طباعة

 توثيق النص

 

 

 

 

وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين

للشيخ حسن السيد متولي

المدرس بكلية الدعوة وأصول الدين في الجامعة

 

 

قال تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ}.

إن الأمة الإسلامية لا يتم لها الاستقرار في الأرض ولا تتمكن من القيام بالدعوة إلى الله إلا إذا كانت قوية تخافها أعداؤها وتخشى مواجهتها لأنها قادرة على الدفاع عن نفسها وقهر أعدائها.

ولذا أمر الله سبحانه وتعالى هذه الأمة بالاستعداد الحربي دائما لتكون مرهوبة الجانب فقال تعالى:{وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ}.

وفرض الله الجهاد على المؤمنين وهو مكروه لدى النفوس بطبيعتها لما تتعرض له من الموت في محاربة أعدائها. وقد عالج الله سبحانه وتعالى هذه الطبيعة البشرية ببيان عاقبة الجهاد وكل ما يشق على النفوس من التكاليف بقوله تعالى {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ}.

فالمؤمن يجب أن تتغير موازين الأمور في حياته حسب ما فيها من خير ونفع أو شر وضرر فيقبل على كل خير ويبتعد عن كل شر.

لأنه إذا ترك الإنسان وشأنه بدون التوجيه الإلهي بنى أعماله في حياته على ما يحبه ويشتهيه يسعى لطلبه ويبذل في سبيله كل ما في وسعه، وأما ما يكرهه فيبتعد عنه ويتجنبه وليس عنده من القدرة والإدراك ما يعرف عاقبة أعماله من خير وشر ولا يستطيع الوصول إلى خيرية الأعمال وضررها فليس عنده إلا مجرد الميل والمحبة أو البغض والكراهة وقد يكون الخير فيما كره والشر فيما أحب.

فالقتال في سبيل الله فريضة شاقة لأنه يكلف الإنسان بذل حياته وهو يكره كل عمل يؤدي إلى الموت. ومع هذا فالجهاد ركن من أركان الإسلام وأعظم الأسس التي ترتكز عليها الدعوة إلى الله وفيه كل الخير للبشرية وللحق والعدل والإصلاح.

والإسلام لا ينكر مشقته ولا يهون من شأنها ولكنه يعالجها ببيان ما فيه من خير للأمة ويسلط نور الكشف عن حقائق المجهول المستور وراء ما تكرهه النفس ببيان حكمة فرضه على الأمة وما يترتب عليه من ثواب عند الله تُهَوّن مشقة وتحوّل النفوس إلى أن يكون الجهاد في سبيل الله مطلبها الأسمى في هذه الحياة.

والله العليم بالغايات المطلع على الغيب هو وحده الذي يعلم الخير العميم والطريق الموصل إليه، هكذا يوجه الإسلام الفطرة مربيا لها على الطاعة والانقياد ومُفسحا لها في الرجاء وكاشفا عمّا أعده من الخير والثواب العظيم . لأن الجهاد في سبيل الله عزة وسعادة في الدنيا ورضوان من الله تعالى ونعيم مقيم تتمتع به في الجنة أرواح الشهداء ميزة وتكريما لهم قال تعالى {وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} ولهذا يبذل المسلمون المجاهدون الذي هو أدنى بالذي هو خير وفاء منهم بعهد الله سبحانه وتعالى حيث قال {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}.

وحينما تشعر النفس المؤمنة بالفضل الإلهي تتقبل التكاليف مع ما فيها من مشقة قائلة سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير.

عندئذ يذهب منها كل خوف وتندفع بإيمانها إلى تنفيذ ما كلفت به وهي تعلم أن الخير كامن وراء ما تكره وأن اليسر يخلف العسر وقد تكون الحسرة عاقبة للمتعة والمكروه مختبئا وراء المحبوب، هذا طريق الله واضح في كتابه الكريم وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فهما دستور الحياة الصحيحة لمريدها والله يعلم النفوس وما تنطوي عليه فيعالجها بالحق والصدق. لا بالإيحاء الكاذب والتمويه الخادع كما يفعله أرباب القيادات التي لا تستند في عملها إلى منهج الله في الحياة.

