طباعة

 توثيق النص

 

 

 

 

العدوان على بنت عدنان

لفضيلة الشيخ يوسف عبد الرحمن الضبع

المدرس في كلية الشريعة بالجامعة

 

 

يسرف بعض الناطقين بالضاد في استعمال كلمات تجافي القواعد والأصول التي أرسى أساسها السلف وأودعوها أمات المراجع وأمهات المعاجم، وما أجدر الخلف أن يترسم خطاهم في التزام ما دوّنوا حفاظا على هذا التراث الخالد المتدفق من ينابيع القرآن تسيل بها أودية بنت عدنان في العالمين والتي باها أفصح من نطق بالضاد، ولنا فيه أسوة حسنة في تقويم الألسنة، وقديما قيل: "لو استقمتم لاستقامت ألسنتكم"، حكمة بالغة فما تغني النذر.

من ذلك التعدي في ثوب مهلهل من التحدي ما تطالعنا به الصحف السيارة من أخطاء لغوية يضل فيها الساري سواء السبيل في اللغة العربية، وخليق بالصحافة وهي من وسائل الإعلام الباقية ألا يعول لها ميزان في تنقية الأساليب مما يرنق صفوها وينأى بها عن الجادة.

وإني أسوق للقراء الكرام قلاّ من كثر على سبيل الأمثلة لا على سنن الحصر والاستقراء مبينا وجه الصواب فيها رجاء الحرص على التزامه لأنه الحق والحق أحق أن يتبع.

من ذلك جمع الكلمات (مكتوب، مشروع، موضوع، مفهوم) وما أشبهها مما هو في المفرد على وزن مفعول جمعا يأباه الكتاب وتنفر منه السنة حيث نرى جمعها خطأ على (مكاتيب، مشاريع، مواضيع، مفاهيم) على وزن مفاعيل، وهذا الجمع وبالتالي هذا الوزن ليس لها ولا لأشباهها لأنه لم يسمع عن العرب الألى نحن من جلدتهم ونتكلم بألسنتهم، وإني إذ أنقل ما نصّ عليه فحول العلماء وهم قدوتنا بعد الأنبياء آمل أن نسير على دربهم ليتصل حبلنا بحبلهم.

قال العلامة الصبان في حاشيته على شرح الأشموني لألفية الإمام ابن مالك في أعقاب باب جمع التكسير عند قول الناظم[1]:

وبفعـالل وشبهـه انطقـا

في جمع ما فـوق الثلاثـة ارتقـى

فائدة: "لا يجمع جمع تكسير نحو مضروب (يعني ما كان على وزن مفعول) وشذ ملاعين جمع ملعون، ذكره ابن هشام في شرح بانت سعاد".

وهاؤم اقرأوا ما كتبه مسك ختام المجتهدين من اللغويين والنحاة ابن هشام الأنصاري طيب الله ثراه في تحليته لبانت سعاد عند تحليله لقول كعب بن زهير سر أبيه حكيم العرب وصاحب الحوليات زهير بن أبي سلمى:

أمسـت سعـاد بأرض مـا يبلغهـا

إلا العتـاق النجبيـات المراسيـل[2]

"وإنما تمنع الصفة المبدوءة بالميم من التكسير في مسألتين:

- إحداهما: أن تكون على وزن مفعول كمضروب وشذ نحو ملاعين ومشائيم.

-         والثاني: أن تكون الميم مضمومة".

 ولعله يشير إلى مثل قول الشاعر المجهول في الأولى:

إن هـو مستوليـا علـى أحـد

إلاّ علـى أضعـف المجانيـن

وقد تفرّقت روايات عجز هذا البيت مما جعله أكثر هلهلة من نسج العنكبوت إذ جعل بعض المنشدين العجز (إلاّ على حزبه الملاعين)، على حين جعله بعض آخر (إلاّ على حزبه المناحيس) وأيا ما كان عجزه فما أغنانا عن الروايات الملفقة التي ندت عن المألوف ونبت عما اصطلح عليه فضلاء العلماء وما يعقلها إلا العالمون.

وقد أشار المحقق الصبّان إلى جموع الكلمات (مكتوب، مشروع، موضوع، مفهوم، ملعون) وأمثالها بأنها تجمع جمع تصحيح لا جمع تكسير، بدليل قوله: فيقال:مختارون ومنقادون في جمع مختار ومنقاد، يعني بذلك حالة الرفع، أمّا في حالتي النصب والجر فيقال: مختارين ومنقادين.

ومثل ذلك يقال في جمع مثل مضروب والكلمات مكتوب وما بعدها فتجمع هكذا مضربون رفعا ومضروبين نصبا وجرا.

وفي القرآن الحجة البالغة والدليل والبرهان، ألم تر إلى ربك كيف قال: { وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاس ِ}، {قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهاً غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ }[3]جمع مسجون، { قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ }[4] جمع مرجوم، { إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ } جمع معزول، { وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ }[5] جمع مقبوح،  {لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ}[6] إلى قوله تعالى: { مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلاً }[7]جمع ملعون، { إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ}[8]جمع منصور، {أَئِنَّا لَمَبعُوثُون} 47 {لَمَجمُوعُون} 50 { وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ} 60 {بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ} 67[9].

تلك عشرة كاملة من آيات الله المحكمات تضاف إليها آية النازعات العاشرة { أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَة ِ} كلّها ناطقة بجمع موازن مفعول جمع تصحيح لمذكر، ولنا قياسا متبعا وليس مبتدعا جمع مكتوب ومشروع وموضوع ومفهوم على مكتوبات ومشروعات وموضوعات ومفهومات جمع تصحيح لمؤنث، أعني به ما دل عليه قول الناظم:

ومـا بتـا وألـف قد جمعـا

يكسـر في الجـر وفي النصـب معا

  والله المسئول أن يهدينا سواء السبيل.

 

 

 

 



[1] ص 126 ج 4 حاشية الصبان.

[2] ص 46 من شرح بانت سعاد للإمام ابن هشام.

[3] سورة الشعراء آية 29.

[4] نفس السورة الشعراء آية 116.

[5] سورة الشعراء آية 212.

[6] القصص آية 42.

[7] الأحزاب آية 60.

[8] الصافات آية 172.

[9] الأربعة كلها في سورة الواقعة.