|
|
|
رسالة
إلى الأستاذ الدكتور أحمد زكي |
|
رئيس تحرير مجلة العربي المحترم |
|
بقلم
الدكتور محمد معروف الدواليبي |
|
|
|
وبعد فقد أخبرني منذ أيام بعض الأصدقاء من كبار هيئة
العلماء في الرياض أن الدكتور أحمد عبيد الكبيسي مدرس الشريعة الإسلامية بجامعة
بغداد قد نشر في مجلتكم الغراء في العدد 166 الصادر في شهر رجب 1392 ـ سبتمبر
(أيلول) 1972م كلمة تحت عنوان (الحكم بقطع يد السارق في الشريعة الإسلامية)،
وأنه قد جاء فيها "أن بعض الباحثين، ومن هؤلاء معروف الدواليبي في كتابه
(المدخل إلى علم أصول الفقه) الصفحة 321، قد ذهبوا إلى جواز إلغاء عقوبة السرقة
أو تبديلها بعقوبة[1]
أخرى تبعاً لتغير الأزمان والأحوال، وأن لولي الأمر الحق في تكييف عقوبة السرقة
حسب الظروف والمقتضيات، وأن هؤلاء ومن وافقهم على أصل جواز تغيير الأحكام
المنصوص عليها إذا دعت إلى تغييرها مصلحة حتى ولو تعارض ذلك مع نصوص الكتاب
والسنة، وأنهم أخذوا بوقوع النسخ كدليل على جواز تغيير الأحكام المنصوص عليها
وأنهم اعتبروا عدم قطع عمر لغلمان حاطب لما سرقوا تصرفاً في النص وتعطيلاً للحد"،
ثم أنهى هذا الكاتب كلمته بقوله: "أما وقد تم التشريع الإسلامي وأكمل الله
دينه، وعقوبة السرقة على حالها، فليس لأحد أن يدعي أنه يعلم من وجوه المصلحة ما
غاب من علم الله تنزه ذكره، ومن شقي بادعاء ذلك فليسمع قوله تعالى: {فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا
يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ
هُدىً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}. |
|
وإن الذي نقل إليّ هذه الكلمة كان استغرابه عظيماً لما نشر
في هذا العدد منسوباً إليّ خاصة، وكنا في حديث عن ندوة كبار علماء الحقوق
الأوروبيين الذين حضروا إلى المملكة السعودية في شهر مارس من هذا العام للاجتماع
مع علماء المملكة والتعمق في حقيقة حقوق الإنسان في الإسلام، وقد أثاروا أحكام
الحدود في الإسلام مستنكرين ومعلنين تنافيها مع حقوق الإنسان، وكان رَدّي عليهم
كلمة الفصل وبحضور نخبة من كبار علماء المملكة برئاسة سماحة وزير العدل الشيخ
محمد الحركان الذين شكروا لي موقفي وقوة حجتي في الدفاع عن شريعة الله وخاصة في
الحدود وفي مقدمتها القطع والرجم، وكل ذلك لا يتفق في شيء مع ما نسبه إليّ
الكاتب الدكتور أحمد عبيد الكبيسي، مع العلم بأن كتابي الذي نسب إليه هذا الباطل
قد طبع خمس طبعات منذ سنة 1949، ودرَّسته في كلية الشريعة في دمشق بضع سنوات،
وكذلك في كلية الحقوق في دمشق، وكذلك في معهد القضاء العالي في الرياض بتكليف
خطي لي من قبل المرحوم سماحة مفتي المملكة العربية السعودية الشيخ محمد بن
إبراهيم آل الشيخ رحمه الله، ولم يفهم أحد مني أو من كتابي ما فهمه الكاتب
الدكتور الكبيسي، وها أنا أستعرض ما سجله الكاتب المذكور من مفاهيم لا أصل لها
في كتابي، مع الرد عليها واحدة فواحدة من نفس كتابي، وخلافاً لما نسبه إليّ. |
|
وإنني أبدأ في الرد على ما نسبه إلى كتابي من نقاط أساسية
مرتبة كما جاءت في كتابي من أصول ثم من فروع، مع لفت نظر الكاتب أولاً إلى أنني
لست باحثاً في هذه الأمور ومبتدعاً، وإنما ناقلاً ومتمسكاً بما قرره العلماء،
وعاملاً بفهمهم لا بما نسبه إليّ الكاتب الكبيسي من فهم ظالم. |
|
ومن أولى هذه النقاط الأساسية زعم الكاتب بأنني "من هؤلاء
الباحثين ومن وافقهم على أصل جواز تغيير الأحكام المنصوص عليها إذا دعت إلى
تغييرها مصلحة، حتى ولو تعارض ذلك مع نصوص الكتاب والسنة". وهذا بهتان عظيم
أبرأ منه إلى الله وأستنكر نسبته إليّ فيما يخصني وذلك بدليل ما جاء في كتابي من
