|
|
||
|
أضواء من التفسير |
||
|
للشيخ عبد
القادر شيبة الحمد |
||
|
المدرس
بكلية الشريعة |
||
|
|
||
|
قال تعالى: {هَذَا وَإِنَّ
لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ، جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمِهَادُ،
هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ، وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ، هَذَا
فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لا مَرْحَباً بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُو النَّارِ، قَالُوا
إِنَّهُمْ صَالُو النَّارِ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا فَبِئْسَ الْقَرَارُ، قَالُوا
رَبَّنَا مَنْ قَدَّمَ لَنَا هَذَا فَزِدْهُ عَذَاباً ضِعْفاً فِي النَّارِ، وَقَالُوا
مَا لَنَا لا نَرَى رِجَالاً كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الأشْرَارِ،
أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيّاً أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الأَبصَارُ، إِنَّ ذَلِكَ
لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ}. |
||
|
المناسبة: |
||
|
لمَّا بيَّن الله حال السعداء للترغيب، أتبعه ببيان حال
الأشقياء للترهيب. |
||
|
القراءة: |
||
|
قرأ الجمهور {وَغَسَّاقٌ}
بتشديد السين، وقرئ بتخفيفها. وقرأ الجمهور {وَآخَرُ}
على الإفراد، وقرئ {وأُخر} بالجمع.
وقرئ {مِنْ شَكْلِهِ} بفتح الشين
وبكسرها. وقرئ {أَتَّخَذْنَاهُمْ}
بهمزة القطع للاستفهام. وقرئ بهمزة الوصل. وقرئ {سِخْرِيّاً}
بضم السين وقرئ بكسر السين. وقرئ {تَخَاصُمُ}
بالرفع، وقرئ بالنصب أيضاً. |
||
|
المفردات: |
||
|
{اِلطَّاغِينَ} أي الكفار المتجاوزين حدود
التوحيد إلى الشرك. {لَشَرَّ مَآبٍ}
لقبيح مرجع. {جَهَنَّمَ} النار المحرقة
البعيد القاع من الجهنام وهي البئر العميقة. {يَصْلَوْنَهَا}
يدخلونها ويعذبون بها. {بِئْسَ} قبح وذم. {الْمِهَادُ}
الفراش. {فَلْيَذُوقُوه} فليختبروا
طعمه ويحسوا به، وهذا على سبيل التبكيت. {حَمِيمٌ}
الماء الشديد الحرارة. {وَغَسَّاقٌ}
بالتشديد والتخفيف هو اسم ما يجري من صديد أهل النار أو عين في جهنم يغمس فيها
الكافر فيتساقط جلده ولحمه، وقيل: هو الزمهرير. وقيل: هو وصف من غسق بمعنى سال
يقال غسقت العين إذا سال دمعها. وقد حذف هنا موصوفه والتقدير ومذوق غساق أي سائل
من جلود أهل النار. والوصف في المشدد أظهر لأن فعّالا بالتشديد قليل في الأسماء
كالغَيّاد لذكر البوم، والخطَّار لدهن يتخذ من الزيت، والعقَّار لما يتدواى به
من النبات. {وَآخَرُ} أي مذوق آخر أو
عذاب آخر. وبالجمع ومذوقات أخر أو أنواع عذاب أخر. {أَزْوَاجٌ}
أصناف وأجناس. {فَوْجٌ} جمع كثير يعني
من أتباعهم في الضلال. {مُقْتَحِمٌ} أي
داخل وسط شدة مخيفة. {مَرْحَباً} من
الرُحب بضم الراء وهو السعة. {قَدَّمْتُمُوهُ}
سببتموه. {الْقَرَارُ} المقر. {ضِعْفاً} أي زائداً مضاعفاً. {نَعُدُّهُمْ} نعتبرهم. {الأشْرَارِ} الأراذل الذين لا خير فيهم، يعنون
فقراء المسلمين. {سِخْرِيّاً} بضم
السين من السخرة والاستخدام. وبكسرها من السخر وهو الهزء. {زَاغَتْ} مالت {الأَبصَارُ}
العيون. {لَحَقٌّ} صدق ولا بد أن يجري