والحق أن الله يعلم والناس لا يعلمون وماذا يعلم الناس من العواقب وهو قد يخطئون في إدراك ما يبصرون.

وماذا يعلم الناس من الحقائق والهوى والجهل والقصور من لوازم ذاتهم لأنهم مخلوقون بِقُدَرٍ محدودة.

فإن لم يكن نور الوحي يضيء لهم طريق الحلية فلا علم ولا معرفة وكم ضل أقوام على مدى العصور لأنهم لم يستهدوا إلى الوحي ورسالات الله فظلوا تائهين غير مهتدين.

وإذا فلا استقرار ولا اطمئنان لحياة الأفراد والأمم إلا بالإيمان بأن الخير فيما رسمه الله لحياة الناس والسعادة في طاعته واستجابة دعوته.

قال تعالى{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ}.

والجهاد في سبيل الله بذل وتضحية والموت والحياة بيد الله فلا الخوف يطيل الأجل ولا الجهاد يقطع العمر المقدر كائن ولا يغني حذر عن قدر فالحذر لا يجدي والفزع والهلع لا يزيدان الحياة ولا يردان القضاء والله واهب الحياة وسالبها وهو صاحب الفضل حين يهب وحين يسترد هبته ومصلحة الناس متحققة في هذا وذاك وفضل الله في الأخذ والعطاء سواء.

قال تعالى{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ. وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}.

لقد منّ الله على هذه الأمة بالقرآن الكريم ليكون رائدا لها يقود أجيالها إلى الخير جيلا بعد جيل حتى يرث الله الأرض ومن عليها.

منّ عليها بالقرآن يربيها ويعدها لقيادة الأمم كلما اهتدت بهديه واستمسكت بعهده واعتصمت بحبله واستمدت دستور حياتها منه واستعلت به على جميع المناهج والنظم التي لا تستند إليه.

ذلك لأن القرآن ليس كلاما يتلى فحسب وإنما هو دستور عام للتربية والحياة العملية عرض الله فيه تجارب بشرية لتكون أمام المسلمين يأخذون منها العبرة وتنير لهم الطريق مع ما اكتسبوه من تجارب حياتهم فهو زاد الأمة في جميع أطوار حياتها لتقوم بالدعوة إلى الله وتستند في سلوكها إلى هذا الرصيد العظيم من تجارب الحياة للدعوة إلى الله من آدم إلى سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم .

لقد أحب المسلمون أن ينالوا تجارة قريش وهي عائدة من الشام بقيادة أبي سفيان ولكن الله يعلم أن الخير لهم في قتال المشركين لا في حيازة أموالهم. يقول الله تعالى {وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ}.

فوّت عليهم العير فأصبحوا لا مناص لهم من مواجهة الكفار ونشب القتال بينهم في غزوة بدر وانتصروا انتصارا عظيما تأسست به الدولة الإسلامية لأنهم أقبلوا على الجهاد مخلصين يريدون إعلاء كلمة الله {وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ}.

قال تعالى {الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً}.

فالمؤمنون في معركتهم مع الكفار يستندون إلى الله لأنهم يقاتلون في سبيله فليست معركتهم لأمر آخر سوى الله سبحانه وتعالى ، إنهم يقاتلون لإقرار شريعة الله في الأرض ورفع راية الحق ونشر رحمة الله على العباد.

أما الذين كفروا فيقاتلون للشيطان وحزبه وهو وليهم والله ولي المؤمنين . فالقوة في جانب المؤمنين والضعف والخذلان للكافرين {اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ}.

وقد كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز والمجاهدون في سبيل الله حزب الله وأولئك حزب الله هو المفلحون.

قال تعالى {وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ}.

وشتان بين حياة وحياة وبين هدف وهدف مع اتحاد النتيجة بالنسبة لقياس العمر فالذين يعيشون للدنيا وحدها ويريدون ما فيها من متاع دون غيره حياتهم كحياة الدواب والأنعام ثم يموتون في موعدهم المكتوب.

