طباعة

 توثيق النص

 

 

 

علم القرآن هو الأعلى

للشيخ محمد يوسف

أمير الجماعة الإسلامية في الهند

 

 

لقد صدق النبي الأمي معلم الأخلاق صلوات الله وسلامه عليه حيث قال: "طلب العلم فريضة على كل مسلم" وإن العلم المراد بهذا الحديث الشريف هو العلم الأعلى الذي أعطاه الله عز وجل نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم وسائر الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين ليخرجوا البشرية من الظلمات المتراكمة بعضها فوق بعض إلى النور المبين. وهذا العلم الأشرف لا يوجد إلاّ في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وهو وحيد في عصره فريد في نوعه ليس له مثيل. وكيف لا يكون كذلك وهو من لدن حكيم خبير، وقول الله يشهد لذلك: {لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُون}.

إنه علم لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. علم أوفى منزلة وأتم شأناً من جميع العلوم البشرية. وإنما نقول لبعض أتباع الغرب وتلامذتهم إن العلم الذي يتلقاه الإنسان بعد المشاهدة والتجربة لهو أجدر بالاتباع والأخذ من العلم الذي تقوم أسسه على الغيبيات وما وراء الطبيعيات الذي أنزله الله من فوق سبع سماوات. ولا يعرفون أن الله يعلم ما توسوس به أنفسهم وهو بكل شيء محيط.

{وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}.

 

كتاب الله أفضل الكتب:

إن كتاب الله العظيم: القرآن الكريم أفضل الكتب وأصح الكتب، وإنه شفاء لما في الصدور والحل الوحيد للمشاكل البشرية والمعضلات الإنسانية: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} وإنه لهدى للمتقين. ولولا هذا العلم الأعلى لكان الناس كلهم منغمسين في الضلال الذي يؤدي بهم إلى الهلاك والدمار.

ومما يبعث على الأسف أن الإنسان يجهل منزلة العلم وقدره، ومما يزيدني أسفاً وحزناً أن بعض المسلمين يهتمون بأقوال المستشرقين أكثر مما يهتمون بمبادئ القرآن والحديث النبوي الشريف. ولقد قال تعالى: {اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ}.

والعجب كل العجب أن كثيراً من المسلمين لا يعرفون الحقيقة الواضحة وضوح الشمس في رابعة النهار أن الأمة الإسلامية هي فريدة في وراثة هذا العلم الأشرف الأفضل. وكل مؤمن يؤمن بأن كتاب الله أفضل الكتب وأصح الكتب لكن مع الأسف الشديد أن كثيراً منهم لا يعرفون ولا يدركون قدر هذا العلم ولا يحثون أولادهم على تلقي هذا العلم الذي لهم فيه خير الدنيا والآخرة.

وقد صدق الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام حيث قال: "{إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً}"[1] وقد صدق عليه السلام حينما قال: "خيركم من تعلم القرآن وعلمه". ولم يقل بأن خيركم من تعلم علوم الدنيا وعلّمها.

وإن تحصيل علم الدين من وظائف الأنبياء فطوبى لمن يتعلمه ويُعلّمه. وطوبى لمن يتدبر القرآن ويتذكره مصداقا لقوله تعالى: {وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُو الأَلْبَابِ}.

والحق أن الذين لا يؤمون بما أنزل الله أولئك هم السفهاء ولو زعموا أنهم من أولي الألباب بما عندهم من علم النفس والكيمياء والفيزياء والبيولوجيا والجيولوجيا والتكنولوجيا وغيرها من العلوم الحديثة المعاصرة.

وجدير بالذكر أن الكفار يعترفون بجهلهم وسفاهتهم يوم القيامة. وقول الله تعالى يشهد لذلك إذ يقولون: {وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ}.

إن تعلم العلوم الحديثة ليس ممنوعاً في الإسلام لكن الخضوع لهذه العلوم وترجيحها على العلوم الدينية ممنوع بتاتاً في الإسلام، بل المطلوب من رجال الدعوة أن يتعلموا لغات شتى كتابة ونطقاً لأنها من كبرى الوسائل لنشر الدعوة الإسلامية إلى الناس كافة.

كم أتمنى أن يزور وفد من الجامعة الإسلامية تلك المدرسة النموذجية التي أسستها الجماعة الإسلامية في الهند في مقرها الأول عام سبع وستين وثلاثمائة وألف والتي زارها في العام الماضي سعادة السفير السعودي في الهند الأستاذ أنس يوسف ياسين، ولقد أنشئت على نمطها عدة مدارس في الهند تحت إشراف الجماعة الإسلامية منها جامعة الفلاح ببلرياكنج والكلية الإسلامية في شانتا بورم في كيرالا ودار الهدى في كريم نكر حيدر أباد، وإني أتشرف بدعوة أهل الجامعة ليلاحظوا كيف تدرس في هذه المدارس العلوم الدينية والعلوم الحديثة وفقاً لوجهة النظر الإسلامي.

