|
|
|
ندوة الطلبة: |
|
الإيمان.. يوجب العمل |
|
للطالب:
خالد محمد عبد الله الدخيل |
|
|
|
إلى الذين فتح باب القول وأغلق عليهم باب العمل، إلى الذين
يظنون أنهم مظلومون وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون إلى الذين يكاد لهم
نهاراً، ويدب لهم علانية، ويتآمر على إذلالهم وسحقهم جهرة، وهم في غفلة لاهون.
إلى الذين يطلبون العزة من غير سبب، والنصر من غير جهد والغنى من غير سعي،
والنهوض من غير طاقة. |
|
إلى الذين يقولون: أين العزة التي كتبها الله لنا على نفسه:
{وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ
وَلِلْمُؤْمِنِينَ} والوعد الذي أنزله الله في كتابه: {وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ}
والتمليك الذي سجله الله في آياته {وَعَدَ اللَّهُ
الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي
الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ
دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ
أَمْناً} إلى الوارثين الذين ملك آباؤهم أقطار الأرض وملأوها علماً
وحضارة بإيمانهم وجهادهم وعقلهم وعملهم ثم جاءوا من بعدهم فبددوا ما ورثوا،
وجهلوا ما عملوا، وكان أمرهم فرطاً. إلى الذين يأكلون ويلبسون ويركبون مما صنع
غيرهم ولا يدرون كيف كان إعداد ما أكلوا، ولا نسج ما لبسوا، ولا تصميم ما ركبوا،
يستهلكون ولا ينتجون. إلى الذين يحلمون ولا يستيقظون، ويتمنون ولا يعملون،
ويرددون: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ
لِلنَّاس} ولا يذكرون: {تَأْمُرُونَ
بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّه}. |
|
إلى الذين يؤمنون ولكنهم لا يعرفون تكاليف الإيمان، أو
يعرفونها ولكنهم لا يعملون. إلى هؤلاء وهؤلاء، إلى سبعمائة مليون مسلم، ومن
بينهم مائة مليون عربي حلت بهم فتنة لم تصب الذين ظلموا منهم خاصة … إليهم
جميعاً هذا الحديث: |
|
روى جماعة من أهل العلم بتفسير القرآن أن مجلساً ضم طائفة
من اليهود والنصارى والمسلمين، فزعم كل فريق منهم أنه أولى الناس بعون الله
وتأييده في الدنيا ونعيمه وثوابه في الآخرة: اليهود قالوا: "نحن أتباع موسى
الذي اصطفاه الله برسالاته وبكلامه"، والنصارى قالوا: "نحن أتباع عيسى
روح الله وكلمته"، والمسلمون قالوا: "نحن أتباع محمد خاتم النبيين،
وخير أمة أخرجت للناس"… وشاء الحق تبارك وتعالى أن يفضل بينهم في هذا
النزاع وأن يبين لهم أن قاعدة التأييد والجزاء ترتكز على الإيمان والعمل، لا على
مجرد التبعية والانتساب فأنزل سبحانه يخاطب المسلمين: {لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ
الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ
اللَّهِ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً ،وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ
ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا
يُظْلَمُونَ نَقِيراً}. |
|
إن الإيمان بغير عمل شجر بلا ثمر، ودمية لا حياة فيها ولا
حركة … إبليس كان يعلم أن ربه الله وأنه واحد لا شريك له، وكان يعلم أن مصيره
إليه يوم يبعثون، ولكن لما صدر إليه الأمر الإلهي بالعمل " اسجد "
استكبر وتمرد، قال: "لا"، فلم تشفع له معرفته بوحدانية الله لأن
المعرفة المجردة عن معنى الخضوع المطلق لرب العالمين لا وزن لها، ولأن العلم
الذي لا يصاحبه العمل لا قيمة له، ولذا كان جزاؤه {فَاخْرُجْ
مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ}. |
|
وكما أن الإيمان من غير عمل لا يغني فكذلك العمل من غير
إيمان كبناء على غير أساس. على شفا جرف هار. كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء.