والذين يريدون الآخرة إنما يحيون حياة الإنسان الذي كرمه الله وشرفه بخلافته في الأرض ثم إذا جاء أجلهم يموتون {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَاباً مُؤَجَّلاً}.

والآن وبعد أن نام المسلمون هذا النوم العميق الذي أفقدهم كل قواهم لأنهم ركنوا إلى الراحة وأعداؤهم يعملون دائبين على الأخذ بعوامل القوة والحياة وقطعوا شوطا بعيدا في التقدم المادي ووصلوا إلى بعض ما أودعه الله في المادة من  خصائص كانت أساسا لاختراعاتهم خصوصا في أدوات الحرب ومعداته حتى سيطروا على العالم يعيثون في الأرض فسادا.

وتمكنوا من فتنة المسلمين عن دينهم حتى تركوا الأخذ بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وقلدوا الكفار في كل ما يحطم حياتهم كأمة تعيش وسط هذا العالم لها كيانها. وظن المسلمون أن التقرب إلى هذه الأمم الكبيرة القوية يهيئ لهم الحياة الصحيحة فأخذوا بتعاليم الكفار في معاملاتهم واتخذوا أنظمتهم ودساتيرهم قوانين يحتكمون إليها في شئون حياتهم ونسوا الله فنسيهم وقضى الأعداء على البقية من وجودهم كأمة إلا ما شاء الله ولم ينظروا إلى نواحي القوة في هذه الدول ليأخذوا بها.

ثم هالهم ما هم فيه حين وجدوا أنفسهم وسط عالم يتنازعهم يظهر بعضه الود لهم ويعلن البعض الآخر الحرب عليهم ولم يجدوا أثر الصداقة واكتووا بنار من جهروا بعدائهم وتكشف لهم أن أمم الكفر أمة واحدة هدفها واحد بالنسبة للمسلمين ومع هذا لم يحاولوا معالجة ما انكشف لهم من أعدائهم وممن ادعوا صداقتهم ولا زالوا يخدعون أنفسهم بالشكوى إلى مجلس الأمن وهيئة الأمم المتحدة ومع تكرر الشكوى سنوات ولا أثر لها فيما يريدون لم يكف هذا دليلا على أن علاج الأمر غير ما سلكوه. وهل ينصفك عدوك إلا إذا رضي عنك والله يقول {وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ}.

وقد تضاعف البلاء على المسلمين بتفرق كلمتهم وإغارة بعضهم على بعض وانطبق علينا ما وصف الله به اليهود حين قال: {يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ} ونحن نخرب بيوتنا بأيدينا وأيدي الكفار ومنا من يواد الكفار ويعادي المسلمين {لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ}.

هذا حالنا الآن تحزبت علينا أمم الكفر وعاش بيننا ملحدون ومنافقون ومن يوادون الأعداء وعصفت بنا الفرقة مع تحذير الله لنا بقوله {وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} ومع كثرة الأمم الإسلامية وبها مئات الملايين من الرجال لا يستطيعون الدفاع عن أنفسهم.

في مشارق الأرض يُبادُ المسلمون لأنهم قلة وسط كثرة من الكفار كما في الفلبين وفي الباكستان تعصف بهم ريح الكفر فتفرق كلمتهم وتريق دماءهم وفي الدول العربية تتحداهم شرذمة من اليهود يسندها أمم الكفر يغتصبون أرضهم ويطردونهم من ديارهم ويسفكون دماءهم.

فليواجه المسلمون الحقائق في موقفهم ويسلكوا الطريق الذي رسمه الله لهم فهو العلاج لما نحن فيه الآن.