 

البون الشاسع بين الحضارة الإسلامية والجاهلية الغربية:

هذه حقيقة واضحة.. إن التي تسمى حضارة غربية ليست حضارة بل هي جاهلية غربية، وهي تتنافى بكل خطوة مع ديننا وعقيدتنا وأخلاقنا ومنهج حياتنا، فإنها غير صالحة، وأساسها قائم على الإلحاد واللادينية والمادية والإباحية، وإنها تحل ما حرّم الله وتحرم ما أحل الله.

إن الحضارة الغربية تزعم أن أصل الإنسان من القرد ولذا لا تنظر إلى الإنسان كإنسان ولا تحترمه حق احترامه ولا تمنحه الحقوق الإنسانية الأساسية المقدسة، فهذا برلمان بريطانيا أباح عمل قوم لوط فهل بعد هذا يريد الراغبون في هذه الحضارة أن يمشوا على منوالها، ويبنوا مجتمعهم وشعبهم وحكوماتهم على أسسها الدنسة.

أريد أن أنبه الشباب الإسلامي والطلبة الأعزاء إلى خطر هذه الحضارة ودسائسها على الأمة الإسلامية.

لقد نشأت في زماننا طائفة ترجح الحضارة الغربية على الإسلامية وتعتقد أن كل شيء في الدين عسر معارضةً قول الله عز وجل: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "الدين يُسر".

ويقول هؤلاء المنحرفون أن العبادات كلها غير نافعة فإن الصوم مضر للصحة والحج مضر بكيان الدولة الاقتصادي.. معنى هذا أن القرآن لا يهدي إلى الفلاح.. نعوذ بالله من ذلك. وينسى هؤلاء أن العرب لم يصلوا إلى ما وصلوا إليه من الرقي والازدهار في جميع ميادين الحياة إلاّ بعد اعتناقهم الإسلام، والغرب تعلّم واستفاد كثيراً من الإسلام وأهله.

لسنا عبّاد الشرق ولا الغرب بل نحن عبّاد المليك المقتدر الذي لا شريك له في الملك فلسنا بحاجة إلى أن نتبع الذين غرتهم الحياة الدنيا ونترك الحضارة والثقافة الإسلامية التي عَلَّمَنَاها الله عز وجل برسوله الكريم صلى الله عليه وسلم.

وإن هناك بعض الأشياء التي شاهدتها أثناء وجودي في المملكة أن بعض الناس حين يلتقي بعضهم ببعض يقولون صباح الخير أو مساء الخير كما يقول الإنجليز

Good morning" "  أو"Good evening"مع أن طريق السلام المسنون هو (السلام عليكم ورحمة الله وبركاته) وإذا سأل بعضهم بعضاً كيف حالك يقول:"o.k" ولا بأس أن يقولوا: "o.k." بعد الحمد لله ولكن هؤلاء نسوا الله في كلامهم، فيجب علينا أن لا نكون كما قال تعالى: {وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} الحشر ـ 19.

 

الموسيقى والغناء والمزامير:

إذا كان الإنسان غافلاً عن ذكر الله استولى عليه الشيطان، ومما يبعث على الأسف الشديد أن شبابنا المسلمين أصبحوا يميلون إلى الغناء والموسيقى والرقص، وإن هذا يلهيهم عن ذكر الله.

ورأيت في المملكة أن بعض سائقي السيارات مولعون بسماع الغناء والموسيقى وبعضهم يمتنعون عن سماع الأغاني عند ما يصلون إلى الحرم ويقولون هذا حرام هنا ولا يدرون أنه حرام في كل زمان وفي كل مكان، ومن الناس من يسمع القرآن والحديث على موجات الراديو ويسمع الغناء والموسيقى في وقت آخر، مثلهم كمثل الذين خلطوا عملاً صالحاً وآخر شيئاً.

إن مشاكل أمتنا الإسلامية كثيرة فإننا فقدنا عزنا ومجدنا وابتلينا بالذل والهوان في كل مكان ففي مثل هذه الظروف إذا ابتلينا بسماع الأغاني والموسيقى يكون مثلنا كمثل نيرون الذي أصبح مثلاً في هذا الشان، إذ يقال عنه:

Neron was Fiddling While Rome Was Burning.