بينهم. {تَخَاصُمُ} تدافع. {أَهْلِ النَّارِ} يعني الكفار المستحقين لها. |
||
|
التراكيب : |
||
|
قوله {هَذَا} خبر
مبتدأ محذوف كما قال الزجاج أي الأمر هذا. وقيل هو مبتدأ خبره محذوف أي هذا
للمؤمنين. والإشارة إلى ما ذكر مما أعد للمؤمنين. وقوله: {وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ
لَشَرَّ مَآبٍ} معطوف على ما قبله، وقوله: {جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمِهَادُ} جهنم بدل اشتمال مما قبله، ويصلونها حال من جهنم وقوله فبئس المهاد
المخصوص بالذم تقديره محذوف هي يعني جهنم والفاء للترتيب الذكري قوله: {هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ} هذا
مبتدأ وحميم خبره وغساق معطوف عليه. وجملة {فَلْيَذُوقُوهُ}
اعتراضية كقولك زيد فافهم رجل صالح. ويجوز على مذهب الأخفش أن يكون هذا مبتدأ
وجملة فليذوقوه الخبر كقولك زيد فاخر به وقول الشاعر: |
||
|
وقائلةُ خولانُ فانكح فتاتهم |
||
|
وعلى هذا فحميم خبر لمبتدأ محذوف تقديره هو، وغساق معطوف
عليه. وقوله: {وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ} آخر خبر مبتدأ محذوف أي هذا مذوق آخر أو هذه مذوقات أخر والجملة
معطوفة على التي قبلها. وقوله: {مِنْ شَكْلِهِ
أَزْوَاجٌ} صفتان لآخر أو أخر. وتوحيد الضمير في
شكله دون تثنيته أو جمعه مع أنه راجع للحميم والغساق على معنى من شكل المذكور.
وإنما ساغ جعل أزواج صفة لآخر على قراءة الإفراد وإن كان مفرداً فإنه جمع في
المعنى لصدقه على متعدد. ويحتمل أن يكون آخر أو أخر مبتدأ ومن شكله صفته وأزواج
خبره، وهذا على قراءة الجمع ظاهر أما على قراءة آخر بالإفراد فلما ذكرنا من أنه
وإن كان مفرداً فهو جمع في المعنى. وقوله: {هَذَا
فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ} يجوز أن يكون حكاية لما تقوله ملائكة
العذاب لرؤساء الضلال عند دخول النار تقريعاً لهم، ويجوز أن يكون حكاية كلام
المتبوعين بعضهم مع بعض. وعلى كل فالجملة مقول لقول مقدر أي يقال لهم. وقوله: {لا مَرْحَباً بِهِمْ} من كلام
المتبوعين في أتباعهم. ومرحباً منصوب بفعل مقدر أي لا أتيتم مرحباً أو لا سمعتم
مرحباً. ويجوز أن يكون منصوبا على المصدرية بفعل محذوف تقديره: لا رحبت بهم
الدار مرحباً. والجملة مستأنفة سيقت للدعاء عليهم وقوله {بِهِمْ} بيان للمدعو عليهم. وقوله: {إِنَّهُمْ صَالُو النَّارِ} تعليل للدعاء عليهم
وهو من حكاية قول القادة. قوله: {إِنَّهُمْ صَالُو
النَّارِ} من حكاية قول الأتباع لمتبوعيهم رداً عليهم. وقوله: {أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا} تعليل لأحقيتهم
بذلك. وضمير الغيبة في {قَدَّمْتُمُوهُ}
للعذاب المفهوم من المقام. أو للصلي الذي تضمنه {صَالُو
النَّارِ} والفاء في قوله: {فَبِئْسَ
الْقَرَارُ} للترتيب في الذكر. وقوله: {قَالُوا
رَبَّنَا مَنْ قَدَّمَ لَنَا هَذَا فَزِدْهُ عَذَاباً ضِعْفاً فِي النَّارِ}
الضمير في قالوا للأتباع. و{مَنْ}
يحتمل أن تكون شرطية ويحتمل أن تكون موصولة ودخلت الفاء في خبرها على هذا لما في
الموصول من شبه الشرط. و{فِي النَّارِ}
يجوز أن يكون ظرفاً لـ{زِدْهُ} أو
نعتاً لـ{عَذَاباً}. وقوله: {مَا لَنَا لا نَرَى رِجَالاً} {مَا} مبتدأ و{لَنَا}
خبره وجملة {لا نَرَى رِجَالاً} حال.