نصوص واضحة صريحة ضد هذه المفاهيم الباطلة التي كان على الكاتب تصحيحها وتصحيح
ما أبهم عليه من ألفاظ أحياناً وذلك بتحكيم تلك النصوص التي لا غموض فيها. |
|
ومن هذه النصوص: |
|
أولاً ـ أنني كلما ذكرت المصلحة للعمل بها فذلك " في
كل مسالة لم يرد في الشريعة نص عليها ولم يكن لها في الشريعة أمثال تقاس عليها
" ـ الصفحة 301، الفقرة 1، وكذلك في الصفحة 309، الفقرة 3. |
|
ثانياً ـ أن العبرة في المصلحة إنما هو لمقصود الشرع لا
للأهواء، وأن كل مصلحة علم أنها ليست من مقاصد الشرع كان الاعتماد عليها في
الاجتهاد والحكم باطلاً لا يلحق الحكم بالشرع ـ الصفحة 309، الفقرة 3. |
|
ثالثاً ـ "أن النسخ لا يصح إلا من قبل الشارع نفسه …
وقد اعتبرت الشريعة الإسلامية النسخ للأحكام الشرعية حقاً خاصاً بمن له سلطة
الاشتراع" ـ الصفحة 316، 317، الفقرات 1، 3. |
|
رابعاً ـ "وأما تغيير الحكم الذي لم ينسخ نصه فهو
عبارة عن العمل بنفس النص الثابت، ولكن بدليل مستوحى من ظروف النص تبعاً لمصلحة
زمنية.." الصفحات 317، 318، الفقرة 4. |
|
خامساً ـ "أن العمل بمبدأ تغير الأحكام بتغير الأزمان
هو عمل اجتهادي جليل ودقيق، يتطلب حساً مرهفاً في تلمس المصلحة للأمة ودفع
المفسدة عنها، وإلا فإن إطلاق العمل به للمجتهدين يكون مدعاة لفوضى في التشريع
والقضاء" الصفحة 319، الفقرة 6. |
|
سادساً ـ "أن الفقهاء اختلفوا في المصلحة تجاه النصوص
على أربع طوائف الشافعية، والحنابة، والمالكية، والغلاة في المصالح المرسلة
كالطوفي" الصفحات 237، 238، الفقرة 38 ـ ثم قلت: "ونرى لزاماً علينا
أن نشير إلى ما في مذهب الطوفي وأمثاله من خطر الغلو في الأخذ بالمصالح المرسلة،
وإن في ذلك تعطيلاً للنصوص بما يبدو للمجتهد من المصلحة، ولو جاز لتعطلت نصوص
الشرائع وسادت الفوضى في العمل بالشريعة.. ولذلك وجدنا الأئمة الأربعة مجتمعين
على رفض هذا الغلو" الصفحات 244، 245، الفقرة 52. |
|
سابعاً ـ " إن الإسلام لما اشتد ساعده وتوطد سلطانه
رأى عمر رضي الله عنه حرمان المؤلفة قلوبهم من العطاء المفروض لهم بنصوص القرآن،
وليس معنى ذلك أن عمر قد أبطل أو عطل نصاً قرآنياً، ولكنه نظر إلى علة النص لا
إلى ظاهره، واعتبر إعطاء المؤلفة قلوبهم معللاً بظروف زمنية تقتضي ذلك العطاء،
وتلك هي تألفهم عندما كان الإسلام ضعيفاً، فلما قويت شوكة الإسلام وتغيرت الظروف
الداعية للعطاء، كان من موجبات النص ومن العمل بعلته أن يمنعوا من هذا
العطاء" الصفحة 321، الفقرة 2 ومن هذا القبيل أيضاً اجتهاد عمر رضي الله عنه
عام المجاعة في وقف تنفيذ حد السرقة وهو قطع اليد، معتبراً أن السرقة ربما كان
يندفع إليها السارقون بدافع الضرورة لا بدافع الإجرام، وفي ذلك شبهة في الجرم
على الأقل، والحدود تدرأ بالشبهات" الصفحات 321، 322، الفقرة 3 "ومن
المعلوم أن عمر رضي الله عنه كان قد أمر أولاً بقطع أيدي غلمان حاطب لما سرقوا،
ثم أمر بوقف القطع". |
|
ويتضح من هذه النصوص الواردة في كتابي "المدخل إلى علم
أصول الفقه" أنني لم أقل بجواز إلغاء عقوبة السرقة تبعاً لتغير الأزمان،
ولا قلت بالتصرف بالنص وتعطيل الحد، وإنما نقلت الحكم بوقف تنفيذ القطع عام
المجاعة بعد الأمر بالقطع، وذلك لأن الحدود تدرأ بالشبهات، ولم أقل قط "بجواز
تغيير النصوص أو تعطيلها إذا دعت إلى ذلك مصلحة "، كما عرف ذلك عن الطوفي،
والفرق كبير خطير بين تغير الأحكام الزمنية، وبين الزعم بجواز تغيير النصوص
الثابتة وتعطيلها، وهذا ما رددته رداً صريحاً وحذرت منه ودعوت إلى العمل بما
أجمع عليه الأئمة الأربعة من رفض ذلك وعدم جواز الأخذ بالمصلحة "إذا تعارضت
مع نصوص الكتاب والسنة" ولذلك لا يجوز للكاتب الأستاذ الكبيسي أن يأخذ
بمفاهيمه المغلوطة وأن يهمل نصوصي الصريحة وأن ينسب إليّ ظلماً ما قد صارحت بالتحذير
منه، وخاصة ما نسبه إليّ من سوء فهم لما استشهدت به من كلام ابن القيم رحمه الله
ظناً منه أنني استشهدت به لإسقاط النص أو للتصرف به وتعطيله مما أبرأ إلى الله
منه ومن سوء فهمه. |
|
وأعجب من كل ذلك ما ظنه الأستاذ الكبيسي أنه اكتشاف
لانخداعي بالعنوان الذي أدرج ابن القيم كلامه فيه تحت قوله: "فصل في تغير
الفتوى واختلافها بحسب تغير الأزمنة والأمكنة و الأحوال والنيات والعوائد"،
وقوله: إنني فهمت من عبارة "تغير الفتوى" تغير الحكم، وأنه ليس الأمر
كذلك لأن الفتوى غير الحكم، وإنما هي بيانه، وهنا ألفت نظر الأستاذ الكبيسي إلى
أنني لست صاحب القول الذي قال: "لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان"
وإنما هو قول الأئمة المعتمدين، غير أن من قال بذلك لم يقل إن المراد من
"تغير الأحكام" هو تغير النصوص وتعطيلها والتصرف بها، وإنما مراده
"تغير الفتوى"، كما قال ابن القيم رحمه الله، وليست
"الفتوى" عندما تطلب من المفتي إلا التعبير عن "الحكم"
الشرعي في القضية المسؤول عنها، فلا خلاف إذن في المراد من اللفظين هنا، ولا
انخداع ما دام المراد منهما هنا بعيداً عن الزعم "بتغير النصوص مع تغير
الأزمان" فلا يجوز للأستاذ الكبيسي إلزام الآخرين بما يفهمه هو من فهم لم
يجزه الآخرون، وإنما رفضوه وحذروا منه. |
|
وملاحظة أخيرة على فهم الأستاذ الكبيسي فيما يتعلق بالنسخ،
وزعمه بأنني أخذت بوقوع النسخ كدليل على جواز تغيير الأحكام المنصوص عليها، فهذا
شيء لا أصل له إلا سوء الفهم الذي وقع فيه ورماني به، وذهب يطيل الكلام فيه
إطالة لا حاجة إليها، فإنني فرقت ما بين النسخ الذي هو من عمل الشارع نفسه
ويتعلق بالنصوص، وما بين تغيير فتوى المفتين والمجتهدين في بيان الأحكام عند
تغير الظروف والأزمان، وذلك من عمل المجتهدين ومن دون مساس بالنصوص، بل قلت فيه:
"إنه عبارة عن العمل بنفس النص الثابت، ولكن بدليل مستوحى من ظروف النص
تبعاً لمصلحة زمنية" الصفحات 316، 317، 318. |
|
وأما ما نقلته في هذا المقام عن العلماء في فلسفة الشرائع
وقولهم فيها: "إن التشريع الذي تلائم أحكامه أمة ويتفق ومصالحها قد لا
تلائم أحكامه أمة أخرى ويعارض مصالحها" ثم تعليق الأستاذ الكبيسي عليه
بقوله: "فهذا ما نستعيذ بالله من شر خطراته على الذهن" فأنا أيضاً أستعيذ بالله من شر خطراته على
الذهن إذا فهم منه فاهم أننا نريد منه تعطيل نصوص الشريعة الإسلامية الثابتة.
ولكن هذا الفهم حذرنا منه النص كما أشرنا إليه أعلاه ولم يورده علينا أحد قبله،
ولذلك كان من الغفلة غير المتسامح بها أن يفهم منه ما فهمه الأستاذ الكبيسي على
الرغم من رفضنا له نصاً وتأكيداً، وإنما يجب أن يبقى ذلك المعنى من فلسفة
الشرائع مقروناً بما ذكرناه عقبه حول النسخ من قبل الشارع نفسه حيث قلنا نقلاً: "وهذه
أصول تكاد تكون بديهية غير مفتقرة إلى برهان، وأصدق شاهد لها نسخ بعض الأحكام
الشرعية ببعض في التشريع" الصفحة 318، الفقرة 5 ـ وهذا صحيح وواقع. |
|
وأختم بقوله تعالى: {رَبَّنَا
لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا.. وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ
لَنَا وَارْحَمْنَا} وارحم معنا الأستاذ الدكتور الكبيسي سامحه الله. |
|
بيروت في 9/10/1392 الموافق 15/11/1972. |
|
|
|
[1] الصحيح: تبديل عقوبة
أخرى بها بإدخال الباء على المتروك كقوله تعالى: {أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو
خير}. |