يعني: ( نيرون كان يستمتع بالموسيقى حينما كانت روما تحترق )، وها هي ذي إسرائيل أحرقت القدس وشبابنا لاهون بالغناء والموسيقى والرقص، إن هذه الأشياء لا تليق بأمة مجاهدة لخير أمة أخرجت للناس، وظيفتها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

 

لباس التقوى ذلك خير:

إن المولعين بالحضارة الغربية تركوا لباس التقوى واختاروا لباس الفسق والفجور وكثير من الرجال والنساء يلبسون لباس المسلمين لكنهم لا يمنعون أولادهم وبناتهم عن لبس لا تجيزه الشريعة الإسلامية بأي حال من الأحوال، لأن ستر العورة في كل حين ضروري ولا تجوز الصلاة في لباس يجعل صاحبه شبه عار، ولباس الفسق والفجور يسوق إلى فتوق كثيرة في المجتمع وهي لا تخفى على صاحب بصيرة.

ولا يجوز للمرأة اتخاذ الألبسة مثل الميني جوب والشورت وغيرها، التي تكشف عن العورات، ولا يجوز للنساء أن يتبرجن تبرج الجاهلية الأولى أن يلبسن لباس الفحشاء الذي اخترعته الجاهلية الحديثة، ولقد نهى الرسول عليه الصلاة والسلام عن تشبه الرجال بالنساء وبالعكس وأوعد من يفعل ذلك. لكن المولعين بالحضارة الغربية لا يبالون بهذا كله، وليتهم كانوا يعلمون أنهم سيذهبون إلى قبورهم بلباس غير فاخر ولا طِبْقاً للزي الحديث، فاعتبروا يا أولي الأبصار..

 

التدخين:

والتدخين أيضاً مما جاءت به الحضارة الغربية والعجب كل العجب أن كثيراً من العرب والمسلمين رجالاً ونساءً أخذوا بالتدخين. والتدخين أصبح شائعاً في المجتمع بشكل غريب، رغم أن مضارها كثيرة والدليل على ذلك ما اكتشفه فريق من الأطباء الألمان في شهر ديسمبر عام سبعين أن حوالي أربعين بالمائة من المدخنين يموتون بسبب أمراض ناتجة عن التدخين، ومن المعلوم أن التدخين يؤذي الملائكة والمصلين وقد نهى عليه الصلاة والسلام آكل البصل أن يقرب المسجد ـ فقس على ذلك ـ والتدخين فيه إسراف وتبذير والله عز وجل نهى عن الإسراف بقوله: {كُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ}.

وقال تعالى: {وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً. إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً}.

وقبل أن أختتم هذه الكلمات أود أن أستشهد بما قاله نلسون روك فيلر حاكم ولاية نيويورك في خطابه الذي ألقاه في شهر يناير عام 71م: "إن الولايات المتحدة تمر الآن بأزمة روحية لا يمكن تجاهلها أو إنكارها".

ومما يتضح من هذا الكلام أن المادية مسيطرة على الحضارة الحديثة سواء في أمريكا الرأسمالية أو روسيا الشيوعية. فإن جميع الأديان المنحرفة والأفكار الهدامة من مولدات الحضارة الحديثة، ويتضح من كلام روك فيلر أن الحضارة المعاصرة ليس بإمكانها أن تنقذنا من الورطة التي نحن فيها الآن.

فإننا نواجه اليوم قوة أشد مكراً وخدعة، هذا في جانب وفي جانب آخر فهي مسلحة بأحدث وأجود أنواع الأسلحة الذرية والنووية وبجانبها شعب لا مثيل له في تدبير المؤامرات والدسائس فإذا تمسكنا بالحضارة الغربية الحديثة فلن تكون هناك فوارق بيننا وبين إسرائيل من ناحية الانحراف الحضاري والخلقي وعندئذ لن نكون جديرين بنصر الله في وجه إسرائيل.

أما إذا طبقنا الشريعة الإسلامية الغراء وأحكامها في جميع مجالات حياتنا وبجانب هذا تعلمنا العلوم الحديثة وتقدمنا فيها ودربنا أنفسنا على الأسلحة الجديدة وفوق هذا كله توكلنا على الله حق التوكل فقد استوفينا جميع الشروط ليتحقق لنا النصر من الله القوي العزيز.

وأخيراً أدعو الله سبحانه وتعالى أن يؤيدنا بنصر من عنده ويكون العز والنصر حليفنا وحليف أمتنا الإسلامية، وتكون كلمة الله هي العليا وينسحب العدو من جميع الأراضي المقدسة ويعود إلى حياته الأولى حياة التيه..

أسأل الله أن يوفقنا لما يحب ويرضى، والصلاة والسلام على رسوله الكريم وعلى آله وصحبه أجمعين..

 

 

 

 


[1] هذا من كلام الله يرويه سبحانه عن لسان رسوله.