والاستفهام المفاد بـ{مَا} تعجبي.
وقوله تعالى: {أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيّاً}
على قراءة الاستفهام هو استئناف لا محل له من الإعراب، وعلى قراءة إسقاط الهمزة
يجوز أن تكون مقدرة لدلالة أن عليها. ويجوز أن يكون الكلام إخباراً والجملة صفة
ثانية لـ{رِجَالاً}. والياء في {سِخْرِيّاً} للنسب. وإنما جيء بياء النسب
للدلالة على قوة الفعل فالسخري أقوى من السخر كما قيل في الخصوص خصوصية للدلالة
على قوة ذلك. وقوله: {أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ
الأَبْصَارُ} {أَمْ} منقطعة كأنهم أضربوا عن إنكار الاستسخار
وأنكروا على أنفسهم ما هو أشد منه وهو أنهم جعلوهم محقرين لا ينظر إليهم بوجه.
والتعبير بـ{زَاغَتْ} دون أزغنا
للمبالغة كأن العين بنفسها تمجهم لقبح النظر إليهم. وقوله: {إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ}
الإشارة فيه إلى التفاوض والتقاول والتدافع الذي حكى عنهم، و{تَخَاصُمُ} بالرفع على قراءة الجمهور خبر
لمبتدأ محذوف أي هو تخاصم والجملة في محل نصب بيان لاسم الإشارة. والإبهام ثم
التبيين لزيادة التقرير. وأما على قراءة النصب فهو بدل من اسم الإشارة أيضاً. |
||
|
المعنى الإجمالي : |
||
|
الأمر هذا الذي وصفنا، وإن للمتجاوزين حق التوحيد إلى الكفر
لقبيح مرجع. النار المحرقة البعيدة القاع يدخلونها ويعذبون بها، ويفترشونها،
فقبح وذم وساء الفراش جهنم. هذا العذاب فليحسوا به ـ ماء شديد الحرارة، وقيح
وصديد يجري من أجساد أهل النار، أو عين في جهنم ينغمسون فيها. يصهر به ما في
بطونهم والجلود. وعذاب آخر من مثل المذكور في الشدة والفظاعة أنواع، ويقال
للرؤساء عند دخول النار: هذا جمع كثير داخل وسط شدة مخيفة في صحبتكم ! فيقول
الرؤساء: لا سعة عليهم، إنهم داخلوا النار، قال الأتباع للرؤساء: بل أنتم سببتم
لنا هذا العذاب. فبئس المقر جهنم قالوا: سيدنا ومالكنا من سبب لنا هذا العذاب
فزده عقاباً مضاعفاً في جهنم. قالوا: أي شيء حدث لنا حال كوننا لا نبصر رجالاً
في جهنم كنا نعتبرهم في الدنيا من الأراذل؟ ننكر على أنفسنا الآن الاستهزاء بهم
في الدنيا أو جعلهم مسخرين، بل ننكر على أنفسنا ما هو أفظع وأشد وهو جعلهم
محقرين حتى كأنَّ العين بنفسها تمجهم لقبح النظر إليهم. إن هذا التدافع والتفاوض
والتقاول لا بُد من وقوعه البتة، وهو تقاول أهل النار. |
||
|
ما ترشد إليه الآيات : |
||
|
1ـ بيان حال
أهل النار. |
||
|
2ـ تنوع
عقابهم. |
||
|
3 ـ تبرؤ
الذين اتُبِعوا من الذين اتّبَعُوا. |
||
|
4ـ الدعاء
عليهم. |
||
|
5ـ دعاء
الأتباع على المتبوعين. |
||
|
6ـ وصمهم
بأنهم سبب بلائهم. |
||
|
7ـ تبكيتهم
لأنفسهم على ما قدموا من الإساءة للفقراء. |
||
|
8ـ الواقعة
خافضة رافعة. |
||
|
9ـ تخاصم أهل النار حق لا بُد من وقوعه |
||
|
قال تعالى: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا
مُنْذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّار، رَبُّ
السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ، قُلْ هُوَ
نَبَأٌ عَظِيمٌ، أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ، مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ
بِالْمَلأِ الأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ، إِنْ يُوحَى إِلَيَّ إِلاَّ أَنَّمَا
أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ، إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ
بَشَراً مِنْ طِينٍ، فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا
لَهُ سَاجِدِينَ فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ، إِلاًَ
إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ}. |
||
|
المناسبة: |
||
|
لما كان من الغرض الذي سيقت له هذه السورة هو إثبات الرسالة
وتقرير التوحيد، وقد حكى الله عن الكفار في أول السورة أنهم أنكروا الرسالة
والتوحيد فقالوا ساحر كذاب. أجعل الآلهة إلهاً واحداً.. وقص الله من أحوال بعض
المرسلين ما قص، من التجائهم إلى الله وحده لتفريج كربهم لما فتنوا، وفي هذا
تقرير الرسالة والتوحيد، رد هنا على منكري الرسالة والتوحيد بتقريرهما وإثباتهما
بقوله: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ وَمَا مِنْ
إِلَهٍ إِلاَّ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} وذكر أدلة قاطعة على
ذلك. |
||
|
القراءة : |
||
|
قرأ الجمهور {إِنْ يُوحَى
إِلَيَّ إِلاَّ أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ} بفتح همزة {أَنَّمَا} وقرئ بكسرها. |
||
|
المفردات: |
||
|
{مُنْذِرٌ} مخوِّف. {إِلَهٍ} مألوه محبوب مستحق للعبودية. {الْوَاحِدُ} الأحد الذي لا شريك له، ولا يشبهه
شيء. {الْقَهَّارُ} الغلاَّب العالي
على جميع الخلائق. {الْعَزِيزُ} القوي
الذي يَغلب ولا يُغلب وهو يجير ولا يُجار عليه. {الْغَفَّارُ}
الستَّار لما يشاء من هفوات عباده وسيئاتهم. {نَبَأٌ}
خبر خطير. {عَظِيمٌ} جليل. {أَنْتُمْ} أيها الكفار من قريش وغيرهم. {مُعْرِضُونَ} صادُّون. {مِنْ عِلْمٍ} من سابق معرفة. {بِالْمَلأِ} بالجماعة الأشراف الذين يملئون
العيون رواء والنفوس جلالة وبهاء. والمراد بالملإ هنا جماعة الملائكة وآدم وكان
معهم إبليس. {الأَعْلَى} العلو هنا حس
لأنهم كانوا في السماء. {يَخْتَصِمُونَ}
يتقاولون. {يُوحَى إِلَيَّ} يلقى إليَّ
الوحي وينزل عليَّ الملك، وأبعث إليكم. {مُبِينٌ}
بيِّن الإنذار. {خَالِقٌ} مُوْجِد. {بَشَراً} جسماً كثيفاً يلاقي ويباشر، أو خلقاً
بادي البشرة بلا صوف ولا شعر ولا وبر، والمراد به آدم. {سَوَّيْتُهُ} صورته وعدلته. {وَنَفَخْتُ فِيهِ} دفعت فيه. {مِنْ رُوحِي} من الحياة التي أملكها وأحيي بها
الخلق. {فَقَعُوا} فخروا. {سَاجِدِينَ} ساقطين على وجوهكم. إبليس هو أبو
الجن وكان من سكَّان السموات بين صفوف الملائكة وهو إفعيل من الإبلاس وهو الإياس