كهشيم تذروه الرياح: {مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا
بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ
عَاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلالُ
الْبَعِيدُ}. |
|
إن الإيمان الحق بالله، والإيمان الصادق برسول الله وبكل ما
جاء به عن الله قوة إيجابية محركة. طاقة بناءة هائلة، تملأ قلب المؤمن، وتسري في
دمه، وتنفذ إلى عقله وفكره، وتسيطر على شعوره ووجدانه وتتحكم في عزيمته وإرادته،
وتوجه وتحرك جوارحه، وتلازمه في الليل والنهار وتصاحبه في السر والعلانية. فلا
يعصي لله أمراً ولا يرى إلا حيث أحب الله، ولا يفتقد إلا حيث يبغض الله: إن
الإيمان بالله قوة منتجة مستكنة في أعماق النفس المؤمنة تظهر آثارها وثمارها في
السلوك والتصرف في العمل الجاد لله، والطاعة المطلقة لحكم الله والتضحية بالهوى
مرضاة لوجه الله وقد قرن الله الإيمان بالعمل في سبعين آية من آيات القرآن
الكريم، فما من آية ذكرت الإيمان مجرداً، بل عطفت عليه عمل الصالحات، والصالحات
جماع كل خير ومحبة للفرد والجماعة، وبهذا أصبحت صلة العمل والسلوك والخلق
بالإيمان صلة وثيقة لا يعروها وهن، قال تعالى: {إِنَّمَا
الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا
وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ
الصَّادِقُونَ} … وقال عز من قائل: {وَالَّذِينَ
آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا
وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً}. |
|
ولقد حرص رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد الحرص على لفت
أنظار المؤمنين وتوجيه انتباههم إلى أن يكون سلوكهم مع الله ومع الناس، وتصرفهم
في كل شئون الحياة مصدقاً لإيمانهم ومظهراً لعقيدتهم، فقال لمن سأله قولاً في
الإسلام لا يسأل عنه أحداً غيره: "قل آمنت بالله
ثم استقم".. |
|
والظن بأن مجرد دعوى الإيمان والانتساب للإسلام والنطق
بالشهادتين والتسمي بأسماء المسلمين يكفل للمدعين نصر الله في الدنيا، ويفتح لهم
باب الجنة في الآخرة يدخلونها بسلام آمنين، وإن كانوا غارقين في المعاصي
لأذقانهم مفسدين في الأرض. كسالى خامدين: هذا الظن وهم وخطأ وضلال بعيد.. هذا
إيمان صوري لا ينجي صاحبه من خزي الدنيا وعذاب الآخرة، فالسعادة ليست للغارقين
الهازلين، والجنة ليست للعاصين المتمردين: "ليس الإيمان بالتمني ولكن ما
وقر في القلب وصدقه العمل، وإن قوماً خرجوا من الدنيا ولا عمل لهم، وقالوا نحن
نحسن الظن بالله وكذبوا لو أحسنوا الظن لأحسنوا العمل". |
|
إن الناظر في ماضي المسلمين وحاضرهم ليعجب أشد العجب مما
كانوا فيه، وما صاروا إليه. المسلمون في أول أمرهم أتوا بالعجائب غزوا وفتحوا
وسادوا … والمسلمون في آخر أمرهم أتوا بالعجائب أيضاً ذلوا واستكانوا وضعفوا.
والقرآن هو القرآن وتعاليم الإسلام هي تعاليم الإسلام.. فلماذا ساد الأولون وذل
الآخرون!!… |
|
لا سبب إلا أن الأولين عملوا والآخرين تركوا، ولن يستقيم
حالنا إلا بما استقام به ماضينا إيمان وعمل، ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح
به أولها … اعتصام بالله ووقوف عند أمره ونهيه، واقتداء برسول الله وعمل بسنته: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ
حَسَنَةٌ}. |