الدفع والجذب، ومبعث النشاط والإحجام ومثار الرضا والسخط، والدافع إلى الكف أو إلى العمل، فتكون للإنسان نوره الذي يسير في هداه، ويشعر أنه لا يعمل لغير الله تعالى، ولا يتوقف لأحد سواه.

وإنه لحتم على المؤمن المتيقظ أن يتأمل آيات الله التي ترشد إلى أنه الحكيم الخبير ويراقب الصانع العظيم في كل صورة ومع كل رؤية، وعند كل حركة، ومع كل سكون..

ثم يكون صدوره ووروده لله تعالى وتكون بدايته ونهايته له وحده ويكون حبه في الله، وبغضه لله، وتكون صلاته من أجل الله وحده لا شريك له.

فالبشر عدم، والعظماء حقراء، والسادة عبيد، والرؤساء في نظره أذناب، والخوف مع الله أمان، والنار برعايته برد وسلام، واليأس من الناس رجاء {يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاما} على جنود الرحمن وعباد اللطيف المنان.

ولست بهذه الكلمة راغباً في وضع تخطيط لنهج علمي، وتسجيل بحث لدراسة خاصة ولكني أرغب في الدعوة إلى تخليص الأفراد مما يقيد فكرهم وعقلهم عن الانطلاق إلى لب الوجود، وحقيقة الحقائق منادياً:

بإلغاء كل الشعارات الزائلة، والاتجاهات الباطلة لنرفع شعاراً واحداً لا يتغير ولا يتبدل هو الشعار الأصيل:

" الله وحده ".

لقد آثرت في حياتي الصمت تاركاً الكلام لغيري، واكتفيت من وجودي بالنظر العميق إلى ما وراء هذا الوجود متأملاً فيما صنع الرحمن، وفيما أعطى وفيما وهب. واعتقادي أن ما نراه قليلاً هو كثير، وأن البسيط عظيم، وأن ما نلقاه من متاعب راحة، وما يصادفنا من مشقات سعادات.

وإني لأعجب من بعض الصالحين الذين يدعون ربهم فيقولون: الله بارك لنا في القليل الذي بين أيدينا. ولكني أقول: يا رب بارك لي في الكثير الذي أعطيتني.. فله الحمد حتى يرضى، وما أستطيع أن أرفع نظري إليه شاكراً لأنه حتى في التوفيق إلى الشكر هو صاحب الفضل. فالعجب كل العجب لمتفضل بالنعمة يضاعفها ثم يسبغها، ثم يحفظها، ثم يعطيك الهداية لشكرها فهو صاحب الفضل في كل حال، وهو الموفق للطاعة ثم يثيب عليها.. سبحانه يعين على الشكر والذكر وحسن العبادة ثم يمنح الأجر …

اللهم لك الحمد على الدوام. ولا إله إلا أنت ولا عون إلا بك ومنك {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ}.

وحسبنا الإقرار بالعجز، والتعبير عن النقص، وإظهار العذر، والإقرار بالذنب، والاعتراف بالقصور، ثم الاعتصام بحوله وقوته.. لا شريك له..

داعياً إخواني الغافلين ليهبوا من غفلتهم، ويفيقوا من نسيانهم موحدين حنفاء لله غير مشركين به، محطمين كل شعار، ملتفين حول الواحد الأحد، فمنه النصر، وبه العون، وإليه المصير.

للحديث بقية.