من الخير وفيه معنى الندم والحسرة كما قال رؤبة: |
||
|
وحضرت يوم الخميس الأخماس |
|
وفي الوجوه صفرة وإبلاس |
|
يعني به اكتئاباً وكسوفاً. {اسْتَكْبَرَ}
اعتبر نفسه كبيراً. |
||
|
التراكيب: |
||
|
القصر في قوله: {إِنَّمَا
أَنَا مُنْذِرٌ} إضافي. والعطف في قوله: {وَمَا
مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ اللَّهُ} لإفادة أن له صلى الله عليه وسلم صفة
الدعوة إلى توحيده أيضاً مع صفة النذارة فالأمران مستقلان بالإفادة. ومن فيها
لاستغراق النفي أي ما إله مستحق للعبودية أصلاً إلاّ الله. والحصر في قوله: {وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ اللَّهُ} حقيقي. ولما
كان المقام لتقرير الرسلة والتوحيد وكانت الرسالة هي السبيل الذي يعرف منه
التوحيد ذكرها أوَّلاً ثم ثنى بالتوحيد ولما كان التوحيد هو الغاية التي بعث
لأجلها المرسلون عقب قوله: {وَمَا مِنْ إِلَهٍ
إِلاَّ اللَّهُ} بخمس صفات لله كلها لتقرير التوحيد. أما الوصف
بالواحد فظاهر، وأما القهَّار فلأنه لو وجد إله غيره لم يكن قهَّاراً له لأنه لو
قهره لم يكن المقهور إلهاً بالضرورة. ولو قهره الآخر لا يكون إلهاً تعالى الله
عن ذلك علواً كبيراً. وأما الوصف بالربوبية فلأن الرب هو سيد كل شيء ومليكه
ومربيه وهذا ينافي أن يكون هناك إله آخر. وأما العزيز فلأنه يقتضي أن يَغلب غيره
ولا يَغلبه غيره ومع الشركة لا يتم ذلك. وأما الوصف بالغفار فلأنه يقتضي أن يغفر
ما يشاء لمن يشاء فلو وجد إلهاً آخر ربما شاء مغفرة لأحد وشاء الآخر عقابه ولا
بُد أن يفوت مراد أحدهما ومن فات مراده ليس بإله تعالى الله عن الشركاء والأنداد
علواً كبيراً. |
||
|
وقوله: {قُلْ هُوَ نَبَأٌ
عَظِيمٌ} الضمير فيه راجع إلى القرآن المشتمل على الإنذار والتوحيد.
وجملة {أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ}
صفة ثانية لنبأ. وقوله: {مَا كَانَ لِيَ مِنْ
عِلْمٍ بِالْمَلأِ الأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ} استئناف مسوق
لتحقيق النذارة حيث أنبأ عن الملأ الأعلى نبأ مفصلاً دون سابق معرفة ولا مباشرة
سبب من أسباب المعرفة المعتادة. فكان ذلك حجة بيِّنة دالة على أن ذلك بطريق
الوحي من عند الله تعالى. وقوله: {بِالْمَلأِ}
متعلق بعلم لتضمنه معنى الإحاطة. والملأ اسم جمع ولذلك وصف بالمفرد وأعيد عليه
ضمير الجمع. وقوله: {إِذْ يَخْتَصِمُونَ}
متعلق بمحذوف يقتضيه المقام إذ المراد نفي علمه عليه الصلاة والسلام بحالهم،
والتقدير ما كان لي من علم بحال الملأ الأعلى وقت اختصامهم. والتعبير بالمضارع
بدل الماضي لاستحضار حكاية الحال لأنه أمر غريب. وقوله: {إِنْ يُوحَى إِلَيَّ إِلاَّ أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ
مُبِينٌ} اعتراض بين قوله: {إِذْ
يَخْتَصِمُونَ} المفيد لاختصامهم إجمالاً، وبين قوله: {إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ} المفيد