وذلك بالرجوع إلى كتاب الله وسنة رسوله وتوحيد كلمتنا ولن نتحد إلا على ما اتحد عليه أسلافنا وأمرنا الله به في قوله {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا} وليكن إمامنا كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

فالله لا يقبل من المسلمين أن يستمروا على ما هم عليه جاعلين لحياتهم طرقا متعددة المسالك فطريق لعبادتهم مستمد من شريعتهم وطريق في سلوكهم مزيج من خلق إسلامي وآخر غربي أو شرقي وطريق للمعاملات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية مستمد من النظم الشرقية الشيوعية أو النظم الغربية الرأسمالية. لا يقبل الله منا هذا أبدا , لا يقبل الإيمان ببعض الكتاب والكفر ببعضه وقد قال {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِه}.

علينا الآن أن نختار إما طريق الله وهو واحد مستمد من كتاب الله وسنة رسوله وضعه الله دستورا لأمة الإسلامية في عبادتها وشعائر دينها وآدابها واقتصادها وأخلاقها وسياستها وهو الطريق الذي سلكه أسلافنا فسيطروا على الحياة في الأرض وامتد سلطانهم من الصين شرقا إلى الأندلس غربا.

وإما أن نختار ما نحن عليه الآن وقد نالنا منه الضعف والذل والهوان يتركنا الله لأعدائنا ولن تقوم لنا قائمة.

ولا شك أن الطريق الأول يتعين الأخذ به بسرعة فنحتكم فيما بيننا إليه كما أمرنا الله حيث قال {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً}.

وننفذ أمر الله في قوله {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ}.

إن أعداءنا يُرْهِبوننا بإمداد اليهود بأحدث المعدات حتى نظل على موقفنا لا نتحرك وأمامنا كتابنا يوضح لنا الطريق، طريق الذين يخافون أعداءهم وطريق المجاهدين الصابرين المتوكلين على ربهم.

فأما الذين يخشون قوة أعدائهم فهم الخاسرون الضائعون المشردون واقرأ قوله تعالى عن موسى وقومه: {يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ. قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ. قَالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ. قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَداً مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ}.

فكان جزاء هذا الخوف أن حكم الله عليهم بقوله {فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ}.

وأما الذين يخافوا من أعدائهم بل جاهدوا مع قلتهم معتمدين على ربهم فقد أيدهم الله ونصرهم، اقرأ قول الله تعالى في قصة طالوت وجنوده مع الملك الجبار جالوت الذي أذل بني إسرائيل وقتل رجالهم وسبى نساءهم.

توجه طالوت بجنده لمحاربة جالوت ولما جاوزوا النهر في طريقهم إلى جالوت قال جنده: لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده قال الذين يظنون أنهم ملاقوا الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين_ وارتد من جيشه ضعفاء القلوب وقاتلت القلة المؤمنين مستندة إلى الله طالبة منه أن يثبت أقدامهم وينصرهم فكانت معجزة النصر لهم يقول الله سبحانه وتعالى {وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ. فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ} فهذا الجبار قتله داود الذي لم يبلغ بعد مبلغ الرجال إرادة الله لنصرهم وإنما آمرُه إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون وأقرب الأمثلة لنا حالة المؤمنين في غزوة الخندق وعمل المسلمين ليلا ونهارا لمواجهة أعدائهم وقد خطط اليهود مع مشركي الجزيرة العربية تخطيطا لإبادة المسلمين وقال لهم إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل فعلى المسلمين أن يخوضوا المعركة مع الكفار ولا يخشون قوتهم ويقولون مؤمنين بنصر الله لهم {حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ}.

وقد صور الله حال المسلمين في غزوة الأحزاب بما هو أشد من حالتنا الآن مع الكفار فقال تعالى وهو يذكرهم بنعمة النصر:

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً. إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا. هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً}. هذا حال المؤمنين الذين وهبوا حياتهم للجهاد في سبيل الله وكانت نهاية أعداء الله كما قال الله {وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْراً وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيّاً عَزِيزاً وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً. وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضاً لَمْ تَطَأُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً}.

والآن وقد تحزبت علينا أحزاب الكفر فلا طريق لنا إلا الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة رضي الله عنهم.

فأين المؤمنون؟

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ}.