طباعة

 توثيق النص

 

 

 

 

حكمة الصيام من الوجهة الطبية

بقلم أحمد محمد سليمان: الطبيب بمستوصف الجامعة

 

 

شرع الله الصيام عبادة وتقوى وله فوائد نفسية روحية فمع الإحساس بالجوع يشارك الفقراء في نفس الإحساس فيسارع بإطعام الجائع وإغاثة المسكين، وتقل ضراوته واعتداؤه وصخبه حيث تقل الطاقة الجسمية مع نقص مستوى الجلوكوز (سكر العنب) في الدم وبهذا يتعود الهدوء والوداعة والسكينة. ثم أنه يفطر في موعد محدد ويتناول سحوره في موعد محدد فيتعلم النظام قانون الله في الوجود وفي هذا الخير كله في النفس والبدن معا.

وعند علاج كثير من الأمراض النفسية يلجأ المداوي في الطب القديم إلى استعمال الحميه ويلجأ الطبيب الحديث إلى استعمال جرعات صغيرة من الأنسولين التي تنزل بمستوى سكر العنب في الدم فيشعر المريض بأعراض تشبه أعراض الصيام قبل الإفطار بساعتين أو ثلاثة فبذلك تهدأ نفسيته ويقبل على أكله بشهية.

والنفس في حالة مرضها تحتاج إلى نوع من الحمية فإذا صاحب ذلك قراءة للقرآن والأحاديث والمواعظ تتقبل النفس الخير الذي تحتويه والنفس (في حالة الجوع) تكون صافية ذات قابلية عالية للإيحاء النفسي فتدخل عليها تلك المواعظ والحكم الإلهية فتقابل أرضا خصبة ممهدة تقبل الخير وتزدهر منها المحبة الخالصة لله جل وعلا ومن أفنى عمره في عبادة الله وحب الله دخل جنة الآخرة وأحس نعيم الدنيا. وجميع أنواع المحبة الأخرى تنبع من حب الله فمن أحب الله بر أهله وأحب جاره وأحب أخاه المسلم وهذه الدائرة تنعكس عليه فيشعر بالنور والرضا يشيع في جنبات نفسه كيف لا وقد أصبحت نفسه مليئة بحب الله فلا محل فيها لضغائن ولا أحقاد ولا حسد ولا فساد طوية. ومن هذه المحبة للخير للناس يشعر الإنسان بسعادة حقيقية.

ومع السعاة النفسية تزول الأمراض النفسية والنفسية الجسمية أيضا كالقرحة وضغط الدم والقرحة الإثني عشرية وألم الشراسف الخ.

ولا شك أن الصيام يعود الإنسان أن يتحكم في شهواته فيكف عن الطعام طاعة لله فيتعلم بذلك أن يكف نفسه عما يضرها من طعام أو شراب وتكف نفسه عن الشهوة الجنسية عندما تكون تنطبق عليها الآية: {فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ}.

والصوم جنة كما ورد في الحديث الصحيح فكما ترون فالشق الأكبر من فوائد الصيام هو شفاء النفس والشق الأصغر يتناول شفاء الجسم فمرض البول السكري في مراحله الأولى وخاصة عند السمنة يكون علاجه بالصيام والحمية عن المواد السكرية والنشوية وعفونة الأمعاء وتخمراتها يعالج بالصيام.

ومرض ضغط الدم يفيد فيه الصيام بالإقلال من الملح والدسم الذي يحوي الكولسترول الذي يسبب تصلب الشرايين.

وعسر الهضم يعالج بالحمية وبتنظيم وجبات الطعام وعدم إدخال الطعام على الطعام وهذا موجود في الصيام. وللاستفادة من الصيام ينبغي ألا يسرف الإنسان في الأكل في الفطور أو السحور وأن يبتع الحديث النبوي "ما ملأ ابن آدم وعاء شرا من بطنه بحسب ابن آدم لقيمات يُقمن صلبه فإن كان ولا محالة فاعلا فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه", وحتى يكون خفيفا نشيطا فيقدر على أعمال العبادة من صلوات التراويح إلى التهجد الخ.

والسنة في الإفطار على التمر والماء لها حكمة طبية فالتمر يحتوي على مواد سكرية سهلة الهضم فتصل إلى الدورة الدموية مع الماء عن طريق الأمعاء خلال دقائق قليلة فيرتفع الجلوكوز (سكر العنب) في الدم إلى المستوى الطبيعي خلال دقائق ونظرا لأن تعب الصائم وإجهاده مرده في الغالب إلى نقص الماء والجلوكوز في الدم فعندما نفطر على تمر وماء فيذهب التعب والإجهاد فور الإفطار بخلاف ما إذا أفطر على فطائر أو أرز مثلا فإن هذه تستغرق في الهضم وقتا طويلا مما يؤخر التعب والإجهاد . والسنة المبادرة بالفطور فور دخول المغرب وتأخير السحور إلى آخر وقتها "لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر" رواه البخاري.

ثم إن للصائم فرحتين ولا شك أن انتظار الفرج بحلول وقت المغرب حتى تحل أزمة الجوع وتفطر على تمر وماء على بساطتهما تشعرك بأن الدنيا هينة وأن أشق ما في الدنيا من هم السعي لأجل الرزق تكفي فيه بضع حبات من تمر وجرعة من ماء على حل هذه الأزمة فلماذا هذا الجري وراء الدنيا وزينتها؟! مع التماس مسائل غير مشروعة لجلب الرزق ثم البكاء على ما فات والحسرة والندم على هذه الفرصة وتلك السانحة والناس من خشية الفقر في فقر . فالإنسان عليه أن يسعى لرزقه ولكن لا يتكالب على الدنيا ويجري وراء الدينار "تعس عبد الدينار تعس عبد الدرهم تعس عبد القطيفة تعس عبد الخميلة. تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش" صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم تسليما كثيرا. ونختم بهذا الحديث الذي يفيض حكمة ويصلح في طب النفس وإصلاحنا بالقناعة بأساسيات الحياة "من أصبح آمنا في سربه معافى في بدنه عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها"