طباعة

 توثيق النص

 

 

 

رسائل لم يحملها البريد

بقلم الشيخ عبد الرؤوف اللبدي

المدرس بكلية الشريعة بالجامعة

 

 

شقيقي الراحل:

لقد باعد الموت ما بيننا، أمَّا أنا فلا أزال في الأحياء، أدِبُّ فوق الثرى إلى أجل مسمى يعلمه الله، وأمَّا أنت فقد اعتبطت الموت، وارتحل بك إلى الدار الآخرة، تواريت تحت التراب تنتظر يوم الحساب.

كان ذلك في ليلة مكفهرة عابسة في أعجاز الخريف، قد امتلأت آفاقها بالسحب، فلم يطلع لها نجم، ولا أضاء فيها قمر، وكانت الأرض قد صوح نبتها، ومات عودها، وأصبح ما على وجهها هشيماً تذروه الرياح.

كانت السماء تبكي في تلك الليلة، كانت تبكي على الأرض، لتطفئ ظمأها، وتحيي هشيمها، وتكسوها حلة قشيبة موشاة تميس فيها لآذار ونيسان.

وكانت السماء تبكي عليك في تلك الليلة، وأنت من فوق ألواح الخشب على ظهر الشاحنة الكبيرة الصاعد في سفوح وادي الموجب، ذلك الوادي السحيق العميق الذي تزوغ في أحشائه الأبصار.

لقد كان مقعدك إلى جوار السائق دافئاً أميناً، بعيداً عن الخطر والمطر والبرد والعواصف، فلِمَ غادرته لتمطي الأمواج وتكافح الرياح، وتتلقى الماء المنهمر؟! ما الذي كان يدعوك إلى أن تركب هذا المركب الخشن؟! ولِمَ حمَّلت نفسك تلك الصعاب، وأذقتها ذلك العذاب؟!

نعم، لقد كنت أميناً عند الناس وعند الوزارة، فخشيت أن تسّاقط ألواح الخشب في سواد الليل البهيم وأنت لا تدري، فتساقط معها أمانتك التي كنت حريصاً عليها كل الحرص، وفيّاً لها كل الوفاء.

والتَوَت الطريق على الشاحنة الكبيرة،  وخرج بها عن الجادة ظلمات الليل، وتتابع الودق، وسوء خلق السائق، فألقت بنفسها وبمن فيها وما عليها على الأرض، كما يلقي المتعب الواهن بنفسه إذا ناء كاهله بما يحمل، ولم تقوَ ساقاه على طول الطريق.

وقفزت من على الشاحنة تريد النجاة من الموت، ولكن الموت كان يترصدك على أسنة الصخور الحادة التي كسرت أعظمك، وأسالت دمك، وتركتك لقي على الأرض، لا ترى من حولك أُمّاً ترسل الدمع، ولا إلى جانبك أخاً يتوجع، ولا على مقربة منك عابر سبيل يحمل الوصية.

كنت أنا في مدينة الرياض بعيداً عنك مئات الأميال، وجاءني ورقة صغيرة فيها كلمات تسمى (برقية)، تسلمتها في صباح يوم من أيام التدريس، تسلمتها على قلق، وقرأتها عجلان في لهفة، فإذا هي تنعاك إليّ، قرأتها مرة بعد مرة بعد مرة، وفي كل مرة كأني لم أقرأها من قبل، يا لله للمصائب المفاجئة! كأنما اتخذت عند الرحمن عهداً ألا تسبقني إلى الموت.

قرع الجرس، وجاء موعد الدرس، فطويت الورقة الحزينة، وأسكنتها جيبي في غير سكينة، ودخلت غرفة التدريس … لقد مضى على ذلك سبعة عشر خريفاً، وإني لأذكر اليوم كأنما كان الساعة. كان درساً في تاريخ الأدب عن ابن تيمية رحمه الله، وألمت بي في أثناء الإلقاء فترات صمت وذهول وشرود، ولكن الطلاب كانوا يحسنون الظن بي، فظنوا أني أتذكر معلومات نسيت، وأتصيد أفكاراً ندّت! وانتهت الحصة، وعدت إلى البيت، فقال أهله: ماذا هناك ؟! فقلت لهم ما كان هنالك، فكان صمت، وكان تجهم ووجوم.

ومضت الساعات والأيام والليالي والأشهر، مضت بطيئة الخطو، ثقيلة العبء، مرَّة المذاق، أعاني فيها فقدك، وأعاني فيها مرض السكر الذي كنت لا أدريه.

ثم … ثم بعد طول عذاب وطول غياب يجيء يوم العودة، ويعود المدرسون إلى أهليهم وذويهم بعد فراق تسعة أشهر.

وكان العائدون في مطار الرياض يتحركون بخفة ورشاقة، وكانوا يتكلمون ببشر وطلاقة، كأنما هم عصافير الصباح.

أما أخوك فكان يتكلم، ولكنه لم يكن بليل الريق، وكان يتحرك، ولكن بغير جناح.

كان العائدون في مطار الرياض يمدون بأبصارهم وخيالهم بعيداً بعيداً، إلى أرض الوطن، فيرون على أرض مطاره، وعلى أبواب دياره، وفي أفنية المنازل، يرون وجوهاً ضاحكة مستبشرة، تفتح الأذرع، وتمد الأعناق.

أما أخوك فكان يمدّ ببصره كما يمدون، ويحلق بخياله كما يحلقون، ولكنه لم يكن يرى إلا عيوناً أطفأها الدمع، ووجوهاً أذواها الأسى.

وآب الغيّاب إلى أهليهم، وآب أخوك إلى أهله … وفي أول الطريق المؤدي إلى بيتك لقيني طفلك الأكبر، بوجهه المشرق الأزهر، يلعب ويثب مع أطفال الشارع، قال ـ وقد فوجئ بلقيانا ـ: جيتم؟! حتى إذا زالت عنه دهشة الفجاءة عاد يقول: عمي، أبي قد مات، قالها ببراءة وطلاقة ودون مبالاة، وهو لا يدري أي سهم رمى، ولا أي قلب أصمى، وابتدر الدمع إلى عينيّ، ولكنني حبسته بعد غلاب، ومشينا في الطريق إلى البيت، أحمل حقيبة كبيرة في يدي، وطفلك هذا يقفز ويثب من حولي فرحاً مسروراً، يحاول بين الفينة والفينة حمل الحقيبة التي كانت أثقل منه، ووصلنا إلى باب الدار، وعلى عتبة بابها الخارجي كانت أروى ذات العامين تجلس، لقد تركناها حين سفرنا دون فطام، فلم تعرفنا حين العودة، ولم تبد لاستقبالنا أي حراك، لم أقف عندها غير قليل، ثم تجاوزت العتبة إلى من هم وراء العتبات والأبواب ينتظرون، وجدت الوالدة في إحدى زوايا الغرفة تبكي، ومن خلفها زوجك تباكيها، وابنك الأصغر الرضيع مستلقياً على ظهره يحرك يديه ورجليه في خفة ونشاط، دون أن يدري شيئاً مما حوله، كان سلامنا عبرات مهراقة، وقصصاً كثيرة تروي عن مصرعك وجنازتك ودفنك.

وذهبت مع شقيقنا الأكبر، حتى إذا انتهينا إلى المقبرة سلمنا على أصحابها، وأخذنا نجوس خلالها إلى أن قال لي: ههنا … فوقفت وسلمت، ونظرت فإذا حفرة كاد يعيفها الريح والمطر لولا حجارة صغيرة طوقتها من كل جانب. يا للموت!! لقد اتسعت هذه الحفرة الصغيرة لقامتك الفارغة، ولآمالك المضيعة، ولهمومك الكثيرة، ولِمَ لا تتسع؟! فالأموات في بطن الأرض ليسوا في حاجة إلى غرف استقبال يتباهون بما فيها من سجاد وكنب وزينة وتحف، وليسوا في حاجة إلى غرف نوم يستريحون فيها وينعمون ويحملون ويكسلون، وما بهم من حاجة إلى غرف للطعام يأكلون فيها أكثر مما ينبغي لهم، ليسوا في حاجة إلى هذا كله، ولا إلى ما يتصل به، ولا إلى ما هو أدنى من ذلك ولا أكثر، لقد ضل عنهم ما كانوا على ظهر الأرض يفعلون.

أما أمك فقد ظلت بقية عمرها مكلومة الفؤاد، لا تكاد ترقأ لها دمعة، أو تخمد لها لوعة، حتى لحقت بك.

يا للأمهات ويا لقلوب الأمهات!! يظللن وفيَّات طول العمر، وعلى نوائب الدهر.

أما زوجك فقد حزنت ما حزنت، حتى إذا عرض لها الزوج الذي ترتضيه تركت بقايا حزن كانت لا تزال عالقة بأذيال ثوبها، وألقت بأولادك الثلاثة إليّ، كما يلقي المسافر بمتاع أثقل عاتقيه، وحنى قائم صلبه، وأقبلت على حياتها الجديدة كما يقبل عباد الله الذين تصيبهم الجراحات حيناً من الدهر، ثم تندمل على كر الغدايا ومرّ العشايا.

لست أدري أكنت في حياتك الدنيا تذهب مذهب القائل:

أهيم بدعدٍ ما حييت فإن أمت

 

فلا صلحت دعد لذي خلة بعدي

أم كنت ترى هذا القائل أنانيّاً غيوراً ظلوماً؟

وأياً ما كان رأيك وهواك، فقد سلكت زوجك الطريق الذي كنت أنت سالكه، لو ماتت هي وبقيت أنت حياً في شرخ الشباب ونضارة الصبا، فلا تثريب عليها فيما فعلت ولا عتاب، والنساء اللائي يصبرن على مكاره العيش ولأواء الحياة، وينشرن أجنحة الرحمة على أطفالهن مؤثرات نعيمهم وراحتهم على راحتهن ونعيمهن، أولئك نسوة قلائل، وقلائل جداً.

وقد تسالني في لهفة وحسرة، وخوف وإشفاق، وماذا صنعت أنت بأطفالي؟! أطفالي الذين كانوا همي وتفكيري وأنا أودِّع هذا العالم، وأكابد غصص الموت، أطفالي الذين طالما وضعت الخطط لمستقبلهم، وبنيت الآمال الكبار على شبابهم، أطفالي الذين تركتهم كزغب القطا ثم لا ماء ولا شجر، أطفالي …؟!

ما صنعت بهم إلاّ خيراً، وسوف أقص عليك نبأهم بعد حين.

دعني الآن أصلي وأسلم على رسول الله وأقول له: صلاة الله وسلامه عليك يا رسول الله، ما أكثر ما سمعت قولك: " أنا وكافل اليتيم له أو لغيره كهاتين في الجنة " وتشير بإصبعك السبابة والوسطى.

ما أكثر ما سمعت هذا القول، ولكن أذني وحدها التي تسمع، ثم لا يلبث تسمعه أن يطويه النسيان.

أما اليوم فإني لأسمعه بحواسي الخمس، وأذكره ليل نهار، صباح مساء، وأدركه عن بلاء وعناء وتجربة.

عانيت يا رسول الله تلك الكفالة التي ذكرت، وتذوقت طعامها الحلو المر، وسمعت نداءها الصاخّ والهامس، ولمست ما خشن منها وما لان، وملأ أنفي منها عطر ودخان، ورأت عيناي لها كثيراً من الصور، فعرفت لماذا أجزلت لها في العطاء، وأعليت شأنها ذلك الإعلاء، وأدركت أن ما قلته لم يكن من بابة الترغيب المحض والإغراء، ولا إسرافاً في الثواب والجزاء، وإنما كان منطق الحق والصدق والهدى والتجربة.

أما الآن فأعود إليك أيها الأخ الكريم الراحل، أعود إليك لأحدثك حديث أبنائك الذين تركتهم صغاراً، وأصبحوا اليوم كباراً، …

وإني لأخالك لهفان عجلان إلى أخبار ابنك الكبير … فقد تركته وعلى محياه مخايل الذكاء، وفي عينيه بريق الألمعية.

قصته قصة لم تنته بعد، ولقد بدأ بداية طيبة مرتجاة، حتى إذا هبت عليه عواصف المراهقة، واستبدت به عواطف الشباب، وفقد القدوة الصالحة في المدرسة وفي الشارع، وبعدت عنه أعين الرقباء ـ أخذت ساقاه تضطربان من تحته، وعيناه يغشاهما الضباب؛ وإنه ليخيل إليّ أنك من هول الصدمة تتميز من غيظ، وتصرخ من حسرة، وتسأل من عجب: وأين غاب النصح والإرشاد وإصلاح الفساد؟!

لم يعد للبيت سلطان على شباب هذا الجيل، وما يصلحه البيت ـ إن كان هناك إصلاح ـ تفسده المدرسة حيناً، ويفسده الشارع حيناً آخر، وفي كثير من الأحيان تفسده صحف ومجلات وقصص ووسائل إعلام أخرى.

لقد أصبح عطاء كثير من المدرسة والجامعات عطاء معلومات وحشو معارف، وأصبح همُّ الطلاب نجاحاً في امتحانات وحمل شهادات، لقد فقد الطلاب في مدارسهم هذه وفي جامعاتهم تلك، فقدوا القدوة الصالحة والمثال العالي، فقدوا ما يثبت الإيمان في القلب، وما يغرس الفضيلة في النفس، وإذا ما قلت لك لقد وجدوا فيها ما يزعزع الإيمان في الأفئدة، وما يقتل الفضائل في الأنفس، فما جانبت حقاً ولا قلت زوراً.

إن كثيراً من المدرسين ذووا مؤهلات علمية جيدة، ولكنهم ـ وا أسفاه ـ ليس لهم نور يسعى بين أيديهم وعن أيمانهم وشمائلهم يراه الطلاب فيسيرون على هديه.

لقد أصبحت العلاقة بين المدرسة وتلاميذها علاقة بائع ومشتر، أما ما كان بينهما منذ أزمان من أسباب المودة والعطف والحنان، والإخلاص والنصح، فما أظنه إلاّ راقداً في رمس من هذه الرموس التي من حولك.

لا أريد أن أشرح لك الأسباب، وأبيِّن لك العلل، فذلك شأن من شؤون هذه الدنيا، وأولئك الذين هم يعيشون في الدار الآخرة لا يعنيهم هذا، ولا ينبغي لهم.

لن أطيل عليك، فابنك هذا قد أخذ شهادته الجامعية بجدارة، وشرع يزاول عملاً يطعمه الخبز المأدوم، ويسقيه الماء القراح، وهو إلى جانب ذلك يقول الشعر، ويكتب الأدب، ويحب القراءة، على أني لا أدري أيظل في ضلاله القديم، أم يتخذ له طريقاً في الحياة رشداً.

وأما ابنتك الصغيرة التي تركتها ذات عامين، فلم تأخذ من التعليم إلاّ حظاً قليلاً، ولا أدري أكان في ذلك الخير لها أم الشر، ومهما يكن من أمر فأولو البنات هذه الأيام يصطفون لبناتهم من الأزواج من كان ذا مال وعقار، أو كان من الموظفين الكبار، ثم من كان ذا حسب ونسب، وقد يعبئون بذي الدين، وكثيراً ما يكون عيب الخاطب أنه ذو دين، وقد تعجب وتسأل، فيقول قائلهم أريد أن أؤمن حياتها، وأن أطمئن إلى راحتها، وليس أفضل في هذا المجال من ذي مال.

أما أنا فقد ذقت طرفاً من الفقر، وشيئاً من الغنى، فما وجدت الراحة هناك، وما وجدتها هنا، وجدتها طمأنينة نفس وعلاقة بالله صامتة، ليست بذات نفاق وضجيج وتجارة، فآثرت أن تنتقل ابنتك إلى بيت فيه صلاة وصيام، فيه خشية من الله وابتغاء مرضاته، ففي مثل هذه البيوت تكون الراحة، وفي مثل هذه البيوت يكون الأمان والاطمئنان.

أما ولدك الثالث الذي تركته رضيعاً لم يبلغ الفطام، فورقة صفراء من أوراق الخريف، ما هو بالعليل الذي تغشاه صفرة الموت، ولا بالهزيل الذي عضه الجوع وأذواه، لا، فجسمه يفيض نشاطاً وحياة وصبا، ولكنه في روحه ونفسه كسائر أبناء جيله وجنسه، خواء وخلاء، ضياع وقلق، وهيام في كل واد، يسيرون على كل طريق، ولكنهم لا يعرفون بيوت الله إلا قليلاً، ويتعلمون الدين، ولكنهم يسقون كما يسقى المريض دواءه المر، ويصغون إلى نداء الناصح الشفيق كأنما هم في حلم.

لا أريد أن أظلمه حقاً، أو أنقصه قدراً، فلقلبه الغافل بعض الأحايين صحو أرجو الله أن يطول، ولسمائه الغائمة بعض الأماسيّ وميض رغبة أسال الله أن يضطرم.

على أنه مما يعزيك ويعزيني أنه ليس من أؤلئك الشبان الذين اتخذوا لهم في اللباس والمظهر صبغاً جديداً، وزيّاً شروداً، فربّوا أظافيرهم كحوافر الخيل، وأطلقوا شعورهم منفوشة كأصواف الخراف، وزينوا معاصمهم بالأساور، وعلقوا القلائد في الأعناق، ولبسوا البناطيل ضيقة الأعالي واسعة الأسافل، وهبطوا بالأحزمة العريضة على الأعجاز، ثم لا شيء وراء ذلك يثقل في الميزان من عمل صالح، أو علم نافع، أو اعتناق لدين، أو احترام لعرف، أو اعتراف بفضيلة.

لا تحزن أيها الأخ الراحل أن تموت شاباً، وأن يجيئك الموت مرة واحدة، فالذين عاشوا من بعدك، على الرغم من طول أعمارهم، يموتون في كل يوم مرة أو مرتين.