لاختصامهم تفصيلاً وإنما جيء بهذه الجملة المعترضة لزيادة تقرير النذارة أيضاً
وتعيين سبب علمه عليه الصلاة والسلام، ونائب الفاعل إما ضمير عائد على الحال
المقدر والتقدير: ما يوحى إليّ حالهم إلاّ لأني نذير مبين من جهته تعالى. ومن
قرأ {أَنَّمَا} بالفتح فعلى تقدير
اللام. أما على قراءة الكسر فالتقدير: لم أومر إلا بأن أقول لكم إنما أنا نذير
مبين. أي دون أن أقول لكم أنا أعلم الغيب بدون وحي. فالحصر هنا إضافي وقوله: {إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ} شروع في
تفصيل ما أجمل من الاختصام. و{إِذْ}
فيه بدل من {إِذْ} الأولى، وليس من
ضرورة البدلية دخولها على نفس الاختصام بل يكفي اشتمال ما في حيزها عليه. وقيل {إذ} منصوب بمقدر هو اذكر. وقوله: {فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ}
توكيدان. أما الأولى فلإفادة أنه لم يبق منهم أحد إلا سجد، وأما الثاني فلإفادة
أن سجودهم كان بطريق المعية وأنه لم يتأخر أحد عن أحد، وهو في هذا يفيد ما يفيده
الحال ويزيد عليه معنى التوكيد. والفاء أفصحت عن مقدر أي فخلقه فسواه فنفخ فيه
الروح فسجد الملائكة. هذا وإذا أمر الله تعالى بالسجود لآدم لا يكون السجود
عبادة لآدم بل عبادة الله الآمر بالسجود طاعة له. وإنما فيه تكريم لآدم كالسجود
لجهة الكعبة. وقوله {إِلاًَ إِبْلِيسَ}
الاستثناء منقطع لأنه كان من الجن فهو من باب قام القوم إلا حماراً. فإن قيل:
إذا كان إبليس من الإبلاس كما مرّ فهلا صرف؟ أجيب بأنه إنما لم يصرف إذ كان
اسماً لا نظير له من أسماء العرب فشبهته العرب بأسماء العجم فمنعته من الصرف. |
||
|
المعنى الإجمالي: |
||
|
قل يا محمد ما أنا إلا رسول يعلمكم عن ربه، ويخوفكم، ولا
معبود بحق إلا الله الذي لا شريك له العالي على جميع خلقه سيد كل شيء ومليكه
ومربيه، الغالب الذي يستر سيئات عباده وهو قادر على أن يؤاخذهم بها. قل يا محمد:
هذا القرآن خبر خطير جليل أنتم عنه صادون غافلون. من أين أعلم حال الملائكة وقت
تراجعهم في شأن آدم وامتناع إبليس عن السجود فأنا أميٌّ لم أقرأ كتاباً ولم
أتخلف إلى من يعلمني، ما علمته إلا من طريق الوحي، وما أوحي إليّ إلاّ لأني نذير
بيِّن الإنذار واضحه. |
||
|
من أين أعلم حال الملأ الأعلى إذ قال ربك للملائكة إني موجد
إنساناً بادي البشرة من طين، فإذا عدلته وأتممت خلقه، وبعثت فيه الحياة فخروا له
على وجوهكم ساقطين، فلما خلقه وعدله، ونفخ فيه الحياة، سجد الملائكة لم يتخلف
منهم أحد، ولم يتأخر أحد في السجود عن أحد، إلا إبليس تعاظم وصار من الجاحدين
العاصين. |
||
|
ما ترشد إليه الآيات : |
||
|
1_ تقرير
النذارة. |
||
|
2ـ تقرير
التوحيد. |
||
|
3ـ إعلام
الله الملائكة بآدم قبل خلقه. |
||
|
4ـ تكريم
آدم. |
||
|
5ـ طاعة
الملائكة لله وسرعة امتثالهم لأمره. |
||
|
6ـ امتناع
إبليس عليه اللعنة عن السجود. |
||
|
7ـ علة
امتناعه الكبر. |
||